كلٌّ في مكانه جولة أدبية

، بقلم فاروق مواسي

عندما أقرأ المتنبي أجدني أردد هذا البيت من حكمته:

ووضعُ الندى في موضع السيف بالعلا
مُضرٌّ كوضع السيف في موضع الندى

إذ يجب أن يعامل كل إنسان حسبما يستحق، فمن استحق العطاء والكرم لا يُستعمل معه السيف أو القوة، ومن استحق العقاب لا يكرم بالعطاء، فالصواب وضع الأشياء مواضعها، وحملها على حقيقة مقاصدها، وذلك حتى لا نضرّ بالعلا والمجد، فلكل مقام مقال، ولكل مقال مقام.
وثمة معنى قريب قاله الشريف الرضيّ:

العزم في غير وقت العزم مَعْجَزةٌ
والازدياد بغير العقل نقصانُ

فلنعط كل شيء حقه، وحتى كلامنا فيجدر به أن يكون مقصودًا لا عشوائيًا وله أثره، وألا يكون جُزافًا يُطْلق على عواهنه،

وإلا فإن هُبيرة بن أبي وهب يذكّرنا:

وإن كلام المرء في غير كنهه
لكالنبلِ تهوي ليس فيها نصالها
وعندها نسأل: وماذا أفدنا؟

وقد نندم على "الكلام الفارغ"!

على ذكر الندم، أتذكرون قصة (أندم من الكُسَعيّ)؟

"هو رجل من قبيلة كُسَع، ومن حديثه أنه كان يرعى إبلاً له بواد مُعشِب، فبينما هو كذلك إذا أبصر نَـبْعة في صخرة أعجبته، فقال: ينبغي أن تكون هذه قوسًا، فجعل يتعهّدها ويرصدها حتى إذا أدركت قطعها وجففها، فلما جفت اتخذ منها قوسًا [....] ثم خرج حتى أتى قُـتْرة على موارد حُمُر، فكمن فيها فمر قطيع منها، فرمى عَـيرًا منها فأمخطه السهم، أي أنفذه فيه وجازه، وأصاب الجبل فأورى نارًا فظن أنه أخطأه [...] فمر قطيع آخر، فرمى منها عيرًا فأمخطه السهم وصنع صنيع الأول"

وهكذا تكرر الأمر وهو يظن أنه لم يُصب.

"ثم عمد إلى قوسه فضرب بها حجرًا فكسرها، ثم بات، فلما أصبح نظر فإذا الحمُر مطروحة حوله مُصَرعة، وأسهمه بالدم مُضَرَّجة، فندم على كسر القوس فشدّ على إبهامه فقطعها، وأنشأ يقول:

ندمتُ ندامةً لو أن نفسي
تطاوعني إذن لقطعت خَمسي
تبين لي سَفاه الرأي مني
لعمرُ أبيك حين كسرت قوسي

واشتهر المثل "أندم من الكُسَعي"، فذكره الفرزدق حين أبان النَّوار زوجته، وقصته مشهورة:

ندمت ندامة الكُسَعي لما
غدت مني مطلقةً نَوارُ.

(الميداني: مجمع الأمثال- 4291)

لكن الندم هنا كان مُسَوَّغًا، بينما فيما ذكرت عن النبل التي ليس فيها النصال فإننا نندم على تضييع الوقت، وعلى الأمل في غير موضعه، فليكن لكل كلام موقع وأثر.

نقرأ هذه الأيام عن قرار المحاكم الإسرائيلية بتعويض الشرطة على تكاليف عمليات الهدم في العراقيب وسواها، وبالطبع فعمونة وغيرها لا علاقة لها بهذا القرار، فالذين هدمت منازلهم في هذه المستوطنة وسواها يُعوّضون، بل يعتذرون لهم، بل سيبنون لهم مستوطنة أفضل.

تذكرت قول أبي الحسن المُزَني في كتاب الثعالبي (يتيمة الدهر- ج4، ص 346):

ولم أر ظلمًا مثل ظلم ينالنا
يُساء إلينا ثم نُؤمر بالشكر

وفي قراءتي للواقع الراهن أقول:

يساء إلينا ثم نُؤمر بالدفع

وبذلك يصدق قول أبي تمام:

ومما ضرّم البُرَحاءَ أني
شكوتُ فما شكوتُ إلى رحيم

فنحن نطلب الشيء من/ في غير الموضع أو المكان، وقد فطن لذلك الطِّرِمّاح في قوله:

يا طيِّئَ السهل والأجبال موعدكم
كمبتغي الصيد في عِرّيسة الأسد

فهل نطلب الدبس من طـيـ النمس؟

يقول الكُميْت:

وإني وتَمداحي يزيدًا وخالدًا
ضلالاً لكالحادي وليس له إبْل

هكذا إذن فالنتيجة هباء وخواء، فلنضع كل شيء في موضعه، ولنؤمّل ممن يُعقد عليه الأمل، ولا يغرّنا سراب بقِيعة!


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف