القراءة الأنثروبولوجية للنص الأدبي رواية: عائشة أحمد زغب

إن النص الأدبي، يمكن أن ينطلق من العمل الإنثنوغرافي الميداني مع تدخل الأديب ،لكي يختار من الأحداث والمشاهد ما يتلاءم مع عمله الفني ومع الموضوع والرسالة التي يهدف إلى تبليغها. ويتحول إلى ما يشبه العمل الإثنوغرافي المكتبي.

يتساءل Jean pierre Gerfaud, وJean Paul Tourrel إذا كان النص الأدبي في ذاته يحمل سمة الثقافة التي انتجته،فكيف نتناول العمل الأدبي والموضوع الأنثروبولوجي تحت عنوان واحد.

إن استخراج نص الثقافة من ثقافة النص عمل ممتع لكنه شاق، فتحييد النص؛ أي المادة المكتوبة يلغي أدبيته، بينما إلغاء روحه بسبب التركيز على أدبيته يجعله قطعة موسيقية تحمل مجموعة أحاسيس ولا تحمل معاني وأفكار وثقافة..فالقراءة سواء اكانت بهذا المنهج أم بغيره فعل سحري يحاول أن يتمكن من روح النص،يلغي مادته المكتوبة ليفك الشفرات ويعري الرموز وكشف أسراره.

إنتاج المعرفة هدف أي قراءة، والقراءة الأنثروبولوجية تحوّل نصا أدبيا إلى معارف عن الجانب الاجتماعي ونمط المعيشة والثقافة وتذهب الى الهامشي الذي لا يكاد يلمسه احد من النقاد كالممارسات الطقوسية والسحرية، ويكون الأديب وظفها متعمدا ليطرح أفكارا ويعالج قضايا، ولا تكتفي بذلك إنما تحاول الكشف عن رموزه وتأويلها واستخراج النماذج الأساسية للثقافة المسيطرة على مجتمع النص الأدبي.

نبدأ بالمستوى الإثنوغرافي لرواية عائشة، للأديبة الناشئة حواء حنكة ،ونكشف عن ملامح المجتمع من حيث الجانب الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، ثم نركز على الجوانب الثقافية،وأخير ننتقل إلى المستوى الأنثروبولوجي.

يمكن أن نطمئن القارئ الكريم من البداية أن رواية:عائشة للأديبة الناشئة حواء حنكة، ثرية بمظاهر الثقافة وتكشف عن مجتمع تقليدي صالح للدراسة الأنثروبولوجية بمفهومها وآلياتها القديمة التي ظهرت بها في القرن التاسع عشر علي يد إدوارد تايلور ودي مونتاني ومونتيسكيو ومالينوفسكي وغيرهم.

المستوى الأثنوغرافي:

يبدو العمران تقليديا في المنطقة المسماة (عميش) جنوب وادي سوف، بيوت من الجبس، قباب وادماس، دكاكين وبعض الحرف كحرفة الحلاق، هناك الكهرباء والمكيف والتلفون الاستماع إلى الإذاعة، فالمجتمع دخلت عليه وسائل التكنولوجيا الحديثة. نلاحظ من ملامح الطعام واللباس، فالطعام نجد الخبر والمرق، والفوال الذي يطوف بين الشوارع بقدر الفول.
ومن ملامح اللباس نجد ما يعبر عن الثقافة، ولا سيما الحجاب والفستان الطويل والمضموم على الصدر وستر ملامح الأنوثة واللحاف الذي يغطي كل شيء إلا إحدى العينين للاستدلال بها على الطريق، نجد البرنوس المنسوج من الصوف للرجال هذا اللباس يشير بوضوح إلى الثقافة.

المستوى الاجتماعي:

نجد صورة بائسة لعلاقات القرابة في هذا المجتمع، فالأم تفرط في ابنتها لا لشيء إلا لأنها معوقة ذهنيا، وتتركها لوالدتها جدة البنت المعوقة غير مراعية سنها ومعاناتها في رعايتها، نجد الزوج يشك في أن العقم عنده أو عند زوجته ويرغب أن يجرب مع امرأة أخرى لكنه يخشى أن تطلب زوجته تجريب حظها أيضا،فالإنجاب عامل مهم لحفظ النوع، ومن ثم يكون محورا هاما من محاور الرواية.

التكافل الاجتماعي يحضر حينا ويغيب أحيانا،ففي ما يتعلق بالعِرض والقيم المعنوية نجد غيرة صالح الفوال على بنات الحي وضربه لعباس الحلاق، من جهة أخرى نجد الجيران يتفرقون بسرعة حين ألمح إليهم عباس بأن شركة الكهرباء سوف تقطع عنه التيار بسبب عدم دفع مستحقاته، والعلاقة بين الرجل والمرأة تظهرها الرواية على أنها متشابهة في المشاعر بين المرأة والرجل غير ان الثقافة تحاول دوما تغليب قيمة الرجل على المرأة؛ فالمرأة تشعر بأن زوجها ملكيتها الخاصة، ولذا ترفض رفضا صارما أن يشرك معها زوجة ثانية، تماما مثلما يشعر الرجل بملكيته لزوجته، وتشريعات الدين النظرية ،إباحة تعدد الزوجات لا ينظر إليها إلا صاحب المصلحة فيها. كذلك مقولة أن الدموع سلاح المرأة ،تقتنص الكاتبة موقفا دراميا يبكي فيه الرجل ليغير موقف زوجته منه (صالح الفوال) لتقول إن الدموع سلاح الرجل أيضا.

أما التركيبة السكانية لمجتمع الرواية فنلمح إحدى الشخصيات الرئيسية وهو صالح الفوال، وهو من أصل زنجي، تقول الرواية إنه من أصل تشادي كان جده عبدا مملوكا لكن تم عتقه ومنحه لقب العائلة فأصبح منها، ومع ذلك فربما يعاني التمييز بسبب من لونه، لكن الكاتبة تقول إنه لسبب آخر لا يعلمه إلا هو، وهذا غريب كيف لا يعرفون العيب ويرفضون تزويج بناتهم إياه، أما سواد البشرة فهو أمر معلوم للجميع .مع أن الدين الرسمي في جانبه النظري لا يميز الناس بسبب لونهم إنما بسبب أعمالهم، ونلاحظ ان عمل صالح الفوال كان خيرا، ومع ذلك فقد بلغ سن الأربعين دون أن يزوجه أحد ابنته.

المستوى الثقافي:

من دون شك أن الثقافة متفرعة جدا، وبما أن الدين هو أساس ثقافة المجتمعات التقليدية، نجد عامل التقديس يدخل في كثير من الطقوس اليومية، ونجده في طقوس العبور ،نجد المعتقدات الخرافية، والأساطير وحتى بعضا من الرواسب الثقافية،ونبدأ بالدين:

الديـــــن:

نلمح التدين واضحا في مجتمع الرواية، فالقادة الجدة، تصلي وتحرص على أداء الصلوات والأذكار والمسبحة أداة الحساب في ذكر الله، ومع ان العجوز لا تحفظ إلا سورة واحدة هي سورة الإخلاص،فهي تحرص على اداء الصلوات في اوقاتها. أما الرجل زوجها فقد أدى فريضة الحج وغسل ذنوبه ثم انتقل إلى جوار ربه نظيفا وهو في طريقه إلى الوطن.كما نسمع في القرية المؤذن ينادي للصلوات.

كما يدخل الدين في الممارسات الدنيوية اليومية،فعند البدء بأي شيء لابد من طقس قولي هو ذكر البسملة خاصة عند تناول اللقمة الأولى من الطعام. ومن طبيعة المجتمعات التقليدية أن الوعي الجمعي قوي يردع الفرد عن اقتراف الخطايا، مع ان للدين وازع كذلك، وكثيرا ما يصغي الناس للوازع الاجتماعي أكثر مما يصغون إلى الوازع الديني.لذا جاء قول صالح الفوال تخاف من العباد ولا تخاف من رب العباد، يتذكر الناس الوازع الديني بعد ارتكاب الخطيئة فيستغفرون، بل يدعون الله أن يستر خطيئتهم ،وقت اقترافها كما فعل عباس الحلاق وهو يغتصب الفتاة المتخلفة عائشة ويتمتم:

- يارب استر!!!!

كما يفكر عباس انه لا يريد ان يموت وقت الخطيئة، فظل يستغفر ويستغفر، وكأن قوة خفيه حثته على الشر لم يستطع مقاومتها، و لا أعرف كيف يستساغ أن ينهاهم الله عن الخطيئة ويسترهم عند ارتكابها ثم يغفر لهم المعصية فيما بعد؟، فكأن هذا النهي الإلهي لم يعد معنى في أذهانهم، هذا إذا استعملنا مبادئ العقل البسيطة، لكن المشكلة دائما أن للدين منطق آخر هو فوق المنطق الاعتيادي.

المعتقـــدات:

نلمح في الرواية كثيرا من المعتقدات، بعضها مستمد من الدين مباشرة، وبعضها من القيم الإنسانية العامة، وبعضها عبارة عن رواسب ثقافية تكون قد علقت من ثقافات غابرة سابقة عن الثقافة المهيمنة. فمن بين المعتقدات الإيمان بالحلم أو الرؤيا الصالحة التي تكشف حجب الغيب، وهو أمر يقبله الدين في نصه المقدس ونصوصه الحافة (الحديث الشريف) فالرؤيا الصالحة جزء صغير من النبوة. فقد رأت حورية أرملة عباس زوجها الراحل بعد وفاته عدة مرات يوصيها بالأمانة. و كانت الأمانة هي الجنين الذي في بطن المسكينة المعتوهة عائشة.كما أن من المعتقدات الدينية (حسب الدين الرسمي) أن الميت يشعر بزائري قبره،من المعتقدات كذلك نجد طائر الليل الذي يخطف الأطفال، وهذا المعتقد من الرواسب القديمة نجده في الثقافة الأمازيغية، فثامزا غولة تتنكر في طائر تخطف الأطفال من أمهاتهم كما نجد من الرواسب أم الليل أو البومة التي تنتقم من الأمهات في أبنائهن، ونجد الاعتقاد بان من الإنس من يتزوج جنيات،وهو معتقد قديم يوجد في كثير من الثقافات الغابرة.

ويرتبط بالمعتقدات التقاليد، والتقاليد عادات ميتة او فاقدها لمبرراتها إنما تؤدي دورا ثانيا قد يكون نفسيا لاحترام الأسلاف أو الاطمئنان، من ذلك السحر الاتصالي الذي أشارت إليه الرواية في الخوف من انتقال العدوى لمجرد استعمال المنشفة التي تستعملها المعتوهة (ص24)، وحفر حفرة في القبر والإفضاء بالسر ثم دفن الحفرة باعتباره دفنا للسر في القبر وهو بمثابة السحر التشابهي، والتشاؤم من ولادة البنت وهو راسب من الثقافة العربية الجاهلية ، ولا يزال يمارس على نطاق واسع على الرغم من أن الدين الرسمي (النص القرآني) ندد به.

ومن تقاليد طقوس العبور ما وصفته كاتبة الرواية ببعض التفصيل، هو العدة والحداد لأرملة المتوفى، (حورية زوجة عباس الحلاق) فالنساء يزرن القبر للفقيد ويبللن قبره بالعطر يبكينه، ثم يعدن لزيارته لثلاثة أيام على التوالي بعد بزوغ الفجر.

تلبس زوجة المتوفى السواد وتزور قبره حاملة ماء غسلها وثيابها التي كانت تلبسها وترميها بالمقبرة إشارة إلى انها بدأت الحداد على زوجها وهي مدة العدة كما قررها الفقهاء أربعة أشهر وعشرة أيام، كما تعود إلى القبر يوم انقضاء العدة..

كما أشارت الرواية إلى عادات تتعلق بالنساء وهي مظاهر الوحم المبشرة بالمولود الجديد، فبالإضافة إلى النوم الكثير والقيء، فالمرأة في حالة الوحم تأكل الفحم والطين.

الخبرة الشعبية في التمريض والتوليد:

تكشف لنا الرواية عن خبرة شعبية في العلاج لا سيما لدى النساء، فقد جرحت البطلة المعتوهة عائشة بسبب عضة حصان، ولما كانت ذراعها تدمي أخدت الجدة قطعة قماش ربطت بها الذراع الجريحة حتى يخف النزيف، ثم أخرجت مسحوق نبتة تسمى الخياطة موصى بها لتضميد الجروج، وكانت كل ليلة تضمد الجرح بقطعة قماش جديدة وتذر عليها مسحوق النبتة.

وتستطرد الكاتبة إلى أن الجدة كانت ترحل الى الصحراء في الربيع فيجمعون كمية كافية من هذه النبتة وبعض الأعشاب الأخرى التي تصلح للتطبب في أمراض أخرى.

كما تكشف الكاتبة خبرة أخرى في التحليل الطبي والخبرة في معرفة إن كان في بطن المرأة الشابة جنين أم لا،فتقول عن العجوز القادة، حصلت على كمية من بول الفتاة في الصباح إثر نهوضها من النوم، ثم قسمته إلى نصفين في إنائين وضعت في الأول كمية من ملح الكلور،ووضعته غير بعيد لتشهد التغير الحاصل فيه، والإناء الثاني أحكمت عليه الغطاء بكيس بلاستيكي، ودسته تحت الخزانة ليبيت ليلة، وأطلت في الإناء فاتسعت حدقتاها بحجم عيني البومة راسب أبيض بالأسفل!!!!! أما الإناء الثاني فتحول إلى سائل مخاطي فتأكدت الجدة أن عائشة حامل حامل فأحست بدوار (ص52/53).

كما تستعمل الخبرة الشعبية بعض الأعشاب لإجهاض الحمل غير المرغوب فيه، وذلك بالشيح والحلبة المغلاة في الماء، وهذه الخبرة يأخذها الخلف من السلف فقد أخذتها القادة عن لالة مريم.

الأدب والفنون:

نجد بعض من شذرات استعمال الأدب، كالأمثال الشعبية والشعر والغناء، وهي أشكال تعبيرية لا يخلو منها مجتمع سواء اكان تقليديا أم معاصرا متمدنا، فمن الأمثال:’’ الحنانة تجلب الطير‘‘ والحكاية الشعبية لعزة الدرويش (ص12) ومن الشعر نجد غناء الجدة بأبيات من الغزل في وصف لشعر المرأة حين كانت تمشط شعر عائشة حفيدتها المعتوهة، وهي قصيدة عيشة وعرعارة لشاعر شعبي معروف يدعى العربي بالشهبية المصباحي (توفي 1930):

ريت خد عيشة وهذب عن عرعارة
توام ريم ما بين الخطوط اوكارة
ريت خد عيشة ضاوي
واما الشفايف ورد فتح راوي
وغثيث عرعارة هفي متلاوي
كما ريش صلب عن عظام صغاره

المستوى الإثنولوجي:

تبدو من خلال الرواية ثقافة المجتمع القائمة على التعايش بين السكان وحتى بين أعراق مختلفة (نلمح صالح زنجي الأصل)، وكقاعدة للثقافة نلمح الدين التقليدي القائم على الطقوس بالدرجة الأولى، أما السلوكات فتعكس روح الدين حينا وتشذ عنها أحيانا أخرى، فالجدة تحرص على أداء الصلاة والذكر في كل وقت ،لكنها كانت تحقد على المعتوهة من غير ذنب وتعاملها بقسوة، بل سلوكها السيء ينعكس حتى على الجيران، فلها لسان سليط و لها مقدرة عجيبة على إطلاق الشتائم (ص17)،فالدين في هذا المجتمع لا شأن له بالسلوك كما لا شأن له بمنطق العقل، فعلى سبيل المثال عباس الحلاق يرتكب الخطيئة ويدعو الله أن يستره عند ارتكابها ثم يدعوه أن يغفر له بعد ارتكابها، بينما يشعر بالندم الذي يجعله ينتحر بمجرد أن تأكد أن زوجته وجاره علما بأمر تلك الخطيئة (اغتصاب عائشة المعتوهة) فالوازع الاجتماعي غالب على الوازع الديني، لذا جاءت العبارة التي قالها عباس لنفسه بسبب الخوف لما اكتشف صالح أمر جريمته:

هل من المعقول أن ينتفي العالم ....إلى كائن واحد حين يغزو الخول قلوبنا أتخاف من العباد ولا تخاف من رب العباد؟ (ص43).

ويبدو الدين الرسمي شبه غائب ،إلا في بعض الطقوس كما أسلفنا كطقوس الصلاة والحج والبدء بالبسملة والاستغفار، إنما يبرز الدين الشعبي بممارساته الطقوسية، في المعتقدات الخرافية وفي السحر والجن والأحلام والأموات الذين يشعرون بقدوم زائريهم، كما أن كثيرا من القيم الإنسانية شبه غائبة فالمعتوهة تعامَل بقسوة من أبويها اللذين تركاها للجدة العاجزة، والجدة تضربها بعكازها بلا رحمة دون أن يكون لها أي ذنب في إعاقتها أو في وجودها مع جدتها أصلا.

أما إذا انتقلنا للمرأة ومكانتها فهي ممتهنة ولا قيمة لها، نلاحظ ذلك في معاملة عباس لزوجته إذ يضربها ،ثم يطيب خاطرها بكلمة أو كلمتين، يخونها مع العقونة(= المعتوهة) ثم يقول لها:
- أنا رجل غصبا عن اهلك فهمت والا لا؟(ص45)

والمرأة محجبة ولا تظهر للرجال بل تغطي وجهها كاملا وتترك عينا واحدة تستدل بها على الطريق، ورغم كل مايرتكبه الزوج من حماقات تحزن عليه وتزور قبرة وتلبس الحداد اتباعا للتقاليد الذي يعتقد الناس أنها من صميم الدين.

المستوى الأنثروبولوجي:

تتمحور الرواية حول حاجة إنسانية هامة تعد في المرتبة الثانية بعد حفظ الذات، وهي حفظ النوع، كون والدة عائشة لا ترغب فيها بسبب إعاقتها الذهني وتكلم والدتها القادة بأنها والدت ولدا سليما من الإعاقة ولا ترضى بأن تكون عائشة معها، فالإنجاب ليس على الإطلاق إنما الإنجاب الذي لا يسيء إلى أمه اما أن يسيء إلى الجدة ويتعبها بالبنت المعوقة ذهنيا فلا مشكلة.

كما أن قصة اغتصاب الفتاة والجريمة البشعة اللاإنسانية المرتكبة في حقها فسببها أيضا حفظ النوع ، أو القدرة على الإنجاب، فأكثر ما يزعج عباس كلمة عاقر أو عقيم التي يتلفظ بها جيرانه،(ص22) وبسبب فقدان صفة الإنجاب يتحول إلى حيوان شرس، لا فرق بينه وبين حصان جلول،كلاهما أدمى جسد المسكينة، لكن جرح الحصان قابل للعلاج والبرء بينما جرح عباس أصاب الكرامة الإنسانية، فالإنسان يتحول إلى ما هو شر من الحيوان حين يلتبس عليه الأمر: حين يصطدم بغريزة حفظ البقاء سواء أكان بقاء الذات او بقاء النسل.

من أهم الرموز الثقافية في الرواية رمز عائشة، وهو رمز مهم جدا في الثقافة الإسلامية، فهي أم المؤمنين زوج النبي وبنت ابي بكر الصديق الكاريزما رقم اثنين في الثقافة الإسلامية بعد النبي ،لذلك فهي تشير بوضوح إلى القداسة والبراءة في ذات الوقت. وفي أدبيات الثقافة السنية يقال إنها اتهمت في شرفها وبرّأها الوحي الإلهي،كما أن المؤمنين والمرأة على الخصوص مدعوة لتأخذ نصف دينها عن عائشة.

وعلى هذا فالخطاب الروائي يرى عائشة رمز المرأة البريئة المقدسة التي كان ينبغي أن تتبوأ مكانة هامة في المجتمع؛ لكن الواقع أنها مسلوبة الإرادة مسلوبة الوعي بالذات، مسلوبة العقل، فهي لا تمثل إلا ضحية الانتهاكات سواء من أقرب الناس إليها أهلها والديها وجدتها، أو من قبل المجتمع، والوحيد الذي يحاول أن ينشل الضحية هو الرجل الأسود الذي يشبهها في كونه يعاني التمييز العنصري بسبب من لونه.

وما دمنا نستهدف في هذه القراءة تأويل الرموز وبناء النموذج وتحليله، فالنموذج كان في المفارقة بين عائشة المثال وعائشة واقع الحال، عائشة المثال: البراءة والقداسة والذكاء والوعي بالذات والحرية في اتخاذ الموقف (اتخذت موقفا سياسيا من الصراع السياسي ضد علي الخليفة الرابع) والعلم.

أما عائشة واقع الحال فهي مغيبة تماما عن واقعها، لا إرادة لها غائبة عن الوعي بالذات جاهلة عبارة عن جسد للمتعة واداة للنسل، وأخيرا تكون الضحية وتترك وراءها عائشة أخرى صغيرة لتكبر مكررة الدور نفسه من جديد.

فالبون شاسع بين المرأة العربية كما ترتضيها الثقافة الرسمية أو كما في مثاليات الموروث الحضاري العربي الإسلامي في عصر التأسيس (عائشة أم المومنين) والمرأة بعد أن توالت عليها قرون من التبعية والتخلف، ورواية عائشة ماهي إلا صيحة في وجه المرأة تنذر بالوضع الذي آلت إليه ، وتذكرها بمرجعيتها الحضارية والثقافية.