شاعرة .. وتشبيهٌ بليغ

، بقلم جورج سلوم

تطلبه فيهرعُ إليها..وجهاً لوجه يجلسان.

قال لها:

- يجب أن أخجل من نفسي...أعود وأكرّر...عرضي ما زال قائماً و أنتظر الردّ؟

- سأردّ عليكَ في الزّمان والمكان المناسبين.

- تلك عبارة سياسية سمعتها كثيراً..وتعني التريّث..وأنا ضقتُ ذرعاً..قوليها بكل صراحة..أشعر بأنكِ تحتفظين بي على الرّف..كأحد ألعابكِ تنزلينني وقتما تشائين وتنفُضين عنّي الغبار...تطبّقين سياسة الاحتفاظ بي...وعندما يأتي البديل ترمينَ بي في سلة المهملات.

قالت:

- تشبيهٌ بليغ..عريسٌ محتفظٌ به...هذا ما أطلبه منكَ اليوم...

- تطلبينني لتقتبسي مني مادةً لشعركِ؟..وأضيعُ بين المشبّه والمشبّه به..وأغدو أنا عريساً مُحتفظاً به !..ألا تعتبرين تصرّفاتكِ مشبوهة؟

- لا تنسَ أنّ الإنسان يحتفظ فقط بالأشياء الثمينة..ويمسح الغبار عن التّحف التي يعتزّ بها..ألا يكفيكَ تشبيهي لك بتحفةٍ أعتزّ بها؟

- تكفيني عبارة...أنتَ الوحيد في حياتي..وسأعتبرها جُرعة مخدّرٍ مستقبلية.
قالت بلهجة الواثق:

- أنتَ الوحيد الذي أملكه..وهذا يكفي..طبعاً لست الوحيد في حياتي..لكن تأكّد أن قلب المرأة لايتسع إلا لرجلٍ واحد بالرّغم من سعة صدرها...أعجبني تشبيهك وسيُلهمني أفكاراً وأشعاراً...أراكَ اليوم على الرف فعلاً..كأي علبة سردين..أمسح عنك الغبار وأتأكد من استمرار صلاحيتك للأكل..لكنني لا أشعر بالجوع الآن..

بمعنى آخر..لا أريد الزواج حالياً..وأعرف أنّ سردينك معروضٌ للبيع في محالّ أخرى...بعْ نفسك لغيري إن كنت مستعجلاً..يُعجبني فيكَ إصرارك عليّ وملاحقتك لي..أغلق بابي في وجهك فتأتيني من النافذة...ستبقى أنتَ مصدر إلهامي.

- وأنا مسحورٌ بتسويفكِ.. أحبّ الأهداف الصعبة كما تعلمين...لكن تشبيهكِ لي بعلبة سردين يثير قلقي..ليست غالية الثمن كالتحف التي تحتفظين بها..كنت أفضّل أن أكون كتاباً في مكتبتك على الأقل..أو اسطوانة موسيقية خالدة..أشياء تحتفظين بها كغذاءٍ للروح وليس للجسد..أنت شاعرةٌ موهوبة وأنا قارئ نهم..نحن صنوانِ متفقان خُلقنا لنحلّق معاً في أجواء الخيال والحب.

- في هذه الفترة من علاقتنا سأشبّهك بإحدى المعلّبات....أنا أحبّ السردين المعلّب..وأتناوله عن شهوة واشتياق أحياناً...أريد زوجاً جاهزاً لا يحتاج للتحضير قبل الطعام..مطبوخٌ ومقطوع الرأس والذيل كسمكة السردين المعلبة..لا أريد سمكة تلعب بذيلها وتنزلق بين يدي..وتحتاج لتقشير حراشفها بسكين قد تجرحني.. ومليئة بالحسك قد أغصّ بها..أتناولها بحذر وتحت ضوء الكهرباء..السردينة المعلبة تأكلها وأنت مغمض العينين..هل فهمتني؟

- صفات غريبة لعريس المستقبل؟!

أضافت:

- السردين رخيص الثمن..فلو لم تعجبك رائحته أو طعمه..تلقيه بدون حرج !..وأنت أي المعلبات تفضل؟

- أنا أحلم أن تكون زوجتي كعلبة الحلاوة..طعمها لذيذ ولا يتغير مع الزمن..حتى ولو وصلت إلى قعرها...لا تحتاج أية إضافات..وتؤكل في كل الأوقات...هذه هي فتاتي.

تساءلت:

- أوَتظنُّ أني أصلح لتقمّص شخصية علبة الحلاوة؟

- الرجال يشبّهون محبوباتهم بالعسل يلعقونهن..أو بالقشطة يأكلونهن..وأنا تواضعت واكتفيت بعلبة حلاوة من السكر الصناعي.

- وإذا ارتضيتُ أن أبيعَ نفسي لك كعلبةِ حلاوة..فكم تدفع؟..لن أكون غالية الثمن أيضاً..سأفكّر في الأمر وأردّ عليك لاحقاً..انتظرْ مني جواباً.

أيامٌ كثيرة وغير معدودة مرّت بعد هذا اللقاء..لم يتصل بها..ولم تحاول هي التحرّش به أو حتى إيقاظ غفلته..مدادُ حبرها ينسابُ أشعاراً بدون مقدّمات ودونما محفّزات...لذا لا داعي للقائه... تذكّرتْ لقاءاتهما السابقة..وكيف كانت تشبّه زواجها به كشراء بيت العمر..غالي الثمن وتسكنه مدى الحياة..تدهنه.. ترمّمه..تدفع فواتيره..تكتب اسمها على بابه..وكان يقول.. الزوجة كالسيارة الجديدة..باهظة الثمن..جميلة..مكيّفة..مريحة..تحتاج للصيانة الدورية وللتعبئة بالوقود والزيوت...

لكن لم يتم البيع وقتها..

بعد ذلك أصبح الزوج عندها عبارة عن بيتٍ مؤجّر..تحطّ رحالها به..تسكنه مؤقتاً..وكانت الزوجة عنده سيارة مستعملة..عقد مؤقت..غير معنيّ بإصلاحها وقابلة للاستبدال بأي وقت..
ولم تتم صفقة البيع عندها..

ثم تدحرج الأمر حتى وصل الزواج إلى شبهِ بضاعةٍ رخيصة الثمن..وجبة جاهزة تؤكل وترمى مخلّفاتها..

بعد سنواتٍ طويلة..التقيا بدون موعد..خطواتهما ثقيلة..كلامُهما بطيء ومتردّد..

قال:

- كبرنا ولعبَ العمر لعبته..وما زلت أنتظر الرد..

قالت:
- أصبحتُ أراكَ مجرّد ذكرى..أو حلم يجول بخاطري ولا يؤرّقني..يضمحلّ بحلول الصباح..وأنت؟
- أنا تزوّجت..اخترتُها فرساً جامحة لا تحتاج للوقود..لكنْ ألقتني عن ظهرها..وأعجز حالياً عن امتطائها..

ضحِكتْ..وقالت:

- أخبرني عن العسل والحلاوة؟

- صِرتُ محميّاً عنهما بسبب السكري الذي داهمَني..لكن ما زلتُ أراهن أنّ الزواج من شاعرةٍ مثلكِ سيبعثُ الروحَ في قلبي من جديد..تلك السنوات التي انصرمت ما انفككتُ عن متابعتكِ..وملازمتكِ..أقرأ لك وأحلّق في خيالاتي..أضيعُ بين صفحاتك..أقلّبها..أشعاركِ أردّدها وأحفظها..دواوينكِ هي كتبي المقدسة..أقبّلها..أسجد إليها..وأبكي فوق دفتيها..
قالت:

- علاقتي بك كانت مصدر إلهامي.. أستعيرُ منكَ تشبيهاتي البليغة..تمنحني المشبّه والمشبّه به..ونحذف أداة التشبيه...لو تزوّجنا لجفّت ينابيع شعري..أنت أحببتني وانتظرتني وأنا عشتُ لكَ شاعرة..وَلدتُ لكَ دواويناً وأطلقتُ عليها أسماء أولادنا..سيعيشون إلى الأبد حروفاً وكلماتٍ خالدات...عشْ مع زوجتكَ وانتظر الردّ مني على عروضكَ شعراً..وعندما تطوينا الأيام ستصبح قصتنا كتباً محفوظة قابلة للقراءة في كلّ وقت ولا تنتهي صلاحيتها..مهما أكل الزمان عليها وشرب.