رُؤى ثقافيّة «٢٧٤»

ديوان الإنسان!

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

لا شكَّ أن تاريخ نشأة الفنون أمرٌ شائك، وظنِّي، وليست هناك وثائق تثبته. غير أن ارتباط فنِّ الشِّعر بالكلمة وباللغة يرجِّح أقدميَّته على سائر الفنون. ولنا في رحلة الإنسان الفرديَّة دليل؛ فالطفل يبدأ بالمناغاة، وتعلُّم الكلام، والطَّرَب للصوت والموسيقى، حتى إن حِسَّه السمعيَّ يبدأ بالتلقِّي قبل حواسِّه الأخرى، وحتى قيل إن الجنين يُحِسُّ صوت أُمِّه، ويَطرب لإيقاع قلبها، قبل أن يُولَد. ولعلَّه لهذا جاء «السمع» مُقَدَّمًا في (القرآن المجيد) على «البَصَر».

وجاء «تعليم الأسماء كلّها» تعبيرًا عن تعلُّم الإنسان الأوَّل (=آدم) اللغة- على بعض الأقوال الراجحة- وأن ذلك كان مفتاح المخيِّلة الإنسانيَّة الأَوَّل. والصوت آلة الإنسان الطبيعيَّة، التي لا تحتاج إلى آلة، ولا إلى تكلُّف أداة. بل إن الرسالات السماويَّة والكتب الدِّينية، مذ عرفت، جاءت متلبِّسة بالشِّعريَّة. لن أتحدث هنا عن «مزامير داوود» ولا «نشيد الأنشاد»، لكن القرآن أيضًا مليء بالشِّعريَّة، وبالموسيقى اللغويَّة؛ فالتبس على العَرَب: أ شِعرٌ هو أم نثر، أم ما هو؟ وهو، بطبيعة الحال، ليس بشِعر، من حيث الجنس الأدبي، لكنه يوظِّف الطاقة الشِّعريَّة، للتأثير النفسي، وضروبًا من السِّحر البياني والموسيقي، للتأثير الجماهيري. وفي العصر الحديث كذلك التبست شِعريَّة القرآن على الذين لا يفرِّقون بين شِعريَّة الشِّعر وشِعريَّة النثر، وعَرفتْ قصيدة النثر مَن يؤصِّل لها بالقرآن، بل مَن حاكَى أسلوب القرآن في قصيدة نثره، كـ(خير الدين الأسدي، 1900-1971)، في «أغاني القُبَّة»، (1950)، وقد سمَّى قصائده بـ«السُّوَر«!

ولقد ظلَّ الشِّعر، تاريخيًّا ونفسيًّا، ألصق بالذات الإنسانيَّة والضمير الحَيِّ، وأصدق معبِّر عنهما، وأقرب ملامسة للنفس البشريَّة، وأكثر مخاطبة- في إطاره العامِّ لا في إطاره النخبويِّ- لكلِّ الشرائح والطبقات، منذ أغاني هدهدة الأطفال إلى دندنة الشيخ الهرِم في منافي العمر.

ومعروفٌ تاريخيًّا، لدَى العَرَب ولدَى غيرهم، أن إسهام الشِّعر في المدِّ الثوري، ضِدَّ الظُّلم، والاستعمار، والعُدوان، لا نظير له في فنون القول الأخرى، بصرف النظر عن الفنون غير القوليَّة. حتى إن مصطلح «الشِّعريَّة»، الذي يُضفَى على روحانيَّة الفنون وتأثيرها الجماهيري، إنَّما اشتق من طبيعة الشِّعر تلك.

قد يقول قائل: مثلًا، إن السينما اليوم تفعل شيئًا من ذلك! وأقول: إنها لم تفعله إلا باقتباسها مشعل الطبيعة «الشِّعريَّة»- المحرِّكة للمشاعر، بمزيج سِحرها وحكمتها- من فنِّ الشِّعر.

وهي تُحدِث ما تُحدِث وقتيًّا، واستهلاكيًّا، وسرعان ما يعفِّي عليها الزمنُ ويبتلعها التاريخ، ولا تضاهي بحال من الأحوال تأثير قصيدةٍ خالدةٍ قيلت قبل مئات السنين أو آلاف السنين، تظلُّ تشكِّل الذاكرة والشخصيَّة والنفس والمواقف، إنْ بحقٍّ أو بباطل.

ذلك ما عنيتُ بأنَّ: الشِّعر ديوان الضمير الإنساني، ولك أنْ ترى نقيض ذلك.

القضية، إذن، ليست هنا بمعركة مزاديَّة، بين انتماءٍ لتيَّارٍ وانتماءٍ لآخر، بل هي تلك المنطلقات الموضوعيَّة والنقديَّة لقول ما قلتُ.

ولمَّا كانت للشِّعر تلك المكانة المائزة، فلا شكَّ أنه بسببها مرتبط بالهويَّة، والعقيدة، وبمكوِّن الشخصيَّة القوميَّة، شئنا أم أبينا. ومن ثَمَّ يصبح المساس به مساسًا بالهويَّة، وبالمختلِف الثقافي، وبأُفهوم التعدُّديَّة الثقافيَّة، في الصميم. بل مساس بالإنسان، من حيث هو إنسان، لا آلة. وليس هذا في الثقافة العربيَّة وحدها، بل في الثقافات الإنسانيَّة كافَّة؛ حتى إن اللغات لتُنسَب إلى الشعراء ولغاتهم، نتيجة هذه الحيثيَّات.

لا يمكن لأحدٍ أن يتوجَّس بالضرورة على الهويَّة العربيَّة، مثلًا، حينما نستبدل العَرْضة النجديَّة بـ«الديسكو» أو رقص «الباليه»، أو حينما تقع زوبعة في مجال الفنِّ التشكيلي، أو حتى في الطُّرُز المعماريَّة.. إلخ. لأن تلك الفنون تظلُّ فنونًا خارجيَّة، لا تتعلَّق باللغة، والقِيَم، وطرائق التفكير والتعبير. فيما يحدث البركان حينما يتعلَّق الشأن بالشِّعر. ولذا فإن من الابتسار عَزْو المعارضة لتحطيم البيت الشِّعري العربي- إلى تفعيلات متناثرة، أو معارضة قصيدة النثر- إلى محض التعصُّب للقديم، أو الضيق بالجديد، أو التزمُّت والانغلاق! نعم، هناك نِسَب من تلك العوامل حاضرة، غير أن الحاضر الأدقَّ والأعمق هو شعور العربيِّ بأنها قد انتُهكت استقلاليَّته بانتهاك عالمه الشِّعري، ودُمِّر رصيده الإنساني في البناء الفنِّي، وذُوّب تميُّزه، واختُرِق اختلافُه، ودُجِّنت لغتُه في لغات الآخرين، وطُمِست ملامحه الفنيَّة الطبيعيَّة بملامح مجتلبة مستوردة، وخُنِق صوتُه، وطُعِن في مقتل، وباختصار «أُخرِب بيتُه وبيتُ الذين خلَّفوه!"، كما تفعل إسرائيل بتجريف بيوت الفلسطينيِّين.. ومن وراء البيت الشِّعري تنهدُّ كلُّ البيوت.

كان العرب «ظاهرة صوتيَّة»، كما وصفهم المفكِّر (عبدالله القصيمي)، والصوت إعلان وجود؛ وهو أضعف الإيمان. لكنَّ حالتهم تردَّت ليُمسوا: «ظاهر صمتيَّة»، وتوشك أن تُضحي اليوم حالة عَمالة مطلقة للآخَر، وللعدوِّ! وبالفعل، فإنَّ بداية الشِّعر الحُرِّ- منذ 1946- هي نفسها بداية النكبات العربيَّة الحديثة وخراب البيت العربي! ولأمرٍ من هذا المنظور البنائي، سَمَّى العَرَب السطرَ من القصيدة «بيتًا»؛ إذ هو للعربي بمثابة بيته، ومأواه. والبيت قد يُعبَّر به في العربيَّة عن القرين في عُشِّ الزوجيَّة. أفلا يقاوم العربيُّ مَن هَدَّ بيته؟! وكيف لا يثور في وجه من فَعل به كلَّ «الأفاعيل» و«التفعيلات» الحديثة؟!

أردت القول- كما أشار كاتب المقال أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي-: إن تلك هي العلاقة الحميمة والاستثنائيَّة بين الإنسان والشِّعر، وتلك هي مكانة الشِّعر التي تجعله «ديوان العَرَب»؛ لا لما يحمل من تاريخٍ ومعلومات، كما فُهمت تلك المقولة لـ(عُمر بن الخطَّاب). والإنسان البسيط يعي هذا، لا شعوريًّا، ودونما تفلسف؛ إذ يجد نفسه غيورًا على شِعره تلقائيًّا، ما ظلَّ يغار على نفسه وعرضه وبيته وماله.

تلك هي الحكاية «من طقطق لسلام عليكم»!

فلماذا حينما يُعبَّر عن هذه البدهيَّات، التي يقول بمثلها أصحاب اللغات والآداب الأخرى، يكون ذلك مثار استغراب من العَرَب؟! بل لماذا لا يستقيم أمر الفنون النثريَّة لدينا إلَّا بإزاحة فنِّ الشِّعر العربي عن مقامه، ولا تستقيم الرواية إلَّا بإزاحة الشِّعر عن مكانه، ولا يستقيم الشِّعر إلَّا بإزاحة الرواية عن مكانها؟!

إنها العقليَّة العربيَّة، التي تنبو عن التعدُّد والتنوُّع والاختلاف!

على أن سَبْر الأمور، برؤيةٍ موضوعيَّةٍ وتاريخيَّةٍ مقارنة، كفيل بالاتفاق على إرثٍ مشترَك، وحقٍّ مقنَّن، يجعل كلَّ فنٍّ في نِصابه، بعيدًا عن شخصنة القضايا الأدبيَّة والفكريَّة، أو حزبنتها، وكأننا بإزاء مباراة بين ناديَين رياضيَّين على الطريقة العربيَّة.