وجد يتجدد

، بقلم نايف عبوش

حاصرته عزلة مقيتة.. كادت تبلد رهافة حسه..وتجفف مشاعره منذ ان لازم بيته.. والتصق بالدار..بعد عودة مرهقة.. من مأساة نزوح مرعبة.. لم تكن ابدا في حسبانه ذات يوم.. فقد كابد معها برد شتاء قارص.. وعانى شحة زاد.. وانعدام دواء..في مخيم نزوح مشؤوم..كأنه معسكر سخرة..

هواجس.. هموم.. استذكارات.. تطارد مخيلته كلما وضع رأسه على وسادته للنوم..لكنه آثر عصر ذات يوم حزيراني ان يهرب من هلوسات اعيت مزاجه منذ فجر ذلك اليوم..عله يجد ضالته في أطلالة على الحاوي من سفح هضبة هدامة المشراق.. كما اعتاد ان يعمل في كل مرة يتعكر فيها مزاجه في زحمة الحياة من ذي قبل..خرج اذن راجلا يتنزه بمفرده في فضاءات ديرته لأول مرة بعد عودته من نزوح أغبر ..

انفتحت اسارير وجهه... وأحس بسحر منظر مخلط الزاب بدجلة وهو يتسلل عذوبة إلى أعماق وجدانه..فماؤهما ينساب سلسبيلا مع بعض.. دون امتزاج فيما بينهما باديء الأمر.. ويأبى كل واحد منهما ان يغير حاله ولونه..ما دام بوسعه الاحتفاظ بخصائصه في اللحظة..

سرب نوارس يحلق في الأفق بدائرة مفتوحة بين عش النداة.. وحويجة ام العصافير..وثمة نورس مشاكس يستدير فجأة يسار سربه.. ليهوي بسرعة إلى سطح ماء الشاطئ.. مقتنصا بمنقاره شبوطا.. فيزدرده بنهم على عجل.. وهو يلتحق بالسرب مزقزقا بنشوة.. دون ان يحط على الأرض..سرب قطا يرد الماء صفوا على مهل من على حصى الشاطئ الآخر.. بساتين الرقي في الحاوي.. تبهر بخضرتها اليانعة الناظر إليها.. وهي ترسم بامتدادها العشوائي لوحة زاهية على ضفاف الزاب.. والنويفة.. في حويجة السلمان ثمة بقرات تدلف نحو أم الحوالي لترد الماء عبا من شاطئ شلال منحدر النهر..الماعز بجانبه يتسلق سفح عين القير.. وهو يقفز من صخرة إلى أخرى بحثاً عن احراش يرعاها..غير آبه بخطورة انحدار شعاب مجرى العين..وهي تتدفق بماء معدني كثيف القوام.. ابيض اللون ممزوجا بصفرة باهتة.. زوارق السماكين تجوب الزاب وشقيقته دجلة.. في حركة متعرجة بحثاً عن الاسماك.. الصبيان يعبرون النهر سباحة في سباق عفوي مفعم بنشاط متوقد .. فذاك منهم من تراه يغطس بمهارة في عمق النهر برهة.. ثم سرعان ما تراه يظهر لك فجأة كأنه سمكة قرش نشطة تستعرض سبحها بخيلاء.. وذاك يطفو على ظهره الهوينا بزهو وتبختر.. في حين وصل الآخر إلى الشاطئ على عجل.. ليدلك جلده بالطين..ثم ما يفتأ ان يقفز في عمق النهر من على تلك الصخرة الكبيرة.. الجاثمة على الشاطئ منذ الأزل.. تحكي قصة تعايشها الأبدي مع النهر للأجيال .. مشاهد خلابة حقا في بيئة ساحرة.. تجدد شحن وجد عليل.. وتنعش حسا مرهفا.. كادت عزلة ظرف قاس ان تجففهما بتداعياتها المريرة..