مجموعة عشاق المدينة القصصية في اليوم السابع

، بقلم جميل السلحوت

ناقشت ندوة اليوم السابع في المسرح الوطني الفلسطيني مجموعة"عشاق المدينة" القصصية للكاتبة المقدسية نزهة الرملاوي. تقع المجموعة الصادرة عام 2017 ويحمل غلافها لوحة للفنان شهاب القواسمي، وصمّمته الفنانة رشا السرميطي في 155 صفحة من الحجم المتوسط.

بدأ النّقاش ديمة جمعة السمان فقالت:

مجموعة "عشاق المدينة" أنطقت "القدس" تروي حكايات طواها الزمان.

طافت أحاسيس العشّاق، واختلطت المشاعر، أحزنتنا وأسعدتنا.

بقلم صادق، حبره ممزوج بالحنين، خطّت الأديبة نزهة الرّملاوي مشاعر وأحاسيس طافت عن الورق، تسلّلت إلى قلوبنا، فاختلطت الحروف تتأرجح بين الحزن والفرح، تسعدنا تارة وتبكينا تارة أخرى.

اصطحبتنا الكاتبة في رحلة ضمّت خمسا وعشرين قصة أنطقت فيها المدينة،تروي جكايات طواها الزمان، فالقدس تاريخ وحضارة وذكريات، القدس عنوان الفخر والأصالة، تسكن قلوب عشاقها كما يسكنونها.

كل قصة كانت تحمل عنوانا انتقته الكاتبة بعناية. على الرغم من أن جميع القصص كان عنوانها الحقيقي (رحلة في الذاكرة).. إلا أن الكاتبة أفردت العنوان لتتحدث عن هزيمة عام 1967.

اللغة جميلة عميقة في معانيها، بسيطة وناعمة في طرحها، تفنّنت في حبك كل قصة بحرفيّة فنان. ينتقل القارئ من قصة إلى أخرى مستمتعا بتفاصيل حياة المقدسيين قبل عقود من الزمن، كم كانت الحياة جميلة، بعيدة عن تعقيدات هذه الأيام! كان للجيرة طعم آخر، فالجارة كانت أمّا، والجار أبا. الكل يشعر بمسئوليتة تجاه أبناء حارته، كانت حقا رحلة في الذّاكرة، ابتدأت قبل نكستنا في العام 1967، عرجت على شتى مجالات الحياة الوطنيّة، السياسية، الثقافية، الدينية والاجتماعية من عادات وتقاليد، وتحدثت عن المرأة وأجواء (سي السيد) التي عاشتها المرأة مظلومة.

كل قصة كانت تدخل القارىء البيت المقدسي وتعرفه على تفاصيل حياته.

أعادتنا الى الأغاني الشعبية التراثية، ذكرتنا بالمناسبات الدينية والاجتماعية التي كانت تجمعنا.

قصص عادت بنا إلى أيام الطفولة، تعيدنا إلى زمن البراءة، ما أجملها من أيّام!

كبر الأطفال تحتضنهم أسوار المدينة، تبث فيهم روح أصالة التاريخ، فتشعرهم بالتميز، أجواء روحانية زادت من سحر المدينة.

عشاق المدينة، يستعيدون ذكرياتهم، يسترجعون تفاصيل حياة مضت، يحنون لها ويفتقدونها. يحكون قصصهم، يوثقون تفاصيل يومياتهم.

خمسة وعشرون عنوانا، جعلت من لا يعرف المدينة يعشقها. وزاد من عشق من يعرفها.

وقال عبدالله دعيس:

تعلن الكاتبة نزهة الرملاوي منذ البداية عن هوية نصوصها وبطلتها الحقيقيّة. إنّها القدس، بشوارعها وحاراتها وأسواقها وأزقتها وحجارتها ومساجدها وكنائسها، وما الشخوص الأخرى إلا ظلال تتحرّك فيها، وأخيلة على جدرانها. وهي، أي المدينة، هي القلب النابض الذي يحركهم في أرجائها، ويرسم حكاياتهم على جدران أزمانها.

فالكتاب، هو مجموعة من المذكّرات، تصيغ فيها الكاتبة حكايات البلدة القديمة بأسلوب أدبيّ مشوّق، تشدّ القارئ وتأخذه في رحلات عبر الزمن إلى الفترة التي سبقت حرب عام 1967، والسنوات التي لحقت هذه الحرب، وتتجوّل به الكاتبة في كلّ زقاق من أزقة المدينة الموغلة في التّاريخ، وتأخذه خلف تلك الجدران السميكة، ليعيش مع ناسها، ويرى بأمّ عينيه التفاعلات الاجتماعيّة المميّزة لتلك المدينة الصغيرة، وهي تتجرّع مرارة الهزيمة عام 1948 وتحتضن بعض اللاجئين الذين غادروا قراهم ومدنهم؛ ليصبحوا جزءا من النّسيج الاجتماعي للمدينة، ويتفاعلوا مع أبنائها الذين يحملون أصالة مئات بل آلاف السنين، ويحملون مسحة من كلّ حضارة استوطنت داخل هذه الأسوار، وتركت خلفها إرثا في ثقافة أبنائها.

لم تستفق المدينة من مرارة النكبة حتّى هزّتها هزيمة جديدة، وهرع الأعداء داخل أسوارها يشتّتون نسيجها الاجتماعيّ من جديد، ويعملون في جسدها دمارا وخرابا؛ حيث هدموا عددا من الحارات المقدسيّة العريقة، مثل حارة الشرف والمغاربة، ومحوا معها حكايات أناس استوطنوها لقرون. فالحارة ليست حجارة ومباني وأزقة وحسب، بل هي حكاية كل من عاش فيها، حظي بلحظات من السّعادة، أو ساعات من البؤس والشّقاء، فالحجارة كانت شاهدة على حضارة عريقة حاول العدوّ اجتثاثها، لكنه لم يفلح باجتثاث تاريخها وإلقائه معها بعيدا عن المدينة، كما ألقوا أهلها في مخيمات اللجوء.

لكنّ التاريخ يعيش في القلوب قبل أن ينقل إلى الورق، والعادي الطارئ لا يستطيع، مهما حاول، أن يصنع تاريخا مزيّفا؛ لأنّ المكان لم يحتضنه يوما ولم يخلّد له حكايات في أرجائه. والكاتبة هنا، ومن واقع تجربتها الشخصيّة، ومعاصرتها لآلام المدينة، واطّلاعها على حكاياتها، تخلّد هذه الحكايات؛ لتضع خنجرا في خاصرة الرواية الصهيونيّة المزيّفة، فتجعل القدس شخصيّة حيّة، تنبض بالحياة وتتحدّث العربيّة كما كانت وما زالت، فهي مرّة الأمّ الحانية، ومرّة الحبيبة والعشيقة، تفرح وتحزن وتغضب وتتألّم، وتبقى حيّة في القلوب، تتزيّن بثوبها المطرّز الجميل، وتضع عنها كلّ الأسمال المزيّفة التي يحاول العدو أن يلبسها إياها، فتبدو بهيّة بسمرة وجهها التي اكتسبتها من أصالة المكان، ويبدو العدو بوجهه الشاحب غريبا طارئا لا علاقة له بعراقة المكان وثقافته.

وتسرد الكاتبة حكايات النّاس وثقافتهم، بحلوها ومرّها، بإيجابيّاتها وسلبيّاتها. فهناك نرى كلّ ما نستطيب سماعه من عادات الأعراس والمناسبات، والحياة في أكناف الأقصى، والمدينة التي تتزيّن لشهر رمضان المبارك، وأهلها الذين يحوّلون الشهر إلى حلّة جميلة تستقبل زائريها، ونرى هيبة الرّجال وهم يجوسون الحواري بشواربهم المفتولة، فتنزوي النّساء وترتعد فرائصهنّ، ويفرّ الأطفال، ونرى عصا الزوج الغليظة وهي تنهال على جسد امرأة ضعيفة لا حول لها ولا قوّة، ولا تجد ملجأ لها غير الصّبر على الضّيم، وتقبّل الزوج مهما كانت صفاته وأخلاقه. قد يسوؤنا بعض ذلك، لكنّ هذا الثوب وإن كان خلقا، يزيّن جسد هذه المدينة بأصالته وعراقته، وهي ترفض ثوبا مزركشا يلبسه لها العدوّ بعيدا عن أصالتها.

تلجأ الكاتبة إلى لغة إنشائيّة بسيطة محكيّة، تتناسب مع موضوع الكتاب، ليعيش القارئ مع بساطة اللغة، بساطة الناس التي تحكي الكاتبة ذكرياتهم، وتركّز خلال كتابتها على المكان وأسماء الأماكن، وتحاول أن تستخدم الأسماء الشائعة في المدينة ولدى سكّانها، وتذكر الشخصيّات الشعبيّة البسيطة الذين عرفهم أهل المدينة وأصبحوا جزءا من تراثها، وإن لم تكن شخصيّات عامّة مؤثرة، أمثال (أبو ذان) المطهّر مثلا. ولذلك تلجأ الكاتبة إلى الاستطراد، فتنتقل من حكاية إلى أخرى ومن زمن إلى آخر حتّى لا تهمل أيّا من معالم المكان أو الزمان.

تروي معظم النصوص طفلة أنثى مجهولة، طفلة كانت تعيش في تلك المرحلة وتتطلع على ما يجري في بيوت القدس، وترقب أمها وجاراتها ورجال المدينة وأطفالها، وتحكي عمّا شهدته من أحداث بسيطة، لكنّها مثيرة، وتعطي صورة واضحة عن الحياة الاجتماعيّة في المدينة. والكاتبة تعطي لهذه الطفلة أسماء مختلفة في عدة نصوص، بينما تتركها مجهولة في نصوص أخرى. شعرت بأن هذه الأسماء كانت مقحمة لتعطي للنصوص طابع القصّة، وشتّت صورة الطفلة في ذهن القارئ، وكذلك اضطرته أحيانا لأن يصنع في خياله مكانا مختلفا لينساب الشخصيّة الجديدة. تبدأ الكاتبة بعض نصوصها بضمير الغائب وبلسان راوٍ عليم، ثمّ تلتفت إلى ضمير المتكلّم وتصبح تلك الطفلة هي الرّاوي دون أن يشعر القارئ بالنقلة المفاجئة. وتكثر من ترديد كلمة (أذكر)، (وما زلت أذكر) دون داعٍ، فالقارئ يستشفّ منذ البداية أن الحكاية ما هي إلا ذكريات، وهذا التكرار يبعد النصّوص عن كونها قصصا قصيرة كما أحبت الكاتبة أن تصنّفها.

تجربة قراءة هذا الكتاب رحلة جميلة ممتعة في حواري القدس وأزقتها، وفي تاريخها وأزمانها، وفي عادات أهلها وثقافتهم العريقة، رحلة تستحقّ الإبحار بها وخوض غمارها. يخرج منها المتلقّي بالمتعة والفائدة، ويزداد عشقه لهذه المدينة؛ فيسير في قافلة عشّاق المدينة. ومن ذا الذي لا يعشق القدس، التي تفرض حبّها على كلّ من تنفّس هواءها وسار على ترابها!

وكتب ابراهيم جوهر:

جاء الكتاب تحت تصنيف أدبي يفيد بأنه "مجموعة قصصية".

ولو أمعنت الكاتبة النّظر لما وجدت القصة القصيرة بشروطها الفنية المعروفة أو القابلة للتجديد والتجريب ولكانت ابتعدت عن تجنيسه الأدبي..

لقد كتبت الكاتبة لوحات من ذاكرة المدينة على لسان ابنة وفية لمدينتها وناسها وتاريخها وحجارتها وبيوتها. إنها لوحات عكستها مرآة الذاكرة بلغة مشبعة بالعاطفة والعشق والحنين والثقة بالمستقبل .

في هذه اللوحات تمزج الكاتبة بين أساليب القصة والمقالة والسيرة الذاتية، وتعتني بلغة التعبير عناية مميزة.

لقد قدّمت الكاتبة لقارئ كتاب عشقها "عشّاق المدينة" صورة نابضة بجمال المدينة وحنوّها. وهذا الكتاب يضاف إلى "كتاب القدس" أو "القدس في أقلام كتّابها"، فالقدس تنتظر المزيد من الأقلام لتنقل جمالها وواقعها وماضيها، ونحن مقصّرون بحقها على الصّعد كافّة.

وقالت هدى عثمان أبو غوش:

بقلمها المقدسيّ وأوراقها الهائمة في عشق القدس، تطبع قبلة حنان على جبين المدينة، تسرد لنا ما يجول في شريط ذاكرتها بين الماضي والحاضر بوصف دقيق وعاطفة جيّاشة لحبيبة استثنائيّة هي القدس.

وقد أطلقت الكاتبة على مجموعتها بالقصصيّة، إلا أنّ القارئ لهذه المجموعة يرى أمامه مجموعة نصوص نثرية وسرديّة، والقليل من القصص.

تختار الكاتبة في كل نص شخصيّة أغلبها نسائيّة، وتُسلط الضوء عليها فتتطرق من خلالها إلى النّواحي الإجتماعية السياسيّة والدينيّة.

ندخل إلى داخل سور القدس، حيث حارات البلدة القديمة، حارة السعديّة وإلى الأسواق، الحوش، التّكايا والأزقة، ونسمع صوت البّاعة والحلوى .

وتنطلق إلى خارج السور؛ لنطّلع على أحياء المدينة: حيّ الشيخ جرّاح واد الجوز وشوارع القدس .

تطرقت الكاتبة في كتابها إلى المشاكل التي يواجهها المقدسيّ كحرمانه من البناء في أرضه بشكل حرّ، وهدم بيته، فيحلّ محله بناء المستوطنات. وقفت على أهمية تواجد المقدسيّين في المدينة؛ ليحافظوا على تواجدهم وهويتهم

ووقفت على أطلال ذكريات مؤلمة مضت وما زالت حسرة في النفوس منذ عام 1948 كتهجير سكان حيّ القطمون، ووصفت لنا مشهدا مؤثرا لعائلة مقدسيّة تقف مقهورة أمام بيتها الذي احتلّه الغاصبون .

كما وصفت لنا أثر النكسة على أهل المدينة المقدسة من خلال انقطاع تواصل الأهل بين الضفة والقدس بسبب الوضع السياسي.

وأدارت بشريط ذكرياتها إلى صُور حرق الأقصى، وقد أبدعت الكاتبة في تصوير مشهد النحيب والتفاف أهل البلدة إلى إطفاء الحريق.

أمّا من الناحيّة الإجتماعية فقد زوّدتنا الكاتبة بتفاصيل جميلة بقلم حنون يفوح بالحنين، فأدخلتنا إلى طفولة المقدسي أيام رمضان، إلى أفراح المدينة من تغاريد وتهاليل وطقوس مراسيم العُرس، وإلى عادات المدينة . وعادت بنا إلى ذكريات أيام المدرسة، ومدى التصاق المدرسة بالبيوت، وذكرت أسطح المدينة وعلاقتها بالنّاس.

من خلال النصوص عدنا إلى عطر الماضي في استخدام البابور، الطشت، والصابون النابلسي، وإلى زمن لم يعرف الهواتف النقالة، حيث يُتاح للأُمّ سرد القصّة قبل النّوم لأطفالها، واجتماع الأبناء معا في غرفة واحدة.

تطرقت إلى مشكلة الطلاق في الماضي، وعدم تقبّل المجتمع لمطالبة المرأة بهذا الحق، كما أخذتنا إلى ذكريات الحب العذريّ.

استخدمت الكاتبة عناوين فرعيّة جميلة جدا في جميع نصوصها، وكانت اللّغة فصيحة وشعريّة، سهلة شفافة ممتعة، وجاء الحوار باللهجة المقدسيّة، وطغت العاطفة الملتهبّة على النُّصوص كنهر متدفق من شهقة لهفة حنين ضحك وبكاء .

استخدمت الكاتبة تناصّا من أغاني الأعراس التراثيّة من تهاليل وزغاريد بالإضافة إلى أناشيد الحزن.

استخدمت أداة المناداة وأكثرت من التساؤلات والتأوهات، كما واستخدمت إشارات دينيّة.

ذكرت الكاتبة "يا الله"بشكل مكرّر في ذات النص، وفي نصوص أُخرى للتعبير عن مدى عشقها، اشتيّاقها ولهفتها لذلك الزمن الجميل بشكل مؤثر، وارتباط أهل المدينة بها، فتثير في القارئ جمال هذا العشق الشهيّ.

لم يَرق لي تقديم المقدمة التي قامت الكاتبة بتلخيص فحواه، وحبذا لو تركت للقارئ أن يكتشف بنفسه دون مساع.

وقالت نزهة أبو غوش:

في نصوصها اعتلت الكاتبة المقدسيّة، نزهة الرّملاوي في كتابها البكر" عشّاق المدينة" صهوة لغتها؛ لتتجوّل بنا داخل مدينتها الّتي عشقتها حتّى النّخاع، مدينة القدس بمساجدها وقبابها وكنائسها وحاراتها وعقباتها وبيوتها وأسوارها وأدراجها؛ مدينة أفرحتها واحتوت طفولتها البريئة، مدينة آلمتها بما احتوته من متناقضات وتقلّبات اجتماعيّة باختفاء المعايير الاجتماعيّة والقيم الانسانيّة، وما حدث من مآسٍ خلّفها الزّمن على تلك المدينة على مرّ العصور؛ وما تركت تلك الأحداث والتّناقضات من أثر نفسيّ على شخصيّات نصوصها وقصصها.

في لغتها السّلسة العذبة، أطلعتنا الكاتبة على عادات وتقاليد أهل المدينة نحو المحبّة والاحترام والتّضحية من أجل الآخر والوفاء والاخلاص، والتّمسّك بالمبادئ الّتي نشأوا عليها وبلا حدود. تقاليد العيب والحرام في المجتمع الفلسطيني عامّة والمقدسيّ خاصّة كما في نصوص الكاتبة، كانت لها الأثر السّلبيّ على شخصيّة الفتاة المراهقة الّتي لا تقدر أن ترفع عينيها في وجه الفتى، أو الشّاب، أوتتلفّظ معه بجملة أو كلمة؛ كذلك الفتاة الّتي حكم عليها بالزّواج المبكّر ومنعها من قول "لا" مهما كانت النّتيجة، حتّى لو عاشت نفسيّتها تحت العذاب خلال فترة زواجها.

في مدينتها المقدّسة أدخلتنا الكاتبة نزهة الرّملاوي إِلى دهاليز معتمة، وأخرى مضاءة، وما يدور في تلك الدّهاليز من همسات وحكايات وأحداث مفرحة أو مؤلمة، قد سلّطها الزّمن على أهل تلك المدينة بكلّ رحابتها.

في نفسيّة الشّخصيّات نجد المعاناة والألم بسبب وجود الاحتلال الّذي يجثم فوق ظهر المدينة. النفسيّات المتعبة للرّجال الّذين راحوا يبحثون عن لقمة العيش عند كوهين أو ديفيد "بدنا نعيش سوا سوا خبيبي كلّه بدو ياكل" ص80.

من خلال قراءتنا لشخصيّات نزهة الرملاوي نجد مدى القهر الذي شربه المقدسيّ بعد حرب حزيران 1967، ووقوع الأقصى بأيد جبّارة. لا أعتقد بأنّ هناك من يقدر على تحليل نفسيّة المحتل المنهزم الضّائع، فكلّها نفسيّات يصعب تفسيرها، في نصوصها برزت بوضوح نفسيّات هذه الشّخوص. في قصة " ألف غياب وغياب" ص91 ظهرت معاناة الجدّة الّعائدة إِلى مدينتها القدس، والرّحلة المريرة الّتي مشتها من الزّرقاء في الأردن حتّى وصولها القدس. معاناة التّفتيش المنتهك لكرامة الانسان " كلّه يهون عن بنت هالحرام اللي بتحسّس، يقصف عمرها ما بتستحي" ص 93.

شخصيّة الطّفل هي أيضا عانت وكابدت بسبب الاحتلال، كم كان مؤلما على نفسيّة الجدّة حين مزّق الجندي لعبة الحفيدة أثناء التّفتيش، ولم يكن بحسبانه بأنّ هذه اللعبة تنتمي لطفلة متعطّشة، تحلم بها منذ أربعة أعوام، كانت قد اخفتها الجدّة؛ خوفا من ضياعها واتلافها، وها هي تتلف بلحظات وتتلف معها نفسيّة طفلة بريئة، هي حفيدتها.

تعرّضت شخصيّة سميرة في قصّة" عشّاق المدينة" لأزمة نفسيّة؛ لأنّها عاشت صراعا مريرا ما بين أن تلحق حبيبها؛ لتعيش معه في أبو ظبي، أم تبقى في مدينتها، القدس الّتي تعشقها.

في قصّة "ملكة المجنونة" حين كانت تتعرّض للضّرب من قبل والدها بواسطة الحزام؛ خوفا عليها من التّعرض للاغتصاب، كذلك تعرّضها لركلات من قبل أولاد الحارة والأخوة؛ كلّ هذا غرز تأزّمًا نفسيّا حادا عند الفتاة ملكة. أمّا بالنسبة للجدّة الّتي وقفت أمام بيت الطّفولة في حيّ الطّالبية المهجّرة وعلاقتها مع الورد الجوري، الّذي شهد عشقها لبيتها ووطنها.الألم النّفسي إثر الفقدان للبيت والوطن، ورؤية الجدّة للساكن الجديد أمامها – الغريب المحتلّ- التصق بنفسيّتها فجاءت ردّة فعلها، بأن بصقت في وجهه وقالت له: اخرج من حيّنا.

بالنسبة لقصّة الفرّان فقد تعرّضت نفسيّته للأزمة؛ بسبب اتّهامه باغتصاب الفتى، كذلك تأزّم نفسية الفتى؛ لأنّه سرق الأرغفة بسبب العازة والفقر.

نجد أنّ نفسيّات الشخصيات – القديمة- قد وجدت راحتها من خلال الأدعية وتقديم القرابين، وتقديم شموع النذر والبخور والتّوجّه نحو مقامات الصّالحين.

نشعر بأنّ الشّخصيات الّتي عاشت في الزمن السّابق لم تجابه الحالات النّفسيّة الصّعبة، كما في الشّخصيات الّتي تعيش في الوقت الرّاهن؛ ربّما بسبب البساطة والقناعة الّتي كان النّاس يحيونها في تلك الفترة الزّمنيّة.

لغة الكاتبة كانت وسيلة مقنعة ومريحة للقارئ، حيث أوصلت فكرتها بلغة سلسة دون أدنى عناء. لقد استخدمت الكاتبة المحسّنات البديعيّة واللغوية، وكثرت في لغتها التّشبيهات والاستعارات الجميلة، الّتي تبعد النّص عن التّعبير القرائي المباشر:

"مدينتنا تعشق الحياة وكعادتها غادة بهيّة...تسدل شعرها على كتف المحبّين، فيهيمون بها سحرا.... شاكرين الله بأنّهم ولدوا من رحم مدينة ليست كأيّ مدينة، تبوح أقواسها بالأسرار... أقبل اليها فأرى تفاصيلها تسري في عروقي وتجدّد خلايا العشق فيّ." نذور على طاقات المدينة ص105.

وكتبت رائدة أبو الصوي:

أول الغيث - ماشاء الله- لم تكن قطرة، بل زخات لطيفة من الغيث.

سحر الماضي غلفته الكاتبة بجمال الوصف، وعذوبة المنطق ورقي الحروف ومصداقية الخبر بلا تزوير للحقائق . اختارت الكتابة بموضوعية ...وهذا ما أعطى القصص جاذبية تحسب للكاتبة .

صورة الغلاف التي اختارتها الكاتبة بالتعاون مع الفنانة (رشا السرميطي) بعناية كانت موفقة جدا؛ لأنها تنطق بالحق.

تاريخ القدس، اللوحة الفنية الرائعة للفنان المقدسي شهاب القواسمي. المشربيان والنوافذ وبيوت العقد القديمة. عيون الماء تحت المدينة، القباب،.أشجار الزيتون المنتشرة على الجبال المحيطة بالبلدة القديمة من القدس، وقبة الصخرة الذهببة التي تتربع بدلال في وسط المدينة؛ لتعلن للجميع بصوت هاديء مؤمن وتقول: "أنا هون ولن أهون".

تتربع في منتصف المدينة كما يتربع القلب وسط الجسد؛.حتى لا ننسى، انعاش للذاكرة للكبار وتعريف للأجيال القادمة.

هذه القصص خير موروث يمكن أن يورث للأجيال القادمة من أبناء معشوقتنا .

انعاش للذاكرة وتنشيط لها .نفض الغبار عن قصص حياة اجتماعية حدثت في الستينيات ،صورت الأماكن وصورت الأشخاص،أحداث وقعت داخل الأسوار وعلى أبواب البيوت وعلى طاقاتها .قصص كانت غائبة استحضرتها الكاتبة.

في هذه المجموعة القصصية التي تضم بين دفتيها 25 قصة، كلّ قصة تروي حكاية بقعة من بقع المدينة، لم تستثن أي بقعة من بقاع القدس، توثيق. سلوان كانت حاضرة ولها قصة تحت عنوان "عزف على وتر الحرية" سلوان قلعة القدس الجنوبية الشرقية.

وصاحب المظلات الذي يعتبر علما من أعلام شارع الواد.

الكاتبة كانت موفقة جدا في انتقاء عناوين القصص وفي سرد الأحداث ،مصداقية وشفافية تمنح القاريء رغبة في عناق الكتاب .شعور بأنك تعانق القدس.

القسم الذي أقسمته الكاتبة في مقدمة الكتاب ...قسم يقسمه المقدسيون كل يوم، عشاق المدينة، وأثبتوا أنهم ما زالوا على العهد باقين، للقدس عاشقين،"أقسمت بأن أحمل حبك في شراييني ما حييت" نحن عشاق القدس .القسم يسكننا.