شبهات حول وفاة عبد النــــاصر

، بقلم عمرو صابح

"كُل المصائب تبدأ كبيرة ثُم تصغُر تدريجياً إلا مُصيبة فقد عبد الناصر فسوف تكبر آثارها يوماً بعد يوم".

هكذا وصف القائد الفلسطينى الشهيد صلاح خلف (أبو إياد) مصيبتنا كعرب برحيل جمال عبد الناصر

47 سنة مضت على ذلك اليوم الأسود فى التاريخ العربى يوم 28 سبتمبر 1970، والذى يصادف أيضا ذكرى يوم أخر حالك السواد من أيام التاريخ العربى وهو يوم 28 سبتمبر 1961، عندما نجحت حفنة من الضباط الخونة والمأجورين المدعومين بخطط وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وبالأموال السعودية، وبتأمر إسرائيل والأنظمة العربية العميلة فى فصم عرى الجمهورية العربية المتحدة، وتحطيم أول وأخر وحدة اندماجية عربية فى التاريخ الحديث.

بمقاييس الزمن عاش عبد الناصر حياة قصيرة فقد رحل عن 52 عاما و 8 أشهر و 13 يوما، ظهر فيها على مسرح التاريخ لمدة 18 عاما، مثلت فصلا استثنائيا فى التاريخ العربى كله.

رحل عبد الناصر ولم تكتمل رسالته، وبعد وفاته انقضت قوى الاستعمار العالمى متحالفة مع ذيولها من قوى الثورة المضادة والرجعية العربية على وطننا العربى لبتر تجربته، والقضاء على نتائجها و تشويه ذكراه، واغتيال شخصيته معنويا عبر إلصاق كل الموبقات والمصائب به وبفترة حكمه.

وكقارئ وباحث مهتم بالتاريخ فقد سعيت لقراءة كل ما تمت كتابته عن الرئيس عبد الناصر، وبمقارنة ما قرأته مع الواقع العربى حاليا تيقنت من صحة اختياري السياسى وانحيازي لجمال عبد الناصر السياسى والمفكر والإنسان، وخلال قراءاتي لفت نظرى بشدة تكرار تاريخ معين فى الوثائق التى تتناول عهد عبد الناصر هو عام 1970 كعام للخلاص من مشكلة جمال عبد الناصر.

وعندما قمت بتجميع تلك الوثائق معا وكتبت مقالى الأول (غياب عبد الناصر..هل كان صدفة؟) فى نوفمبر 2007، والذى اعتمدت فيه على وثائق منشورة بالكتب ومتاحة للجميع منهما وثيقتين من كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل، ووثيقة نشرها الدكتور رءوف عباس عن خطط حلف شمال الأطلنطي لتصفية جمال عبد الناصر، ووثيقة للملك فيصل بن عبد العزيز منشورة فى كتاب (عقود من الخيبات) للكاتب حمدان حمدان.

وهذا نص المقال:

غياب عبد الناصر هل كان صدفة؟

ما زالت الوفاة المفاجئة للرئيس / جمال عبد الناصر عن عمر يناهز 52 عامًا و 8 أشهر و13 يوما تثير التساؤلات عما أمات عبد الناصر فى هذه السن المبكرة، هل هى الأمراض المتعددة التى كان يعانى منها؟ أم أن هناك جهات كان لها مصلحة فى اختفاء عبد الناصر فى هذا التوقيت بالذات وفى عام 1970 تحديدًا؟ فى هذا المقال لن أتطرق للبحث عن أدلة أو شبهات جنائية فى أسباب وفاة الزعيم، ولكن سوف أقوم بعرض مجموعة من الوثائق التى ربما تؤدى إلى الوصول للإجابة عن سر وفاة الرئيس عبد الناصر يوم 28 سبتمبر 1970 وجميع هذه الوثائق منشورة فى كتب مطبوعة وموجودة فى المكتبات.

الوثيقة الأولى:

تقرير لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية تم إعداده آخر عام 1956 بعد فشل العدوان الثلاثى على مصر، وهذا التقرير/الوثيقة نشره الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل فى كتابه (سنوات الغليان) الصادر عام 1988 عن مؤسسة الأهرام فى صفحة 986 بالملحق الوثائقى للكتاب. ويتناول التقرير احتمالات نهاية نظام حكم ناصر فى مصر ويحدد السبيل فى خيارين:

1- هزيمة عسكرية ساحقة

2- اغتيال جمال عبد الناصر.

وأريد من القارئ الكريم أن يتذكر هذين الخيارين ونحن نواصل عرض هذه المجموعة من الوثائق.

الوثيقة الثانية :

وقام بنشرها الأستاذ الدكتور / رءوف عباس فى مقال بعنوان (حلف الأطلنطى وراء ضرب عبد الناصر فى يونيو 1967) فى عدد من مجلة الهلال الصادر فى يونيو عام 2001

والوثيقة التى يعرضها الدكتور / رءوف عباس هى... محضر الجلسة الأولى من محاضر اجتماع حلف شمال الأطلنطى فى شتاء عام 1964 والتي عقدت لمناقشة ورقة العمل التركية التى أعدها وزير الخارجية التركى وتحمل عنوان (تصفية عبد الناصر).. أما محاضر الجلستين الثانية والثالثة لهذا الاجتماع فما زالت محظورة ولن يسمح بالاطلاع عليها قبل عام 2014

ومحضر هذه الجلسة الذى يناقش ورقة العمل التركية

* يتحدث عن الدور المشاكس والمضاد لمصالح الغرب الذى تلعبه مصر بزعامة عبد الناصر عبر العديد من المشكلات التى تسبب فيها عبد الناصر من ؛إفشال فكرة الأحلاف العسكرية - شراء الأسلحة من الكتلة الشرقية – تأميم القناة - تمصير وتأميم المصالح الأجنبية فى مصر – الوحدة مع سوريا..ثم ثورة اليمن.. وهى الطامة الكبرى بالنسبة لمصالح الغرب.. فوجود الجيش المصرى فى اليمن لمساندة الثوار أدى إلى نشوء وضع خطير هو تحكم مصر فى طريق المواصلات بالبحر الأحمر من الشمال عبر قناة السويس، ومن الجنوب عبر مضيق باب المندب

كما أن هذا الوجود يهدد بزوال العرش الملكى السعودى الذى يحارب الثورة اليمنية... وهو العرش الذى يضمن تدفق البترول إلى الغرب بكل يسر.

* وتعرض الوثيقة إلى الأطراف العربية التى تعادى طموحات جمال عبد الناصر وسياساته وتحددها فى المملكة العربية السعودية والأردن وليبيا تحت حكم الملك السنوسى.

* كما تلفت النظر لسوء العلاقات المصرية السورية.. والمصرية العراقية..

* كما تتحدث عن النفوذ المصرى فى إفريقيا المعادى لمصالح الغرب...

* وتدعو لدراسة الاقتراح بتوجيه ضربة عسكرية موجعة إلى عبد الناصر..

* كما تطالب بتحويل اليمن إلى مستنقع يغوص فيه الجيش المصرى مما يساعد على إنجاح الضربة العسكرية الموجهة إلى مصر... مع التنبيه على أنه إذا استمر الوضع الحالى فى اليمن فإن العرش السعودى مهدد بالزوال عام 1970،

وهنا أطلب من القارئ الكريم أن يلاحظ التاريخ عام 1970 العام الذى شهد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر.. ونصل الآن إلى الوثيقة الثالثة فى موضوعنا.

الوثيقة الثالثة:

وهى من أخطر ما يكون.. وتاريخ هذه الوثيقة هو (27 ديسمبر 1966) وتحمل الوثيقة رقم 342 من أرقام وثائق مجلس الوزراء السعودى.. وهى مرسلة من (الملك السعودى / فيصل بن عبد العزيز) إلى (الرئيس الأمريكى / ليندون جونسون).. وهى منشورة فى كتاب (عقود من الخيبات) للكاتب / حمدان حمدان.. طبعة دار بيسان.. فى صفحتى 489 - 490 من صفحات الكتاب.

وفيها يقول الملك العربى مخاطبًا الرئيس الأمريكى :
((من كل ما تقدم يا فخامة الرئيس، ومما عرضناه بإيجاز يتبين لكم أن مصر هى العدو الأكبر لنا جميعا، وأن هذا العدو إن ترك يحرض ويدعم الأعداء عسكريا وإعلاميا، فلن يأتى عام 1970 – كما قال الخبير فى إدارتكم السيد كيرميت روزفلت وعرشنا ومصالحنا فى الوجود

لذلك فأننى أبارك، ما سبق للخبراء الأمريكان فى مملكتنا، أن اقترحوه،

لأتقدم بالاقتراحات التالية:

- أن تقوم أمريكا بدعم إسرائيل بهجوم خاطف على مصر تستولى به على أهم الأماكن حيوية فى مصر، لتضطرها بذلك، لا إلى سحب جيشها صاغرة من اليمن فقط، بل لإشغال مصر بإسرائيل عنا مدة طويلة لن يرفع بعدها أى مصرى رأسه خلف القناة، ليحاول إعادة مطامع محمد على وعبد الناصر فى وحدة عربية بذلك نعطى لأنفسنا مهلة طويلة لتصفية أجساد المبادئ الهدامة، لا فى مملكتنا فحسب، بل وفى البلاد العربية ومن ثم بعدها، لا مانع لدينا من إعطاء المعونات لمصر وشبيهاتها من الدول العربية إقتداء بالقول (أرحموا شرير قوم ذل) وكذلك لاتقاء أصواتهم الكريهة فى الإعلام.

- سوريا هى الثانية التى لا يجب ألا تسلم من هذا الهجوم، مع اقتطاع جزء من أراضيها، كيلا تتفرغ هى الأخرى فتندفع لسد الفراغ بعد سقوط مصر.

- لا بد أيضا من الاستيلاء على الضفة الغربية وقطاع غزة، كيلا يبقى للفلسطينيين أي مجال للتحرك، وحتى لا تستغلهم أية دولة عربية بحجة تحرير فلسطين، وحينها ينقطع أمل الخارجين منهم بالعودة، كما يسهل توطين الباقى فى الدول العربية.

- نرى ضرورة تقوية الملا مصطفى البرازانى شمال العراق، بغرض إقامة حكومة كردية مهمتها إشغال أى حكم فى بغداد يريد أن ينادى بالوحدة العربية شمال مملكتنا فى أرض العراق سواء فى الحاضر أو المستقبل، علما بأننا بدأنا منذ العام الماضى (1965) بإمداد البرازانى بالمال و السلاح من داخل العراق، أو عن طريق تركيا و إيران.

/ يا فخامة الرئيس

إنكم ونحن متضامنين جميعا سنضمن لمصالحنا المشتركة و لمصيرنا المعلق، بتنفيذ هذه المقترحات أو عدم تنفيذها، دوام البقاء أو عدمه.

أخيرا أنتهز هذه الفرصة لأجدد الإعراب لفخامتكم عما أرجوه لكم من عزة، و للولايات المتحدة من نصر وسؤدد ولمستقبل علاقتنا ببعض من نمو وارتباط أوثق وازدهار.

المخلص: فيصل بن عبد العزيز

ملك المملكة العربية السعودية

وأريد من القارئ الكريم أن يلاحظ الآتى

* السيد (كيرميت روزفلت) المذكور فى رسالة الملك هو رجل المخابرات الأمريكية الشهير المسئول عن الانقلابات العسكرية فى سوريا أواخر الأربعينيات، وهو المسئول أيضًا عن مخطط الانفصال عام 1961

* زوال العرش السعودى عام 1970 إذا استمرت خطط جمال عبد الناصر واستمرت قواته فى اليمن.. وهنا نتذكر ورقة العمل التركية فى محضر حلف شمال الأطلنطى عن زوال العرش السعودى عام 1970

* الخطة التى يقترحها الملك السعودى للعمل ضد الدول العربية تكاد تكون هى خطة الحرب الإسرائيلية فى يونيو 1967

وبالربط بين ضرب مصر عسكريًا ومستقبل العرش السعودى عام 1970، نعود للوثيقة الأولى للمخابرات المركزية الأمريكية التى ترى أن الحل بالنسبة لمشكلة (عبد الناصر) هو الهزيمة العسكرية الساحقة أو اغتياله.

والجدير بالملاحظة أن عبد الناصر هُزم عسكريًا عام 1967 وتوفى عام 1970

عندما قرأ السيد (سامى شرف) سكرتير الرئيس عبد الناصر للمعلومات ووزير شئون رئاسة الجمهورية الأسبق تلك الوثيقة قام بكتابة هذا التعليق عليها وهو تعليق منشور فى موقع منتديات الفكر القومى العربى:

"كنت فى زيارة لإحدى البلدان العربية الشقيقة سنة 1995 وفى مقابلة تمت مع رئيس هذه الدولة تناقشنا فى الأوضاع فى المنطقة وكيف أنها لا تسير فى الخط السليم بالنسبة للأمن القومى وحماية مصالح هذه الأمة واتفقنا على انه قد حدث ذلك منذ أن سارت القيادة السياسية المصرية بدفع من المملكة النفطية الوهابية والولايات المتحدة الأمريكية على طريق الاستسلام وشطب ثابت المقاومة من أبجديات السياسة فى مجابهة الصراع العربى الصهيونى، ولما وصلنا لهذه النقطة قام الرئيس العربى إلى مكتبه وناولنى وثيقة وقال لى يا أبو هشام أريدك أن تطلع على هذه الوثيقة وهى أصلية وقد حصلنا عليها من مصدرها الأصلى فى قصر الملك فيصل ولما طلبت منه صورة قال لى يمكنك أن تنسخها فقط الآن على الأقل وقمت بنسخها ولعلم الأخوة أعضاء المنتدى فهى تطابق نص الوثيقة المنشورة فى هذا المكان وقد راجعت النص الموجود لدى بما هو منشور أعلاه فوجدتهما متطابقين،أردت بهذا التعليق أن أؤكد رؤية مفادها أن عدوان 1967 كان مؤامرة مدبرة وشارك فيها للأسف بعض القادة العرب وقد يكون هناك ما زال بعد خفيا عنا مما ستكشفه الأيام القادمة"

(انتهى تعليق السيد سامى شرف على الرسالة / الوثيقة)

عندما قابلت السيد/سامى شرف سألته من هو الرئيس العربي الذى أطلعه على تلك الوثيقة؟

فأجابنى أنه الرئيس السورى الراحل "حافظ الأسد"

ونصل الآن إلى آخر وثيقة عن موضوعنا: وهى الوثيقة رقم 28 بملحق وثائق كتاب (بين الصحافة والسياسة) للأستاذ / محمد حسنين هيكل طبعة دار المطبوعات للنشر والتوزيع – لبنان عام 1984

الوثيقة الرابعة:

وهذه الوثيقة عبارة عن مذكرة بخط الوزير / سامى شرف مرفوعة للرئيس / جمال عبد الناصر بتاريخ 3 يونيو 1970. وهى ترصد مجموعة من التحركات التى تتم ضد مصر على الصعيدين الداخلى والخارجى وقد قام الأستاذ هيكل بالشطب على كلام الوزير سامى شرف الذى يرصد هذه التحركات لاعتبارات تتعلق بالأمن القومى وقت صدور الكتاب.

ولكن ما يتعلق بموضوعنا هو تأشيرة بخط يد الرئيس جمال عبد الناصر على الطرف الأيسر أعلى الصفحة كتب فيها: (لقد تقابل على أمين فى روما مع أحد المصريين المقيمين فى ليبيا وقال له أن الوضع فى مصر سينتهى آخر سنة 70).

مرة أخرى عزيزى القارئ عام 1970، نفس التاريخ الذى يتكرر فى كل الوثائق كحل لمشكلة جمال عبد الناصر.
لقد كان على أمين هاربًا من مصر بعد اتهام أخيه مصطفى أمين بالتجسس على مصر لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية وكانت الشبهات تحيط بعلى أمين أيضا لذا فضل أن يظل خارج مصر ولكن كيف علم على أمين أن الوضع فى مصر سينتهى آخر 1970؟

لقد توفى الرئيس / جمال عبد الناصر فى 28 سبتمبر 1970، أى قرب نهاية العام وبوفاته انقلبت أوضاع كثيرة سواء فى مصر أو فى الوطن العربى كله.

والآن بتجميع كل هذه الوثائق معًا وبالمعانى الواضحة التى نستشفها منها ألا يمكن أن نتساءل ما هو سر وفاة الرئيس جمال عبد الناصر فى 28 سبتمبر 1970؟ هل توفى بفعل فاعل؟ هل هناك أسرار لم تكشف بعد عن وفاته؟

رحم الله الرئيس جمال عبد الناصر وأسكنه فسيح جناته

وربما تكشف لنا الوثائق التى ما زالت خفية أسرارا أخرى عن أسباب وفاته الغامضة.
هنا انتهى نص مقالى الأول عن لغز وفاة جمال عبد الناصر.

ولكن قضية وفاة الرئيس عبد الناصر لم تطرح على الساحة بشدة وتثير جدلا متصاعدا، إلا بعد أن فجرها الكاتب الصحفى الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل فى حلقات برنامجه"مع هيكل.. تجربة حياة "والتي تحمل عنوان "الطريق إلي أكتوبر" وتم عرضها على فضائية الجزيرة.

فقد كشف الأستاذ هيكل فى الحلقات التى أذيعت فى شهر ديسمبر 2009، أن الرئيس جمال عبد الناصر أمر بزرع أجهزة تنصت واستماع داخل مبنى السفارة الأمريكية بالقاهرة فى ديسمبر 1967 فى عملية إستخباراتية أطلق عليها أسم العملية (عصفور)، وذكر هيكل أن هذه العملية تعد من أنجح وأخطر عمليات التجسس فى تاريخ المخابرات فى العالم، ولا تعادلها فى النجاح إلا العملية (ألترا) عندما نجحت مخابرات الحلفاء فى حل الشفرة الألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية، مما جعل البريطانيين والأمريكيين على علم كامل بكافة التحركات و الخطط العسكرية و الإستخباراتية الألمانية قبل حدوثها، وقال الأستاذ هيكل أن السيد أمين هويدى رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية كان يذهب إلي منزل الرئيس عبد الناصر أسبوعيا ليعرض عليه تفريغ تقارير الاستماع للتسجيلات الواردة من السفارة الأمريكية، وأحيانا كان يذهب للرئيس عبد الناصر بدون موعد مسبق إذا تم كشف معلومة لا يمكن تأخير علم الرئيس عبد الناصر بها، ووصف هيكل المعلومات التى حصلت عليها مصر بفضل تلك العملية المتفردة بالكنز الثمين والذى لا يقدر بثمن،

وخلال حديثه ذكر الأستاذ هيكل أحد أخطر تقارير المعلومات التى كشفتها عملية (عصفور) عندما توجه السيد أمين هويدى مدير المخابرات العامة المصرية إلى منزل الرئيس عبد الناصر فى يوم 6 ديسمبر 1969 ومعه تسجيل لحديث دار بين الوزير المفوض الأمريكى فى سفارة الولايات المتحدة فى إسرائيل ومديرة مكتبه مع السفير الأمريكى فى القاهرة وممثل المخابرات المركزية الأمريكية فى السفارة الأمريكية فى القاهرة وأستمع الرئيس عبد الناصر إلى الحديث و الذى جاء فيه:

أن عبد الناصر هو العقبة الرئيسية في قيام علاقات طبيعية بين المصريين والإسرائيليين.

وأن هناك حالة من الالتفاف الشعبى المصرى والعربى حول عبد الناصر تجعل السلام مع إسرائيل بالشروط الإسرائيلية والأمريكية مستحيلا.

وإن مصر التي من المفترض أنها مهزومة تبدو منتصرة. في حين أن إسرائيل التي من المفترض أنها منتصرة تبدو مهزومة بسبب حرب الاستنزاف.

وأن سمعة "موشى ديان"أكبر بكثير من إمكانياته الشخصية.

وأن قادة إسرائيل (جولدا مائير، موشى ديان، أهارون ياريف، إيجال أللون) أجمعوا على أن بقاء إسرائيل ونجاح المشروع الأمريكى فى المنطقة مرهون باختفاء الرئيس جمال عبد الناصر من الحياة وأنهم قرروا اغتياله بالسم أو بالمرض.

وأن جولدا مائير رئيسة وزراء العدو قالت بالنص

(We will get him)

سوف نتخلص منه.

و إلا فأن العالم العربى ضائع وسيخرج من نطاق السيطرة الأمريكية

ولشدة خطورة تلك المعلومات فضلّ السيد أمين هويدي أن يستمع الرئيس عبد الناصر بنفسه للتسجيل كاملا. وعرض الأستاذ هيكل مجموعة أوراق بخط يد الرئيس عبد الناصر عليها تفريغ للحديث الذى أستمع إليه.

كانت هذه هى المرة الأولى التى يعبر فيها الأستاذ هيكل عن شكوكه فى ظروف وفاة الرئيس جمال عبد الناصر مستعينا بوثائق عن القرار الإسرائيلي الأمريكي بقتل عبد الناصر والخلاص منه نهائيا وبأوراق بخط يد الرئيس جمال عبد الناصر توضح علم عبد الناصر المسبق بالخطة الإسرائيلية الأمريكية لاغتياله قبيل وفاته بحوالى 9 شهور.

كان كشف الأستاذ هيكل لتلك المعلومات الخطيرة إيذانا بفتح ملف وفاة الرئيس عبد الناصر من جديد على أوسع نطاق، فالأستاذ هيكل بما لديه من وثائق ومعلومات وبتاريخه الحافل كواحد من أعظم الصحفيين والمؤرخين فى التاريخ قادر على تحريك الجميع.

ولكن كان هناك سؤال حائر تم توجيهه للأستاذ هيكل وهو لماذا لم تتكلم إلا الآن بعد 39 سنة على وفاة الرئيس جمال عبد الناصر؟

وكان رد الأستاذ هيكل أنه أشار للأمر من قبل فى كتابه (بين الصحافة و السياسة) حيث نشر وثيقة فى غاية الغموض عن نهاية النظام فى مصر أخر سنة 1970

وهى الوثيقة رقم 28 بملحق وثائق كتاب (بين الصحافة والسياسة) طبعة دار المطبوعات للنشر والتوزيع عام 1984. وهذه الوثيقة عبارة عن مذكرة بخط الوزير " سامى شرف " مرفوعة للرئيس "جمال عبد الناصر " بتاريخ " 3 يونيو 1970 ". وهى ترصد مجموعة من التحركات التى تتم ضد مصر على الصعيدين الداخلى والخارجى وقد قام الأستاذ هيكل بالشطب على كلام الوزير سامى شرف الذى يرصد هذه التحركات لاعتبارات تتعلق بالأمن القومى وقت صدور الكتاب.

ولكن ما يتعلق بموضوعنا هو تأشيرة بخط يد الرئيس جمال عبد الناصر على الطرف الأيسر أعلى الصفحة كتب فيها:

(لقد تقابل على أمين فى روما مع أحد المصريين المقيمين فى ليبيا وقال له أن الوضع فى مصر سينتهى آخر سنة 70).

ولقد انتهى الوضع فى مصر فعلا بنهاية عام 1970 عقب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر المفاجئة فى 28 سبتمبر 1970

كانت تلك الوثيقة ضمن الوثائق التى لفتت نظري أثناء قراءاتى عن الرئيس جمال عبد الناصر وقد ضمنتها مقالى عن (غياب عبد الناصر... هل كان صدفة؟)، ورغم تبرير الأستاذ هيكل لصمته عن البوح بشكوكه حول وفاة عبد الناصر بنشره لهذه الوثيقة فى كتابه، إلا أنه يبدو أننى أول من انتبهت لها ولخطورتها، فقد قام الصحفى الراحل الأستاذ جمال سليم بنشر كتابه الهام (كيف قتلوا عبد الناصر؟)، والكتاب تحقيق صحفى متميز يحاول فك لغز رحيل جمال عبد الناصر، ورغم تدقيق الكاتب الراحل فى بحثه عن حقيقة وفاة عبد الناصر فأن تلك الوثيقة لم تلفت نظره فى كتابات الأستاذ هيكل التى استعان بها فى بحثه عن الحقيقة، بل كان الذى لفت نظره هو تضارب كتابات الأستاذ هيكل عن يوم وفاة الرئيس عبد الناصر، وقد أورد الأستاذ جمال سليم فى كتابه أربع روايات للأستاذ هيكل عن يوم وفاة الزعيم وقام بالمقارنة بين تلك الروايات المختلفة.

وعلى امتداد حلقات الأستاذ هيكل عن "الطريق إلى أكتوبر" فقد كشف الكثير والكثير من الأسرار الخاصة بتاريخ الرئيس عبد الناصر فى سنواته الأخيرة، ولأول مرة يقول الأستاذ هيكل أن الرئيس عبد الناصر وقع خطة العبور "جرانيت 1 " عام 1970 وأستكمل استعداداته لشن الحرب، وباكتمال حائط الصواريخ وتحريكه حتى حافة الضفة الغربية لقناة السويس فى أغسطس 1970 كان قرار شن الحرب مسألة وقت فبعد تأمين سماء مصر من الطيران الإسرائيلى بدأ العد التنازلى للحظة العبور.

ولكني بمراجعة كتب الأستاذ هيكل السابقة عن نفس الفترة (1967-1970) وجدت أنه لم يذكر تلك المعلومات من قبل، بل كان كل ما ذكره هو اكتمال حائط الصواريخ وتحريكه لحافة الضفة الغربية لقناة السويس، ووجود خطط للعبور موضوعة منذ عهد الرئيس عبد الناصر فقط، بل أن أحد أسباب خلافه مع مجموعة مايو من رجال عبد الناصر كان إصرارهم على المعركة وضغطهم على الرئيس السادات من أجل توقيع قرار شنها، بينما كان الأستاذ هيكل مؤيدا لقرار السادات بالتأجيل حتى يتم استنفاذ كل وسائل الحل السلمى.

واللافت للنظر إن أحاديث الأستاذ هيكل الأخيرة تكاد تتطابق مع مذكرات وشهادات مجموعة مايو من رجال الرئيس عبد الناصر، فما عرضه الأستاذ هيكل من وثائق وحقائق يعد تأكيدا لما ذكروه مرارا عن اكتمال استعداداتنا للحرب قبيل وفاة الرئيس عبد الناصر ومماطلة السادات فى اتخاذ القرار دون داع.

وإن كان السيد/ سامى شرف- سكرتير الرئيس عبد الناصر للمعلومات ووزير شئون رئاسة الجمهورية الأسبق - قد ذكر لى أن الرئيس عبد الناصر فى عام 1970 وقع على خطط العبور "جرانيت 1" و "جرانيت 2" و "القاهرة 200" والأخيرة هى التى تعنى الضوء الأخضر النهائى لبدء تنفيذ خطط تحرير الأراضى المحتلة، وليس " جرانيت 1 " فقط كما ذكر الأستاذ هيكل.

وخلال أحاديثه عرض الأستاذ هيكل وثيقة وصفها أنها من أخطر الوثائق فى التاريخ العربى المعاصر وهى رسالة من الرئيس عبد الناصر إلى الملك الأردنى حسين يحذره فيها من مغبة اصطدامه بفصائل المقاومة الفلسطينية ويهدده بالتدخل لوقفه عند حده، وينذره أنه لن يسمح لأحد أيا كان بتعطيل معركته الرئيسية مع إسرائيل بسبب معارك فرعية يفتعلها البعض.

وهكذا طوال الحلقات المدعومة بالوثائق وبمعلومات الأستاذ هيكل وحضوره الآسر وطريقة تناوله للموضوع يخرج المشاهد بالمعلومات التالية:

مصر لم تنهار بعد النكسة

عبد الناصر استطاع إقامة نظامه من جديد وأفشل الجانب السياسى من مؤامرة 1967

الأمريكيون والإسرائيليون أدركوا أن نهاية نظام عبد الناصر ليست وشيكة كما توقعوا بعد الهزيمة

عبد الناصر يقيم الجيش المصرى على أسس علمية سليمة

حرب الاستنزاف تكبد إسرائيل خسائر فادحة وتبدد أسطورة ما جرى فى 5 يونيو 1967

اندلاع الثورة الليبية وتبنيها لأفكار الرئيس عبد الناصر يعطى زخما واضحا للقومية العربية ويثير الرعب فى قلوب الملوك العرب و إسرائيل لأن أفكار عبد الناصر رغم الهزيمة لم تفقد قدرتها على إلهام أجيال ثورية جديدة، ولخطورة و أهمية موقع ليبيا الإستراتيجي وثروتها البترولية الهائلة مما يشكل إضافة ضخمة لقدرة مصر وللرئيس عبد الناصر على الصمود.

القادة الإسرائيليون بعد فشلهم فى إسقاط نظام عبد الناصر والتخلص منه بالحرب يقررون اغتياله بالسم أو بالمرض لأنه عقبة أساسية أمام دولتهم

عبد الناصر يستكمل استعداداته عام 1970 ويوقع على خطط العبور والتحرير، ويبنى أكبر حائط صواريخ فى العالم وقتها ويحركه حتى حافة الضفة الغربية لقناة السويس فى أغسطس 1970

- سلاح الطيران الإسرائيلى بدأ يتآكل بفضل حائط الصواريخ المصرى

الحرب أصبحت مسألة وقت

الملك الأردنى حسين بالتنسيق مع الإسرائيليين والأمريكيين يخوض حرب لتصفية فصائل المقاومة الفلسطينية فى الأردن هدفها تعطيل عبد الناصر عن استعداداته للحرب ضد إسرائيل

عبد الناصر يدرك أن تلك الحرب التى يشنها الملك حسين ضد فصائل المقاومة الفلسطينية تستهدف تعطيل معركته لتحرير الأرض، ويحذر الملك حسين ويهدده ويأمره بإيقاف حربه

حتى وصلنا للحلقة الأخيرة والتى أذيعت مساء الخميس 16/9/2010 وفيها روى الأستاذ هيكل العديد من الوقائع التى تثير الشكوك أكثر وأكثر بشأن وفاة الرئيس عبد الناصر.

فصمود عبد الناصر وإعادة بناء الجيش وحائط الصواريخ جعل الأمريكيون مصممون على التخلص منه قبل نهاية عام 1970 وقد أعطوا الإسرائيليين المتحفزين للخلاص من أكبر أعدائهم الضوء الأخضر لقتله.

وعرض الأستاذ هيكل للعديد من الوثائق التى تحوى إشارات أن عام 1970 هو عام الخلاص من جمال عبد الناصر.

وعرض للأطراف التى تؤيد التخلص من عبد الناصر وتلح عليه:

(الإسرائيليون - شاه إيران محمد رضا بهلوي - البريطانيون - الفرنسيون السعوديون).

كما شكك الأستاذ هيكل فى نظام الأمن الذى كان يحمى الرئيس عبد الناصر أثناء إقامته فى فندق هيلتون النيل خلال مؤتمر القمة العربى فى أخر أسبوع من حياة جمال عبد الناصر.

روى الأستاذ هيكل واقعة من أعجب وقائع التاريخ، وهو يرويها للمرة الأولى، وقد كان أحد شهودها مع الرئيس عبد الناصر ونائبه أنور السادات والقائد الفلسطينى الشهيد ياسر عرفات فى جناح الرئيس عبد الناصر بالهيلتون قبيل وفاته بثلاثة أيام

يقول الأستاذ هيكل أنه عندما احتدت المناقشة بين الرئيس عبد الناصر وياسر عرفات وبدا على وجه الرئيس عبد الناصر التعب والضيق من عناد ياسر عرفات

قال له نائبه أنور السادات

(أنت محتاج فنجان قهوة يا ريس، وأنا اللى هعملهولك بايدي)

وبالفعل نحى أنور السادات - محمد داوود - الرجل المختص بعمل القهوة للرئيس عبد الناصر، ودخل بمفرده المطبخ الموجود بجناح الرئيس عبد الناصر بفندق الهيلتون وصنع بيديه فنجان قهوة للرئيس عبد الناصر.

وقد شربه الرئيس عبد الناصر كله أمام الحاضرين (أنور السادات - محمد حسنين هيكل - ياسر عرفات).

وبعد فنجان قهوة السادات بثلاثة أيام صعدت روح الرئيس جمال عبد الناصر إلى بارئها.

ولكن الأستاذ هيكل بعد أن عرض تلك الواقعة الحقيقية شديدة الغرابة، شكك فيمن قد يتخذون من تلك الواقعة دليلا على قيام السادات بدس السم لعبد الناصر فى فنجان القهوة الذى صنعه له بيديه، ويبرر الأستاذ هيكل ذلك بأنه لا يجوز لأسباب أخلاقية وعاطفية وإنسانية أن يقوم السادات بتسميم الرئيس عبد الناصر.

فى نفس تلك المجموعة من الحلقات وخلال تناول الأستاذ هيكل لتفاصيل العملية (عصفور) قال:

كان يعلم بسر العملية (عصفور) حوالي عشرة أشخاص في مصر كلها، وأن نائب الرئيس عبد الناصر وقتها أنور السادات لم يعلم بسر العملية (عصفور) بأوامر من الرئيس عبد الناصر ذاته،

وأضاف الأستاذ محمد حسنين هيكل، أن السادة (علي صبري، وشعراوي جمعة، والفريق محمد فوزي، وسامي شرف) رفضوا بعد وفاة الرئيس عبد الناصر أن يعرف الرئيس الجديد أنور السادات بسر العملية "عصفور"، لعدم ثقتهم فيه، ولأن بعض ما وصلهم عبر تلك العملية به ما يدين الرئيس السادات، ويستوجب محاكمته،

و أن معرفة السادات بسر العملية (عصفور) حدثت عبر الأستاذ هيكل فهو الذى أطلع الرئيس السادات على هذا السر الخطير بحجة عدم جواز إخفاء أمر كهذا عن رئيس الجمهورية الجديد.

وقال الأستاذ هيكل أن عملية (عصفور) ظلت تسير بنجاح وظل تدفق المعلومات جاريا منذ ديسمبر 1967 حتى يوليو 1971 عندما أفشى الرئيس أنور السادات سر العملية (عصفور) لصديقه كمال أدهم مدير المخابرات السعودية وصاحب العلاقات الوثيقة بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية والذي نقل المعلومة فور علمه بها للأمريكيين مما أنهى العملية الناجحة وأغلق باب كنز المعلومات للأبد

وفى تبريره لذلك قال الأستاذ هيكل أنه مستعد لفهم تصرف الرئيس السادات وإفشائه لهذا السر الخطير عن عملية هى من أعظم أعمال المخابرات فى العالم لرجل المخابرات المركزية الأمريكية الأول فى الشرق الأوسط كمال أدهم.

يبدو هذا التبرير من الأستاذ هيكل لتصرف الرئيس السادات غير مفهوم على الإطلاق خاصة أن الأستاذ هيكل ذاته فى كتابه (خريف الغضب) تناول تفاصيل العلاقة المريبة بين السادات وكمال أدهم منذ الخمسينيات والتى توثقت خلال حرب اليمن رغم العداء المصرى - السعودى

ونشر فى صفحتى 107-108 من الكتاب الخبر الذى نشرته جريدة ال"واشنطن بوست" الأمريكية على صدر صفحتها الأولى فى عدد 24 فبراير 1977

وجاء فيه:

أن كمال أدهم كان طوال الستينيات يمد السادات بدخل ثابت

فكيف نفهم التماس الأستاذ هيكل العذر للرئيس السادات فى إفشاء سر العملية " عصفور"، وهو نفس ما ينطبق على قوله إن إصرار السادات على صنع فنجان قهوة بيديه للرئيس عبد الناصر قبيل وفاته بثلاثة أيام لا يعنى أنه قام بدس السم له فى القهوة.

وإذا كان الأستاذ هيكل يرى أن هناك أعذار تبرر تصرفات الرئيس السادات فى هاتين الواقعتين

فلماذا يروى الواقعتين للمشاهدين من الأساس؟!!

ما المبرر الذى يدعو الرئيس أنور السادات لإفشاء سر عملية استخباراتية ناجحة وبالغة الأهمية للتجسس على الأمريكيين لكمال أدهم رجل المخابرات المركزية الأمريكية الأول فى الشرق الأوسط؟!

وما المبرر الذى يدعو نائب رئيس الجمهورية لعمل فنجان قهوة للرئيس فى وجود الرجل المكلف بصنع قهوة الرئيس؟!

هل تصرفات الرئيس السادات بعد توليه الحكم هى التى تدعو الأستاذ هيكل للشك في دوافعه لذلك؟

لقد بدت تصرفات السادات بعد وفاة عبد الناصر وكأن هناك ثأر شخصى بينه وبين عبد الناصر فهو دائما متشوق للمقارنة بينه وبين سلفه ليثبت انه أفضل منه وفى كتابه الذى لم يصدق فى حرف واحد فيه

(البحث عن الذات)، كال السادات للرئيس عبد الناصر وعهده ورجاله سيل من الشتائم والاتهامات بدون دليل واحد على ما يدعيه مما أظهر نقمته الشديدة على جمال عبد الناصر،و طيلة فترة حكمه حاول السادات جاهدا محو أسم عبد الناصر من التاريخ ومن الوجود كله لو كان بمقدوره.

فإستاد ناصر يصبح إستاد القاهرة وبحيرة ناصر المسماة بهذا الاسم فى كل الخرائط العالمية يصدر قرار جمهورى بتسميتها بحيرة السد، وصورة عبد الناصر التى حفرها السوفيت على جسم السد يحفر صورته فوقها، وخطب عبد الناصر ممنوع أن تذاع وصوره محظور وجودها، والمشاكل كلها يتم لصقها بعهد عبد الناصر.

بدا الأمر وكأن السادات مصاب بعقدة نفسية أسمها عقدة جمال عبد الناصر.

كان كل هذا متواكبا مع الردة ضد كل سياسات عبد الناصر الداخلية والخارجية على كل الأصعدة.

منذ انقلاب مايو 1971 والذى مازال الأستاذ هيكل يفتخر بدوره فيه حتى الآن، وما تلاه من تأجيل قرار الحرب والبحث عن حل سلمى أمريكى ثم اتخاذ القرار بشن الحرب بعد التخلص من أنصار الحرب الشاملة من قيادات الجيش والاكتفاء بحرب تحريك للموقف وما حدث خلال الأيام الأولى من حرب أكتوبر 1973 من انتصارات ساحقة للجيوش العربية ثم رسالة الرئيس السادات لكيسنجر فى يوم 7 أكتوبر 1973، واتخاذه لقرار الوقفة التعبوية وعدم تطوير الهجوم نحو المضايق حسب الخطة المتفق عليها مع السوريين ثم قراره المفاجئ بتطوير الهجوم متأخرا و الذى عارضه كل قادة الجيش المصرى وترتب عليه ثغرة الدر فسوار وعبور القوات الإسرائيلية إلى غرب القناة، ولغز عدم ضرب مطار العريش طيلة فترة الحرب رغم أنه كان شريان الحياة لإسرائيل الذى تهبط فيه طائرات الجسر الجوى الأمريكي، والطريقة التى قبل بها الرئيس السادات قرار وقف إطلاق النار ثم اجتماعه المنفرد مع كيسنجر يوم 7 نوفمبر 1973، وما تلاه من انقلاب تام على الثورة وعلى سياسات عبد الناصر ظهر جليا منذ عام 1974 وصولا لزيارة القدس المحتلة ومعاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية.

فاختفاء جمال عبد الناصر من الحياة كان هو الخطوة الأولى لتحقيق كل ذلك

لذا فحديث الأستاذ هيكل عن وجود مبررات أخلاقية وإنسانية وعاطفية تجعله يرفض اتهام الرئيس السادات بوضع السم فى القهوة للرئيس عبد الناصر يبدو غير منطقيا خاصة أنه هو الذى روى الواقعة، بينما الأقرب للمنطق هو عدم القدرة على إثبات ذلك ليبقى الأمر مجرد ظن أو تخمين عن سر وفاة عبد الناصر بعد احتسائه قهوة السادات بثلاثة أيام

خاصة أن الأستاذ هيكل ذاته هو الذى كتب فى كتابه (لمصر لا لعبد الناصر) فى صفحة 165 تعليقا على الحملة المسعورة لتشويه عبد الناصر واغتيال شخصيته فى عهد السادات والتى كانت تتم برعاية السادات شخصيا وكل أجهزة حكمه

"إن ما حدث فى مصر لعبد الناصر لم يحدث لزعيم وقائد فى أى بلد من بلدان العالم إلا إذا كان هناك انقلاب مسلح على نظامه

ومثل هذا الانقلاب لم يحدث قطعا

وعلى فرض إن انقلاب مسلح كان قد حدث، فإنى أشك فى أن حملة اليوم على الأمس كان يمكن أن تصل إلى هذا العنف

ولم يكن من قبيل الأخطاء السياسية ما حدث، ولكنه كان أسوأ، فقد تعدى أخطاء السياسة إلى السقوط الأخلاقى... إلى نوع من الانتحار المعنوى"

هذه هى كلمات الأستاذ هيكل فى عام 1976 عندما أصدر كتابه

لمصر لا لعبد الناصر

والسلسلة الأخيرة من أحاديث الأستاذ تدعم نظرية اغتيال الرئيس عبد الناصر

واغتياله عام 1970 تحديدا

ولو راجعنا بعض تصريحات قادة إسرائيل المعلنة خلال عام 1970 سنجد التالي:

فى يوم 3 يناير 1970 صرحت جولدا مائير - رئيسة وزراء إسرائيل- أنها لا ترى أى فرصة للسلام طالما ظل جمال عبد الناصر يحكم مصر، لذا فإن إسقاط عبد الناصر والنظام والسياسات التى يمثلها يجب أن يتم أولا قبل أى حديث عن سلام مصرى إسرائيلى.

ويصرح أبا إيبان - وزير الخارجية الإسرائيلي -: أن كيسنجر ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية يعاتبان إسرائيل على موقفها السلبى وتقاعسها عن العمل الإيجابى فى مصر وطلبهما هو تكثيف الجهود الإسرائيلية خلال هذا العام 1970 للتخلص من عبد الناصر شخصيا نهائيا.

وفى حديث صحفى لأبا ايبان مع صحفى أمريكى، سأله الصحفى عن سبب تركيز إسرائيل وأمريكا على جمال عبد الناصر شخصيا؟

فقال ايبان: إننا نعمل بتركيز شديد على التخلص من عبد الناصر لأن لدينا يقين قاطع بأنه بعد التخلص منه سيهدأ الموقف مع مصر وسيتغير لصالحنا.

و برغم كل تلك القرائن عن وجود شبهات جنائية فى قضية وفاة الرئيس جمال عبد الناصر إلا أن طبيبه الخاص الدكتور الصاوى حبيب والذى كان الطبيب الخاص الملازم له منذ يوليو 1967 وحتى 28 سبتمبر 1970 يقول فى كتابه (مذكرات طبيب عبد الناصر) أن الرئيس عبد الناصر توفى نتيجة أزمة قلبية نتجت عن انسداد الشريان التاجى، وينفى فرضية وفاة الرئيس عبد الناصر بالسم لأنه لم يلحظ أى علامات تدل على كونه مسموما وهو يفحصه، ويشكك الأستاذ جمال سليم فى كتابه (كيف قتلوا عبد الناصر؟) فى ذلك بحجة وجود أنواع متطورة جدا من السموم لا تظهر أثارها أبدا على من تم تسميمه بها.

عندما سألت السيد/ سامى شرف شرف عن احتمالات اغتيال الرئيس عبد الناصر بالسم، أجابنى أنه شخصيا يعتقد أن وفاة الرئيس عبد الناصر طبيعية فقد كان الرئيس مريضا بعدة أمراض وكان مجهدا من العمل، والمؤامرات لاغتياله لم تتوقف لحظة واحدة منذ رئاسته للبلاد ولكن سبل حمايته والحفاظ على أمنه كانت متعددة وكافية وما يثار عن اغتياله بالسم لن يستطع أحد إثباته الآن إلا بتشريح رفات الزعيم

إلا أنه أضاف: ولكن من يدري؟!

ربما يأتى يوم فى المستقبل ويتضح لنا فيه أن الرئيس تعرض لمؤامرة أودت بحياته مثلما حدث مع نابليون بونابرت الذى تم اكتشاف وفاته بالسم بعد مرور 150 سنة على وفاته.

للكاتب الكبير الدكتور/ كمال خلف الطويل وجهة نظر هامة فى لغز وفاة الرئيس عبد الناصر تتلخص فيما يلى:

التاريخ المرضي للرئيس عبد الناصر تم استخدامه جيدا لإقناع الجميع أن وفاة عبد الناصر طبيعية بسبب مرضه

ولكن المرض لم يكن سبب الوفاة

الأصح أنها عملية قتل بالسم أوكل كيسنجر وريتشارد هيلمز مهمة تنفيذها إلى كلا من كمال ادهم و مدير محطة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بجدة

وأن السم الذى تم استخدامه لقتل عبد الناصر كان الأحدث يومها ومن النوع العسير التحري

وان التنفيذ أمريكي – سعودي – مصري دون مشاركة إسرائيلية مباشرة

قرار قتل عبد الناصر كان في الحسبان منذ 7 يناير 1970 تاريخ بدء غارات العمق

وقد تعزز مع اكتمال وصول القوات السوفييتية لمصر في ابريل 1970

و تنامى مع تساقط الطائرات الحربية الإسرائيلية فى الأسبوع الأخير من يونيو 1970 والأسبوع الأول من يوليو 1970

ثم تأكد مع نصب حائط الصواريخ على القنال أوائل أغسطس 1970

وبقي التوقيت المناسب لتنفيذ عملية قتل جمال عبد الناصر

كان التوقيت الأمثل بعد نجاح الرئيس عبد الناصر في منع الملك حسين من تصفية فصائل المقاومة الفلسطينية،وكان المكان الأمثل هو فندق الهيلتون حيث يضعف الطوق الأمنى الذى يحمى الرئيس عبد الناصر.

جاء قتل عبد الناصر بالسم لإعاقة شن حرب هجومية على إسرائيل مابين نوفمبر 1970 و مايو 1971، وهى الفترة الزمنية التى حددها عبد الناصر لشن معركة التحرير.

فى عام 1961 قام المؤرخ السويدى ستين فورشوود بنشر أول دراسة علمية له حول اغتيال نابليون بونابرت بسم الزرنيخ، وقد توصل فورشوود لذلك بعد تحليل خصلات من شعر نابليون بونابرت، كان قد أهداها لبعض أصدقائه أثناء منفاه فى جزيرة سانت هيلانة، وعبر دراسة وتحقيق بوليسى أستمر لمدة 15 عاما أستطاع فورشوود مع الصحفى الكندى بن وايدر والصحفى الأمريكى د.هابغود التوصل للكيفية التى تم بها تسميم نابليون بونابرت بالزرنيخ بل وتحديد أسم القاتل والذى كان ضابطا مقربا من نابليون بونابرت.

والمثير للشك فى حالة وفاة الرئيس عبد الناصر، أنه تم قص خصلة من شعره بعد وفاته بأمر من حسن التهامى - وزير الدولة لرئاسة الجمهورية - وفى حضور الرئيس السادات، فقد طلب حسن التهامى خصلة من شعر الرئيس عبد الناصر من صلاح هدايت وزير الدولة للبحث العلمى وقتها، الذى تعجب من طلبه، ولكن الرئيس السادات قال له " أصل حسن بيحب الحاجات البوليسية دي"، كما تم قص أظافر يد الرئيس عبد الناصر اليمنى بالكامل وأستلمها حسن التهامى أيضا، وعندما سأله الكاتب الصحفى الراحل الأستاذ جمال سليم عن مصير خصلة الشعر والأظافر، أجابه حسن التهامى أنه لا يدرى ما مصيرهما!!!

أستغرق حل لغز وفاة نابليون بونابرت ما يقرب من 150 سنة قبل أن يتم تحديد أسم القاتل ونوع السم الذى تم به اغتيال بونابرت، وبعد مرور أكثر من 4 عقود على وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، بدأت بعض الأمور تتكشف وبعض الألغاز تحل،وبمرور الأعوام سنكتشف المزيد، فلا توجد جريمة كاملة فى التاريخ.

رحم الله الرئيس جمال عبد الناصر وأسكنه فسيح جناته، وربما تكشف الوثائق التى مازالت خفية أسرار جديدة عن لغز وفاته.


عمرو صابح

كاتب مصري

من نفس المؤلف