القَـسّ وسلاّمة

، بقلم فاروق مواسي

من الأغاني القديمة الجميلة ما غنتها أم كلثوم من كلمات علي أحمد باكثير وتلحين رياض السنباطي – قصيدة- "قالوا أحبَّ القَـس":

قالوا أحَب القَسُّ سلامة
وهو التقي الورع الطاهرُ
كأنما لم يدر ِ طعمَ الهوى
والحبَّ إلا الرجلُ الفاجرُ
يا قوم ِ إني بشرٌ مثلكم
وفاطري ربكمُ الفاطرُ
لي كبدٌ تهفو كأكبادكم
ولي فؤادٌ مثلكم شاعرُ

بل مثّلت أم كلثوم دور سلامة في فيلم بعنوان (سلامة القَس)، كما أن علي أحمد باكثير له رواية بهذا الاسم.

والحبكة الدرامية في قصة الفيلم والرواية تكمن في وقوع الرجل التقي العابد عبد الرحمن بن أبي عمّار في غرام جارية مغنية هي سلاّمة، وفي صراعه النفسي بين حبه وتقواه، وقد استُقيت القصة من كتب التراث.

ورد في (تاج العروس) للزَّبيدي:

"القس : لقب عبد الرحمن بن عبد الله. ويقال: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمار المكي العابد التابعي الذي كان هوي سلامة المغنية، ثم أناب، ولقب به لعبادته".

فمعنى القَس: رئيس من رؤساء النصارى،

ويعني كذلك الكيِّس العالم.

لنأت إلى القصة كما وردت في الأغاني (ج8، 347- 350- دار الفكر):

"كانت سلامة مولَّدة من مولَّدات المدينة، وبها نشأت، وأخذت الغناء عن معبَد وابن عائشة وجميلة فمهَرَت.

وإنما سميت سلامة القَسّ لأن رجلاً يُعْرف بعبد الرحمن بن أبي عمّار الجُشَمي من قرّاء أهل مكة كان يلقب بالقَس لعبادته، وقد شُغِف بها، وشُهِر، فغلب عليها لقبه".

إذن فهو ليس قسيسًا مسيحيًا- كما ذهب كثير من الدارسين، وذلك بسبب اللقب الديني المسيحي (قس)، وقد أرادوا أن يظهروا من وراء هذا العشق تسامحًا دينيًا كان قائمًا في زمن الأمويين.

كانت حَبَابة وسلاّمة القس من قِيان أهل المدينة، وكانتا حاذقتين ظريفتين ضاربتين.
وحدّث الزبيري قال: حدثني من رأى سلامة قال:

ما رأيت من قيان المدينة فتاة ولا عجوزًا أحسن غناء من سلامة، وعن جميلة أخذت الغناء.
يقول الشاعر عبد الله بن قيس الرقيات في وصف هذا الحب:

لقد فَتَنَتْ رَيَّا وسَلاَّمةُ القَسّا
فلم تتركا للقَسِّ عقلاً ولا نَفْسَا
فتاتانِ أمَّا منهما فشبيهةُ
الهلالِ، وأُخرى منهما تُشبه الشمسا

وفيهما يقول كذلك:

أُختانِ إحداهما كالشمس طالعةً
في يوم دَجْنٍ وأُخرى تشبه القمرا

نلاحظ هنا في وصف الشاعر أن حب القَسّ لم يكن لسلامة فقط، بل هو لكليهما بسبب جمالهما.

سبب افتتان القس بسلامة:

ورد في (الأغاني- ن.م):

كان منزل القَس عبد الرحمن بمكة، وكان سبب افتتانه بها فيما حدث خلاّد الأرقط قال:
سمعت من شيوخنا أهل مكة يقولون:

كان القس من أعْبَد أهل مكة، وكان يشبَّه بعطاء بن أبي رباح، وأنه سمع غناء سلامة القس على غير تعمّد منه لذلك، فبلغ غناؤها منه كل مبلغ، فرآه مولاها، فقال له:

هل لك أن أخرجها إليك؟ أو تدخل فتسمع؟ فأبى.

فقال مولاها: أنا أقعِدها في موضع تسمع غناءها ولا تراها، فأبى.

فلم يزل به حتى دخل فأسمعه غناءها، فأعجبه.

فقال له: هل لك في أن أخرجها إليك؟ فأبى.

فلم يزل به حتى أخرجها، فأقعدها بين يديه، فتغنت، فشُغف بها وشُغفت به.

وعرف ذلك أهل مكة، فقالت له يومًا: أنا والله أحبك.

قال: وأنا والله أحبك.

قالت: وأحب أن أضع فمي على فمك.

قال: وأنا والله أحب ذلك.

قالت: فما يمنعك؟ فوالله إن الموضع لخال.

قال: إني سمعت الله عز و جل يقول- الأخلاء يومئذ بعضُهم لبعضٍ عدوٌّ إلا المتقين- الزخرف، 67. وأنا أكره أن تكون خُلَّة ما بيني وبينك تؤول إلى عداوة.

ثم قام وانصرف، وعاد إلى ما كان عليه من النسك، وقال من فوره فيها:

إنّ التي طَرَقَتْكَ بين ركائبٍ
تَمْشي بمِزْهَرِها وأنتَ حَرَامُ
لَتَصِيدُ قلبَك أو جزاءَ مودَّةٍ
إنّ الرفيق له عليك ذِمامُ
باتت تعلّلنا وتحسب أنَّنا
في ذاك أيقاظٌ ونحن نِيامُ
حتى إذا سطَع الضّياءُ لناظرٍ
فإذا وذلك بيننا أحلامُ

ويذكر (لأغاني) كذلك أن سلامة غنّت له هذه الأبيات، كما غنت لشعراء آخرين كانوا يحضرون مجلس سهيل- سيدها، وذلك قبل أن يشتريها يزيد بن معاوية.

ومن قوله فيها:

ألم تَرَها لا يُبْعِد اللَّه دارَها
إذا رَجّعتْ في صوتها كيف تصنعُ
تَمُدّ نظامَ القولِ ثم تَرُدّه
إلى صَلْصَلٍ في صوتها يترجَّع

وفيها يقول:

أَلاَ قُلْ لهذا القلبِ هل أنت مُبْصِرُ
وهل أنت عن سَلاَّمةَ اليومَ مُقْصِرُ
ألا ليت أنِّي حين صارتْ بها النَّوى
جليسٌ لسَلْمَى كلَّما عَجّ مِزْهَرُ

وقال في قصيدة له يخاطب سلامة:

سلاَّمُ وَيْحَكِ هل تُحيـين مَنْ ماتا
أو تََرْجعينَ على المحزون ما فاتا

وقال أيضًا:

سَلاَّمُ هل لي منكمُ ناصرُ
أم هل لقلبي عنكمُ زاجرُ
قد سمِع الناسُ بوجدي بكم
فمنهمُ اللائّمُ والعاذرُ

وقال:

أهابُكِ أن أقول بذلتُ نفسي
ولو أنِّي أُطيع القلبَ قالا
حياءً منكِ حتى سُلّ جسمي
وشَقّ عليّ كتماني وطالا