شاعرة ٌ..وفنجانٌ مقلوبْ

، بقلم جورج سلوم

لقاءاتهما المتباعدة أصبحت تميل للعِتابْ..بعد طولِ غيابْ..وصار فنجان القهوة يُرتشفُ على مضض..بارداً كعواطفها..مُرّاً مثل كلمات العتاب الجارحة.

وعَدَها سابقاً بأنها ستصبح شاعرة إن عشِقَتْ شاعراً..(فالشيئُ بالشيئِ يُذكر)...هكذا قال لها..فلو قالوا ليلى قلنا قيس..ولو قالوا جُبران قلنا مي!

وكانَتْ تحاول أن تعيدَه إلى الواقع..بتكرارها جملة (أين الثريا من الثرى؟..وأين جبران منكَ يا تُرى؟..وهل كل من استسلم للنسور طار معها إلى الذرى؟).

لقد طاوعته راضيةً..على أن يكون شاعرَ المستقبل أو زوج المستقبل على أقلّ تقدير..
لكنّه فقط كان ناقداً لحياتها..لاجِماً لشعرها...حتى التزمت الصّمت..

فلا كان شاعراً يُحتذى..ولا زوجاً يُرتجى!

ولم يُصنّف بين الكتّاب كشاعر..ليس أكثر من مدوّن..أو مغرّد..على صفحاتٍ ذاتية القراءة..ولم يرقَ نقده لمرتبة الناقد...ليس أكثر من معلّق...وتعليقاته تحتاج للمراجعة..وهكذا انطفأت جذوته..ففرّت من فلكه إلى مدارها الخاص..نجمة بين الكواكب السيّارة..أما هو فكان أشبه بحجرِ نيزكٍ يرتطم بالكواكب مكروهاً..ويحدث بارتطامه فجوات وكدمات تترك أثراً محدوداً..وعابراً..
صار حاقداً على الجميع..مدّعياً..متّهِماً الأدباء بالصفاقة..والفنانون بالركاكة..والصحفيون بالسّماجة..ورجال الدين بالهرطقة..والنساء بالخيانة!

ثم تحوّل إلى قاضٍ يُحاكمها وجهاً لوجه من على منبره.. طاولةُ المقهى..باعتبارها – منبر من لا منبر له - قال:

- (استمرأتْ نفسكِ الخيانة أيتها الشاعرة..بعد أن فقدتِ ورقة التوت.)

أطرقتْ إلى الأرض لثوان ٍ..وهمّت بالمغادرة..ثم تمالكت نفسها وجلست والخوف بعينيها – كما قال نزار – لكنّ فنجانها مازال مليئاً ولم ينقلبْ بعد..فتابع قائلاً:

- (تتقلّبين في المضاجع..وتقلّبين المواجع..لماذا؟...لتستلهمي شعراً من رواد دواوينكِ؟

تستنزفينَ الحبَّ استنزافاً..وتستصرخين الآهات..وتكتبينها أشعاراً...

أيُعقل أن تكون لكلّ قصيدةٍ حكاية تعيشينها عشقاً..قبل كتابتها؟

ألا يأتيكِ الشعر إلا من وحي شياطين الحب؟..يهدهدون عواطفكِ..ويشدّون جدائلكِ.. فتتأوّهين ألماً..وتجودين بشعرٍ مجبولٍ بدمائك؟

بئسَ الشعر المكتوب على جسدك المحروث بالكلمات..ويسقط الأدب الآتي من قلّة الأدب.)!!

قالت..وقد استعادت رباطة جأشها:

- (إن ما تسمّيه خيانة أيها الزّميل..ليس إلا تجاربَ أعيشها وأتعلّم منها..أنت ترتضي أن أمنحكَ جسدي وتكتبَ فيّ شعراً..ولا تسمّيه خيانة..تريدني لكَ وحدك..فتحوّلني من شاعرةٍ إلى قارئة)

ابتلعَتْ ماتبقّى في حلقها الجاف من لعاب..وأخذت نفَساً عميقاً..وأضافت:

- (مازلتَ تفخر بتجريدي من ورقة التوت...ألا تخجل من نفسك؟.)

لم ينبَس ببنتِ شفة..فاستطرَدَتْ:

- (نفرتُ منك...كرهت ُ حُبّك المكرّر والتقليديّ..المحصور بأوزان الفراهيديّ..طويلٌ ووافر وبسيط..وفعولنْ مفاعيلن فقط...أنا أبحث عن التجديد في الحب والتطوير في الشعر..لا أريد ميزاناً يحصُرني..ولا وزناً يفاعُلني...عشاقي يمنحونني الشعر بلا مقدّمات..فلا وقوفَ على الأطلال..ولا فتحٌ ولا ضمٌ ولا كسرٌ ولا التزامٌ بقافيةٍ عرجاء.. مكسورة.. ولو أجريتم لها عملية تجميل !...وعندما تخرُجون –أنتم معشر الشعراء – عن المألوف في أقوالكم وأفعالكم...تقولون نحن آسفون إذ يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره.

دعني أعيش الحب الذي أهوى..ولا تنتعتني بالخيانة..فالخيانة عندي هي فقط الخيانة العظمى أي خيانة الوطن الذي أنتمي إليه...وأعيش تحت جناحه وفوق ظلاله..أما أنت..فماذا يربطني بكَ؟..وأيّ انتماءٍ تطلبُه مني؟)

قال:

- (ألا تذكرينَ ليالينا..وسِجالاتنا الشعرية التي تنتهي بقبلةِ الخاسر..ألا تذكرينَ كيف كنتِ تكسرين أوزانكِ قصداً لتخسرين السّجال...فأربحُ منكِ قبلة..وأية قبلة؟)

رشفَتْ قليلاً من قهوتها الباردة..وقالت:

- (نعم..سهرنا واجتررنا الأبيات التي نحفظْ..وكانت قافيتُكَ فاتحةً لي..ولم نبدعْ جديداً..ولم تثر عواطفي لأكتب فيك بيتاً واحداً من الشعر...والآن تطلب مني الإخلاص والانتماء إليك..ماذا يربطني بك.. يا من تتشرّف علي؟

آهٍ..كم تلاعبتَ بي وكذبتَ عليّ...ولا تخجل الآن من العودة للذكريات..قلتَ لي..ستكونين مي زيادة وأنا جبران..فنتبادل رسائل العشق ويتناقلها الرّواة..لقد كان حبّهما طاهراً أيها السّافل.. وماتا دون أن يلتقيا..ولم يُفتتح حبّهما بورقة التوت التي تستفحلُ بها عليّ...ليس هذا فحسبْ.. لقد راسَلَتْ مي – رحمها الله – كلاً من حافظ ابراهيم وخليل مطران وغيرهما..ولم يتّهمها جبران بشيء..)

- (ماذا تريدين بالضبط؟..ماذا أفعل لنعود وننظم قافيتنا على نفس الوزن؟)

- (اكتبْ عليّ بدل أن تكتبَ عني..اعقد عليّ عقد زواج فألتزمُ بقافيتكَ وميزانكَ..)

- (كيف أعقد عليكِ ودوواوينكِ مكتوبة بمدادِ الرّجال وأحبارِهم؟..لن يشرّفني ذلك.)

قلبَتْ فنجانها الممتلئ حتى منتصفه بعصبيّة..فسالت قهوته السوداء على الطاولة وعلى الأرض...وقفت على قدميها شامخةً.. ونظرتْ إليه بسُخرية:

- (فدعني أتغنّى بالحبِّ الذي أفتقده...

وحاول أن تتغنّى أنتَ بالمجد الذي تفتقده..

لستَ أهلاً لتنتقد حياتي و تقرأ دوواويني...

يكفيكَ فقط أن تلعقَ قهوتي.. وتقرأ فناجيني).