بيتان من الشعر الجاهلي

، بقلم فاروق مواسي

كتب لي أستاذ للغة العربية لصفحتي اللغوية:

يقول امرؤ القيس:

"كأن ثبيرًا في عَرانين وبلِه
كبيرُ أناس في بجادٍ مزمّلِ

أخطأ الشاعر هنا في جرّ (مزمل)، وحقها الرفع، لأنها نعت للفظة (كبير) التي هي خبر (كأن) فهو إذن مرفوع.

فعلى أي أساس جرها الشاعر العظيم؟!

قد يقول بعضهم: جرها للضرورة الشعرية.

والجواب هو: من قال إن الضرورة الشعرية حُجّة؟

إنها ملجأ للعجزة يستعملها أي كان في كل مكان ؟

فأجيب:

يا عزيزي، لسيت هي الضرورة الشعرية كما خمّنت، وليست الضرورة الشعرية في الشعر الجاهلي مأخذًا وعيبًا.

ما نجده في بيت امرئ القيس هو (الخفض على الجوار)، أي أن كلمة (مزمل) تكون مجرورة على غرار ما سبقها وجاورها قبلاً، وهي كلمة (بجادٍ).

ذكروا نحو ذلك القول- (هذا جـُحْرُ ضـبٍّ خَـرِبٍ)، وإنما (خرب) هي نعت للجحر، وحقها الرفع، ولكنها خفضت على الجوار.

ومن الذكر الحكيم:

قوله تعالى على لسان نوح عليه السلام: إني أخاف عليكم عذابَ يومٍ أليمٍ (هود،18)، فقد ذهب بعضهم إلى إعراب أليمٍ على أنه جر على الجوار؛ لأنه في المعنى صفة لـ (العذاب)، والأصل: عذابَ يوم أليمًا.

ونحو هذا قوله عز وجل على لسان شعيب عليه السلام: واني أخاف عليكم عذاب يوم محيط (هود،84) رأى بعضهم أنه جُرَّ على الجوار؛ لأنه في المعنى صفة لـ (العذاب)، والأصل: عذاب يوم محيطًا.

هناك اجتهادات في تخريج مثل ذلك (انظر الخصائص لابن جني، ج1، ص191-193.)

ثمة ظواهر لغوية وجدناها لدى القدماء، على غرار "الخفض على الجوار"، فنجد الإتباع، والأضداد، وتبادل الصيغ في التعبير، وتأنيث المذكر وتذكير المؤنث...إلخ،
ونحن لا نستخدمها اليوم، أو على الأصح لا نجدد فيها، ولكنا لا نملك الحق في تخطئة نماذج منها سبق وأن وردت في القرآن الكريم أو في الشعر القديم.

يسأل صديقي ثانية:

قال زهير بن أبي سلمى:

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمو
وما هو عنها بالحديث المرجّم

يتساءل المرء: إلى أي اسم يعود الضمير هو؟"

ليس له ما يعود إليه في الجملة إلا بتقدير مصدر غير موجود، وهذا التقدير في رأيي مفتعل.

وأقول معتمدًا على المصادر:

يرى عبد القادر البغدادي في (خزانة الأدب):

"... وقوله: وما هو عنها، أي ما العلم عن الحرب بالحديث، أي ما الخبر عنها بحديث يُرجم فيه بالظن، فقوله (هو) كناية عن العِلــم، لأنه لما قال إلا ما علمتم دل على العلم - كذا قال الخطيب وأبو جعفر النحوي". (الخزانة ج 3 ص 10).

وقال الزوزني في شرح البيت في (المعلقات السبع):

"(هو) ضمير القول لا العلم، لأن العلم لا يكون قولاً - أي وما هذا الذي أقول بحديث مرجّم، أي هذا ما شهدت به التجارب".

ويقول التبريزي في (شرح القصائد العشر):

فقوله (هو) كناية عن العلم، لأنه لما قال (إلا ما علمتم) دل على العلم.

قال الله تعالى: ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا-

المعنى أنه لما قال (يبخلون) دل على البخل كقولهم: من كذب كان شرًا له.

فهؤلاء العلماء الأجلاء لم يخطّئوا زهيرًا، وإنما حاولوا أن يجتهدوا في التخريج.

وهذا في رأيي يدل على استساغة (هو)، فلا غضاضة فيها.