حياة زوربا كتابة ورقصا

، بقلم محمد جمال صقر

شاب أديب ثري صادف شيخا عاملا أميا فقيرا، ولكنه ممتلئ قوة وحيوية وتشهِّيا، فأما هو فحيران بفلسفة الحياة التي كلما أمسك منها شيئا أفلتَتْه أشياء!

يلتقيان عَرَضًا، ويتحاوران عنادا؛ فيتعلق بعضهما ببعض، وكأنما أراد كل منهما أن يكتمل بالآخر؛ فأما ذلك الأديب فذو علم محتاج إلى اختبار عملي، ورزانة محتاجة إلى طيش! وأما هذا الأمي فذو طيش يدعي أن العلم مفسدة أي مفسدة، محتاج إلى الرضا بطيشه!
يسافران معا إلى بلد بعيد، ويستحدثان عملا صعبا يجتمعان به وعليه، ولا يفتأ أي منهما -إن اشتغل عن صاحبه- يعود ليشتغل به، حتى لم يتركا شيئا من أمر أنفسهما هما ومن حولهما وما حولهما إلا ذكراه، فتأملاه، ونقداه.

إذا طرب ذلك الشاب الأديب -وما كان أقلَّ طربه- شَرَد؛ فتكلم، وتفلسف! وإذا طرب هذا الشيخ -وما كان أكثر طربه- عزف؛ فغنى، ورقص! حتى إذا ما طربا جميعا معا كانا كأنما يتبجسان من رماد، أو ينتشران من موات.

يصطحبان ما شاء الله، ثم يفترقان، يفرق بينهما ما جمع بينهما؛ فعَمْرُهما كان حين التقيا قد شَبَّ عن الطَّوْق؛ فأبى إلا أن ينزِع بكل منهما إلى طبيعته وعادته!

عندئذ يجد الشاب الأديب ضالته، أن يكتب قصة حيرته ولقائه بالشيخ الأمي، وما كان بينهما حتى افترقا، وما جدّ له بعدئذ من أفكار ومشاعر، فيها من آثار الشيخ الأمي ومن شوقه إليه ما لا سبيل له إلى إنكاره. ولا بأس بأن يتلبَّث عند معالم كل مشهد، يستبطنها بما انبثَّ من خيالات شروده، ويستظهرها بما انبعث من مأثورات كتبه!

تلك كانت "زوربا" رواية نيكوس كازانتزاكيس الكاتب اليوناني (١٨٨٣-١٩٥٧)، التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، حتى تُرجمت إلى لغات كثيرة منها العربية ترجماتٍ مختلفة، ومُثلت بهوليوود فيلما معروفا، وبُلْيِهَتْ (حُولت إلى باليه)، يونانيةً وغيرَ يونانية بل عربية مصرية!

وعلى أهمية ترجمتها وتمثيلها تشغلني دونهما بَلْيَهتُها؛ إذ يظل حاضرا في الترجمة والتمثيل التعبيرُ البياني منطوقا ومقروءا، فأما في الباليه فيتحول التعبير إلى حركة راقصة تستولي على رائيها، وتستفزه إلى تأويلها، ولاسيما إذا لم يكن له بالرواية من علم، فلا يكون أشبه منه بمؤوِّلي الأحلام!

لابد أن هذا الراقص الشاب المتأنق المشتمل على كتابه هو الشاب الأديب، وأن هذا الرجل الملتحي المتبذل هو الشيخ الأمي -نعم- وأن هؤلاء الشباب المتشابهي الملابس هم أهل البلد الذي رحلا إليه، يلتفون حولهما بأسباب مختلفة رضًا وغضبا أو فرحا وترحا، وبملابس مختلفة كذلك، بياضا وسوادا، أو حمرة وصفرة!

يبدو الرجل الملتحي متبسِّمًا دائما، خبيرا صبورا على إغراء الشاب المتأنق بمباراته، ينتزع منه كتابه ليلقيه بعيدا فلا يشتغل به عنه حتى ينصاع له، ويرقصان على أنغام ساذجة متقطعة رقصا صوفيًّا أشبه برقص تجار البحر المصريين (البمبوطية)، ويخالطان أهل البلد لتدور بهم جميعا معا دوائرُ الرقص، تتصل وتنقطع، وتنفض وتجتمع- مثلما تدور أحداث الحياة!

وربما برز من الشباب من يطرد الوافدَيْنِ إلى خارج دوائرهم؛ فيردهما غيره من المتعقِّلين المُنصفين. وربما احتدم التدافع؛ فكانت وَكَزات، وكانت سَقَطات، وما من نَأْمة في الخِلال إلا ضربات أرجل وانعطافات جذوع وصفقات كفوف وملامح وجوه وحركات رؤوس!

لو لم يكن لبَلْيهة الأعمال الأدبية من فضل غير التنبيه على جلال نعمة البيان، لكفاها؛ فكيف وهي لوحات من الخرائط الذهنية الحركية الراقصة!