شريط «البائع» لفرهادي الايراني

، بقلم مهند النابلسي

يعمل الزوجان "عماد ورنا" في المسرح في مدينة طهران، ويمثلان في مسرحية "موت بائع متجول" لآرثر ميللر، حيث يتقمص عماد دور "ويلي" ورنا شخصية "ليندا"، كما ان عماد يعمل كمدرس محبوب ومؤثر في مدرسة بالجوار، حيث يسخر الشباب اليافعين منه لكونه يمثل دور البائع تحديدا. وفي ليلة ما، تنهار شقتهم تدريجيا مع جدران البناية السكنية، فيهربون جميعا مع السكان الآخرين، ونراه يحاول انقاذ بعض السكان...ويأسا من الحصول على مكان للعيش ضمن ازمة سكنية تعاني منها المدينة المكتظة، يقترح عليهم زميلهم الممثل "باباك" ايجاد شقة مؤقتة لهم، والتي كانت تسكنها "امرأة سيئة السمعة"، وغادرتها على عجل، تاركة العديد من مقتنياتها وبعض الأثاث...وفي ليلة ما، تكون رنا لوحدها في المنزل وتبدأ بالاستحمام تاركة باب العمارة مفتوحا توقعا لعودة عماد، وعندما يعود عماد متاخرا، لا يجدها ويلاحظ ان الحمام ودرج المنزل ملطخان بالدماء، فيهرع للمستشفى، حيث يخبره الجيران بحالة زوجته وتعرضها لجرح في الرأس وأنه يفضل ان يقوم عاجلا بتغيير قفل الشقة، وكما يبدو ف "رنا" لم تتعرض لحادث وانما لاعتداء شخصي، كما يعرف عماد ان المستاجرة السابقة للشقة كانت "عاهرة"، وعلى خلاف أحيانا مع بعض زبائنها.

تعود رنا للمنزل وتعاني من الصدمة والصداع، وتتردد في الذهاب للشرطة، وتخشى من الاستحمام، كما انها تنهار فجأة أثناء التمثيل وتنفجر في نوبة بكاء وتغادر المسرح فجأة. وبالرغم من انها لا تتذكر وجه وملامح المعتدي، الا ان عماد يجد مفاتيح سيارة وموبايل متروكين تحت الوسادة على الكرسي وقد تركهما المعتدي الذي غادر الشقة هاربا، ويتمكن من مطابقة المفتاح مع سيارة بيك آب بيضاء تقف في الجوار، كما أن المعتدي ترك نقودا اشترت بها رنا مستلزمات الطعام لاعداد الغداء للاسرة مع ضيافة طفل في السابعة وهو ابن احدى زميلاتها في المسرح، وعندما يعلم عماد بذلك يغضب بشدة ويلقي بالطعام للحاوية...ثم يستمر عماد في لوم زميلهم "باباك" لاخفائه الحقيقة بشأن ماهية المستأجرة السابقة، وفي لحظة غضب يستخدم تعبير "الانحطاط" لوصف شخصية "شارلي" في المسرحية، متجاوزا سياق النص المسرحي، مما يؤدي لغضب "باباك"، ودخوله في ملاسنة مع عماد.

اخيرا تثمر مساعي عماد لكشف الحقيقة، فيلجأ لوالد احد طلبته المخلصين لمعرفة صاحب "البيك آب"، فيكتشف انه شاب يدعى ماجد ويعمل لتوصيل طلبات الطعام، ويتشارك في البيك آب مع حماه المرتقب (والد خطيبته)، ومع تطور الحديث مع هذا الشخص، يكتشف عماد أنه هو نفسه الرجل المعتدي (بعد معاينة جروح في قدميه تعرض لها عند الهرب من المنزل)، فينكر هذا العجوز الستيني أنه اعتدى عليها، ولكن عماد يرفض الاقتناع بذلك، فيحبسه في غرفة صغيرة، ويستجديه هذا الرجل ليطلق صراحه لأنه مريض ويعاني من القلب، ولكن عماد لا يبالي بشكواه ويصر على حبسه مستدعيا عائلته، وعندما يطلق سراحه يكتشف انه تعرض فجأة لمتاعب قلبية، مما يرعبه ويستدعي رنا على عجل للمساعدة، وتطلب منه رنا ان يطلق سراح الرجل فورا، وعدم الانتقام وفضحه امام عائلته، والا قستتركه نهائيا.

واخيرا عندما تجىء العائلة (المكونة من زوجته وابنته وصهره) تفهم بانه تم استدعائها للطوارىء، فيشكرون عماد على انقاذه للرجل المريض، ولكن عماد يصر على تصفية حسابه خفية مع المعتدي العجوز، فيحشره في الغرفة وحيدا ويقذف النقود في وجهه ويصفعه بحدة على وجهه...ثم نرى في المشاهد الأخيرة الرجل العجوز وهو ينهار أثناء نزوله على الدرج بصحبة عائلته، حيث يتم استداء سيارة الطوارىء، وقد عجزوا هذه المرة عن انقاذه بحبوب الدواء. ثم نرى "عماد ورنا" يغادران معا باتجاه المسرح، ثم نرى المشهد الأخير المسرحي المتمثل بموت البائع المتجول على فراشه! وللانصاف فقد ابدع البطلان الزوج والزوجة في تقمص أدوارهما بشكل لافت يستحق التنويه (تارانيه أليدوستي وشهاب حوسيني).

قصدت هنا أن اسرد تقريبا معظم تفاصيل الفيلم لكي اوضح كم هو عادي وممل وطويل ولا يترك للمشاهد المسكين بارقة امل ولا لحظة انفراج ولا حتى مشاهد عامة لطهران كمدينة جذابة، بل انه في اعتقادي لايستحق ابدا كل هذه الحفاوة العالمية التي توجت بجوائز كان والاوسكار فيما بعد، كما أن هناك بعض الأخطاء الاخراجية الظاهرة المتمثلة بطريقة الخروج من المبنى المنهار وطريقة تصوير حادثة الاعتداء وتفاصيل الملاحقة، وربما لا يقع بهذه الأخطاء مخرج مبتدىء هاوي فكيف بمخرج يحصل على الاوسكار للمرة الثانية وخلال فترة قصيرة نسبيا (فقد سبق وحقق الاوسكار عن فيلمة الانفصال)، كما أن اختيار شخصية رجل عجوز متهالك ومريض بالقلب لدور المعتدي لا تسهل فهم الحبكة، ناهيك عن عرض مشاهد من مسرحية "البائع" الشهيرة "لآرثر ميللر" بلا دلالة واضحة سوى أنها محاولة واضحة لمغازلة لجنة الاوسكار الأمريكية، ثم ما المعنى حقا من تسمية الفيلم بالبائع بينما الأنسب ربما هو تسميته بالمدرس؟!

والسؤال الساخر هنا يدور عن مغزى نجاح الأفلام الايرانية بالحصول على الجوائز العالمية تباعا، فيما يتم تجاهل افلام اجنبية لافتة، فهل أصبحت السياسة هي التي تقود لجان التحكيم العالمية، وهل تعتبر هذه الجوائز تشجيعا للمخرجين المعارضين، ام تنويها وتحفيزا ودعوة
لكشف حقائق وخفايا المجتمع الايراني الذي بدا هنا غارقا في أزمة سكنية وفساد وباطنية سلوكية ومتاهة أخلاقية...ثم ما مصير الفن السينمائي الرفيع في هذه الدوامة؟!


مهند النابلسي

عضو رابطة الكتاب الأردنيين- عضو اتحاد الكتاب العرب

من نفس المؤلف