فلسفة القطيع

، بقلم جورج سلوم

من مذكرات ثورٍ عربيّ وُجد منتحراً في حفرة

لقد (أشرق الظلام) (وبزغتْ شمسُ الليل) وغرّدت الخفافيش في الغابة....ولمعتْ عيونُ القططِ البرّية في زوايا الحيّ المهجورْ...ولا مكانَ بعد اليوم للحِملان وصغار الظباء..

بقايا الجثث تفترشُ الأرض... وقد تتعثّر أثناء مشيتك بجيفةٍ ما...رائحة الدم هي المسيطرة... والغربان والنسور المتطفلة تحوم فوق ملحمة الأمس...

هاهي فؤوس الموت تهوي على أصول الشجر...وكل من عليها فانْ.

ومازلتُ أبحثُ عن الزّعيم في هذا القطيع المشرّد في البراري.. أفضّلُ التواري والاختباء بين الأبقار والثيران والجواميس وحمر الوحش... وسأرضى بالقليل من الكلأ بما يسدّ رمقي ويسكت بعضاً من جوعي... وسأقنع بما يتركه زملائي خلفهم من العشب الكريه المخلوط بروثهم ولعابهم ولن أظهر في طرف القطيع حتى لا أكون عرضة للذئاب أو هدفاً لبندقية الصياد....

انهمر المطرُ بعد طولِ انتظارْ ففاحتْ رائحة التربة... وتحوّلت الحفرُ المنسية إلى بركٍ آسنة..ثم جرتِ الجداول فجرفت ما تبقى من ضحايا الأمس إلى مزبلة التاريخ... شعاعُ الشمسِ يسير ببطءٍ في ديارنا.... وغدتْ سرعة الضّوء أقلّ بكثيرٍ من الرّقم المعهود في دروس الفيزياء.... وتغيّرت معادلاتُ الزمن.. واستنتج العلماءُ أنّ الليلَ في بلادنا سيبقى بضعَ سنواتٍ أخرى قبل أن ينبلجَ الفجرُ ... الأرضُ تموجُ وتضجّ من وقع حوافرِ القطيع... وقد يتطايرُ الغبار ُمن الأرض الموحلة.. ويختلطُ الخوارُ بالصّهيل والنهيق.. ويعلو فيغطّي العواء والنباح والزئير ...ولا داعي للبحث عن الفحيح والنقيق ...لندخل معاً في فلسفة القطيع..

ورثتُ عشقَ عشبِ الأرضِ الأخضرِ من أجدادي الثيران العظماء... ونما عنفواني وكبريائي بنموّ قروني... ورضعتُ خوفي من الذئب من ضرع أمي ...ومازال خوفي يترعرعُ ويقفُ أمام ناظريّ ليشكّل حاجزاً يمنعني من الابتعاد عن القطيع...لن أنسى كيف مزّق الذئاب جسدَ أمي بعد مطاردةٍ محسومةِ النتائج... ولن أنسى كيف تقاسموها قطعةً قطعة أمام نظرِ القطيع الذي تابع الاجترار بصمتٍ مُهين... لعنتُ أثناءَها أجسادهم المكتنزة ..وقرونَهم المفتولة ..وأصواتهم الخشنة..

قلتُ لأبي – الثور- وعمي - الثور- وابن عمه – الحمار- وابن عمه –البغل – ولا داعي للدّخول في شجرة العائلة الكريمة ..

قلتُ:

- لماذا أتيتمْ بنا إلى هذه الحياة ؟!.. لنأكلَ الحشيش ثم نكون طعاماً للذئاب؟... ألا تخجلون من أنفسكم ؟..وأنت أيها الثور العرمرم ألا تطمرُ رأسك وقرونك الكبيرة في تراب الخجل.. لمن تحمل هذه القرون المضحكة وكأننا في حفلة تنكرية؟ ألم يزرعها الله في رأسك لتدافعَ عن نفسك وتذودَ عن حمى قطيعك؟... لكن للأسف رأيتك البارحة بأمّ عيني تتباهى بهذين القرنين التافهين أمام بقرة حلوب.. ثم طاردتها مطاردة الأسود ثم اغتصبتها بالقوة وأنت تهمهمُ بأصوات مخيفة لتلدَ لك في نهاية الأمرعجلاً يشبهك.... لا يلبث أن يكون طعاماً للذئاب ... ألا تخجلون من تكرار هذه الجريمة؟؟

ولا جواب من القطيع سوى استمرارِ.. الاجترارْ .... متى سيكونُ دوري ؟ متى سيفترسني ذلك الذئب الذي يسايرنا أنّى ذهبنا؟

في كلّ يومٍ تتكرّر المأساةْ ..ويحاصرونَ واحداً منّا.. ثمّ يأكلونه.. بعد مطاردة حزينة.. فيسقطُ مثخناً بالجراح..وتحيطُ به الذئاب الجائعة... وتبدأ وليمة المساء...

هل أرضعتني أمي حليبها ..ولعقتني بلسانها ..وكبرتُ أمام عيونها ...وأكلتُ عشبَ الأرض الأخضر ..ليفترسَني بعدها ذلك الذئب؟؟؟؟؟

وما يزال القطيعُ صامتاً يجترّ لعابه الدّبق...ويهزّ رؤوسه الكبيرة ليطرد الذباب الذي أكل العيون....

لا بدّ من الثورةِ على الذئاب ...لابدّ من تغيير فلسفة القطيع.... وإذا فشلنا في ذلك فلن ننجبَ لكم بعد اليوم عجولاً وجحوشاً وحملاناً لتأكلوها أيها الذئاب...

هلمّوا لنقطعَ نسلنا المجترّ هذا ...ونجتثّ تلك الغريزة العشبية.. ونبدأ بالافتراس كغيرنا ...
لنبدأ بقطعِ قروننا المريضة التي لا تخيف إلا نساءنا وأبناء جلدتنا ...

هلمّوا لاستبدالِ حوافرنا بالمخالب....ة وأضراسنا التي لاتملّ الاجترار بأنياب حادةٍ.. حادةْ ...
وإذا فشلنا فلنلجأ لحبوبِ منع الحمل... وليربط كلّ ثور خصيتيه.... وليئد كلّ ثور مولوده –عجلاً كان أو بقرة- فلا بارك الله بنسلِ القطيعِ هذا .... وليسجّل التاريخ إنها كانت (ثورة ثور) ضدّ فلسفة القطيع العربي ّ.