ذكرى حرب أكتوبر ١٩٧٣

، بقلم عمرو صابح

كيف انتصرنا؟

يظل يوم السادس من أكتوبر عام 1973 أحد أعظم أيام التاريخ المصري المعاصر لما جسده من انتصار إرادة الإنسان المصري فى مواجهة أصعب التحديات وفى ظل ظروف بالغة القسوة فى لحظة مصيرية من تاريخ مصر.

لم تكن حرب 6 أكتوبر 1973 حدثاً عابراً أو استثنائياً خارج مسار التاريخ المصري فى العشرين سنة السابقة عليها بل كانت تتويجاً لمرحلة مجيدة من تاريخ مصر لذا فمن الضرورى تحليل أسباب نصر 6 أكتوبر 1973 العسكري والعوامل التى جعلت من هذا النصر العظيم ممكناً وذلك عبر قراءة لما تم طمسه عمداً عن أسباب انتصارنا وهو ما سأحاول طرحه عبر السطور التالية.
دخلت مصر حرب أكتوبر 1973 بقيادة "السادات"، وليس "عبد الناصر" الذى وافته المنية قبلها بثلاثة أعوام وثمانية أيام ولكن النظام الذى أقامه "جمال عبد الناصر" كان ما زال هو النظام الحاكم فهناك حزب واحد حاكم هو "الاتحاد الاشتراكي" والقطاع العام هو الذى يقود الاقتصاد، كان هناك قطاع خاص محدود جداً وبالطبع لم يكن هناك انفتاح .

كانت العلاقات المصرية الأمريكية سيئة وليست شديدة الوثوق كما جرى بعد الحرب ورغم تخلص السادات من مجموعة من أقرب المعاونين لعبد الناصر فى انقلاب مايو 1971 إلا أن مجموعة أخرى من المقربين لعبد الناصر كانت مازالت شديدة القرب منه وتؤثر فى سياساته على الأقل حتى بدء الحرب مثل "محمد حسنين هيكل – حسين الشافعى – محمد حافظ إسماعيل".

وهكذا سياسياً واقتصادياً كان النظام الناصري ما زال حاكماً حتى مع تغير رأس النظام. نصل الآن للعامل الرئيسي فى تحقيق النصر العسكرى بالمعركة وهو القوات المسلحة المصرية التى تعرضت لصدمة غير مستحقة فى حرب 5 يونيو 1967 ، ولكن منذ 11 يونيو 1967 حتى 6 أكتوبر 1973 استطاعت أن تتجاوز تلك الصدمة بسرعة قياسية لم يكن أحد يتخيل أن تتم بها.

فالجيش المهزوم والمنسحب من سيناء يتم غربلته من جديد وإنشاءه على أسس علمية احترافية لم تكن ممكنة لولا مئات الألوف من حملة المؤهلات العليا والمتوسطة التى أتاحت لهم مجانية التعليم التى نفذها النظام الناصري فرص التعليم الجيد ولولا مئات القادة العسكريون البارعون الذين تم إرسالهم فى بعثات علمية فى أفضل المعاهد العسكرية فى العالم خلال فترة حكم "عبد الناصر" وإصلاحات النظام الناصري الاقتصادية والاجتماعية هى التى حافظت على استقرار المجتمع المصري داخلياً مما أتاح للمصريين تحمل ظروف الحياة فى ظل الحرب وشعبية "عبد الناصر" الجارفة عربياً هى التى وفرت لمصر الدعم المالى العربي بعد حرب 1967 وعلاقات "عبد الناصر" الوثيقة بالاتحاد السوفيتى هى التى مكنت مصر من إعادة تسليح جيشها بعد النكسة ، وخوض حرب الاستنزاف المجيدة والتى كانت بمثابة بروفة حية لحرب أكتوبر 1973 والتى تم خلالها وضع خطط العبور والتدريب عليها وتوفير كل مستلزماتها والتى انتهت ببناء جيش النصر وحائط الصواريخ المنيع على حافة الضفة الغربية لقناة السويس والذى بدونه ما كان ممكناً أبداً أن يتم العبور لسيناء.

من الجدير بالملاحظة ان شركات القطاع العام بالتعاون مع القوات المسلحة المصرية هى التى اضطلعت ببناء هذا الحائط الضخم والذى كان وقتها أكبر حائط صواريخ فى العالم مضافاً لكل ذلك إصرار "عبد الناصر" على وجود جبهة شرقية قوية ممثلة فى "سوريا " للمشاركة مع مصر فى المعركة المقبلة. وقد تبين مدى أهمية تلك الجبهة عندما اندلعت المعركة بالفعل فى ظهيرة يوم 6 أكتوبر فبفضل التنسيق المصري السورى خلال المعركة

كانت خسائر مصر أثناء عملية العبور هى 5 طائرات، و20 دبابة، و280 شهيد وكان ذلك بمثابة إعجاز بشري يستحيل أن يتم لولا الجبهة السورية. فقد ركز العدو الصهيونى 80% من قواته الجوية على جبهة الجولان يومها و20% فقط على الجبهة المصرية لقرب الجبهة السورية من العمق الإسرائيلي بينما تفصل صحراء سيناء الشاسعة القوات المصرية العابرة عن الحدود مع إسرائيل.

يكفى أن نعلم أنه كان متوقعاً أن تفقد مصر فى عملية العبور فقط 26 ألف شهيد وهو ما تم تلافيه بفتح الجبهة السورية.

خلال حرب أكتوبر 1973 أغلقت البحرية المصرية مضيق باب المندب فى وجه الملاحة الإسرائيلية والغربية. لم يكن هذا ممكناً لولا حرب "عبد الناصر" الضروس ضد الاستعمار البريطانى فى شرق السويس والتى انتهت بطرد البريطانيين من الخليج العربي كله ولولا مساندته لثورة اليمن عام 1962.

وهكذا جسدت حرب 6 أكتوبر 1973 كل إيجابيات النظام الناصري فى شتى المجالات ولكنها تمت بدون وجود "عبد الناصر" مؤسس النظام ذاته والمدهش أن "السادات" استغل هذا النصر العسكرى العظيم فى تفكيك النظام الناصري سياسياً واقتصادياً واجتماعياً عقب الحرب مباشرة عبر الانفتاح والعلاقات الإستراتيجية مع الولايات المتحدة ، والسلام مع إسرائيل والقطيعة مع العرب ومعاداة السوفيت ومحاربتهم.

لذا يبدو مثيراً للضحك حتى البكاء إصرار البعض على أن النصر تم لأن "عبد الناصر" اختفى من الحياة ولأن "السادات" حل محله بالطبع هناك دور مهم للفرد فى التاريخ ولكن هناك قواعد حاكمة لسير التاريخ ، بالإمكان تفهم وجهة نظر أنصار هذا الرأى لو أن حرب أكتوبر 1973 تمت فى ظل تعدد الأحزاب و الانفتاح والعلاقات الاستراتيجية مع الأمريكان والعلاقات السيئة مع العرب وبدون اقتصاد موجه وبدون أسلحة سوفيتية. لكن مادام ذلك لم يحدث فوجهة نظرهم تظل قاصرة ومشوبة إما بعدم وعى ببنية الأنظمة السياسية أو بكراهية "عبد الناصر" أو بالاثنين معاً.

هنا يثور سؤال : لماذا هُزم النظام الناصري فى حرب 5 يونيو 1967؟!!

هناك أسباب عديدة لهزيمة النظام الناصري فى تلك الحرب منها دور الولايات المتحدة الأمريكية والغرب وبعض الدول العربية فى التخطيط للخلاص من نظام حكم "جمال عبد الناصر" ولكن على قمة أسباب الهزيمة العيوب البنيوية فى تكوين النظام الناصري والتى استشرت بعد الانفصال عن سورية فى 28 سبتمبر 1961 والتى جعلت من المشير "عبد الحكيم عامر" نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة نداً لرئيس الجمهورية وحاكماً بأمره فى القوات المسلحة مما أدى لانفصال القيادة السياسية عن القيادة العسكرية للدولة وأدى لأن تجئ الهزيمة بتلك الصورة المهينة وبالطبع يتحمل الرئيس عبد الناصر المسئولية الكاملة عن كل ذلك.

استطاع "عبد الناصر" بعد النكسة علاج بعض تلك الأسباب وأعاد بناء القوات المسلحة المصرية على أسس علمية عسكرية مما أدى لأدائها شديد البراعة خلال حربي الاستنزاف وأكتوبر 1973.

ولكن لأن النظام الناصرى كان قائماً على مجموعة توازنات فى قمة السلطة وكان "عبد الناصر" هو المتحكم فيها بمفرده جاء غيابه المفاجئ ليخل بتلك التوازنات مما سهل للمجموعة التى تتبنى الإنضواء تحت راية الغرب فى قمة السلطة أن تطيح بالمجموعة المتمسكة بخط الرئيس عبد الناصر خاصة ان ما اصطلح على تسميتهم بمجموعة مايو من رجال عبد الناصر أداروا الصراع على السلطة مع السادات بطريقة شديدة السذاجة وتقريباً سلموا له كل مقاليد السلطة بدون إدارة واعية لمعركتهم مما أدى فيما بعد لتفكيك الاتجاه الفكرى والسياسي والاقتصادى والاجتماعى للنظام الناصري بالكامل وان احتفظ السادات ومن بعده مبارك بكل سلطوية النظام. ولكن لم يكن ذلك التفكيك ليتم لولا الشرعية التى أكتسبها "السادات" عبر قيادته لحرب أكتوبر 1973.

وهكذا جاء أعظم تجسيد عملي وانتصار فعلى للنظام الناصري بمثابة النهاية الحقيقية لخيارات وأفكار ورؤى هذا النظام على شتى الأصعدة.

وللأسف بدلاً من أن يتحول النصر العسكرى الباهر للقوات المسلحة المصرية فى حرب 6 أكتوبر 1973 لقاعدة انطلاق جديدة نحو مستقبل أكثر قوة وإشراقاً لمصر مستقلة الإرادة حوله "السادات" لمبرر لانقلابه على كل الثوابت الوطنية المصرية وأكمل مبارك مسيرة السادات حتى وصلنا لثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013.

فى تلك الذكرى الخالدة المجد والخلود لأبطال وشهداء مصر والأمة العربية فى كل حروبنا ضد هجمة العدو الأمريكي الصهيونى على أمتنا