أزمة الجنس في الرواية الجزائرية النسائية

، بقلم الكبير الداديسي

أن الباحث في الرواية النسائية بالعالم العربي ليقف للوهلة الأولى على تأخر اقتحام المرأة للكتابة الروائية في معظم الدول العربي، إذ ظل الاعتقاد السائد هو كون المرأة العربية لم تلج عباب الكتابة الروائية إلا في النصف الثاني من القرن العشرين واعتبار رواية (أروى بنت الخطوب) للأديبة وداد سكاكيني المنشورة عام 1950 من بواكير الرواية النسائية العربية والتي ستكتب بعدها بسنتين روايتها الثانية «الحب المحرم» (1952) وإن كشفت الدراسات الحديثة عكس ذلك، لدرجة أن هناك من يعتبر المرأة أول من فجر نبع الرواية عربيا بنصوص مثل (حسن العواقب) لزينب فواز التي صدرت سنة 1898 وبعدها بست سنوات كانت رواية (قلب رجل) الصادرة سنة 1904 للكاتبة لبيبة هاشم قبل أن تصدر لها روايتان أخريتان هما "حسناء الجسد" سنة 1898 و"شيرين" سنة 1907. وهي أعمال سبقت رواية محمد حسن هيكل (زيب) التي لم تر النور إلا سنة 1914 والتي يحلو لكثيرين اعتبارها باكورة الرواية العربية..

وبإلقاء نظرة على الرواية العربية النسائية نلاحظ فعلا نزرَ الإنتاج وتأخر اقتحام المرأة ميدان كتابة الرواية: ففي المغرب تعد رواية ( الملكة خناثة قرينة المولى إسماعيل) لآمنة اللوه أول ظهور للرواية النسائية المكتوبة بالعربية في المغرب العربي سنة 1954 وانتظر المغاربة حوالي 14 سنة أخرى ليجود مخيال لنساء برواية ثانية هي (النار والاختيار) لخناتة بنونة سنة 1968 وتمر السبعينيات عجافا دون أي نص روائي نسائي ليكون ما جادت به أنامل النساء في المغرب إلا حدود ثمانينيات القرن العشرين نصين روائيين يتيمين، ويكون عدد ما كتبت النساء إلى حدود سنة 2010 هو 52 نصا روائيا منها 34 رواية في العشرية الأخيرة. وهو وضع يبدو أحسن من وضع عدد من الدول العربية الأخرى.. ففي الخليج العربي كانت المملكة العربية السعودية سباقة بأول رواية نسائية عرفتها المنطقة التي تعود لسنة 1958 وهي رواية (ودعت آمالي) لسميرة محمد خاشقجي وانتظر السعوديون إلى سنة 1972 ليروا ثاني نص روائي باسم امرأة (البراءة المفقودة) لهند باغفارا وإن كان الوضع اليوم مختلفا بالسعودية إذ وقفنا أثناء البحث على ما يقرب 120 رواية نسائية إلى حدود 2008 منها 41 رواية قي القرن العشرين وحوالي ضعف ذلك في عشر سنوات الأخيرة. بهذا العدد تتفوق السعودية على عدد من الدول العربية التي سبقتها لكتابة الروية. وتأخر ظهور الرواية النسائية بالكويت إلى صدور رواية (وجوه في الزحام) لفاطمة العلي سنة 1971 وظل العدد محدودا في خمس روايات إلى نهاية الثمانينيات هي: (عندما يفكر الرجال) لخولة القزويني، وروايتا (المرأة والقطة) و(وسيمة تخرج من البحر) ليلى العثمان / روايتا (مذكرات خادم) و ا(الإنسان الباهت) طيبة الإبراهيم))... وفي البحرين كانت أول رواية نسائية هي رواية (الحصار) لفوزية رشيد سنة 1983 فيما وكانت الرواية النسائية أكثر حداثة بدولة الإمارات العربية المتحدة إذ كانت رواية (شجن بنت القدر الحزين) لحصة الكعبي الصادرة سنة 1992 أول عمل نسائي ولا زال إلى اليوم عدد الروائيات معدود على رأس الأصابع في كل من الإمارات، عمان، البحرين و قطر التي كانت نشأة الرواية بها نسائية بامتياز إذ كانت سنة 1993 موعد ميلادها برواية (العبور إلى الحقيقة) ثم رواية (أحلام البحر القديمة) لشعاع خليفة وإن ذكر الكاتبة أنها كتبت الرواية الأولى سنة 1987. وفي سنة 1994 صدرت روايتها الثالثة (في انتظار الصافرة) كما تم إصدار أربع روايات لشقيقتها دلال خليفة هي: أسطورة الإنسان والبحيرة 1993/ وأشجار البراري البعيدة 1994 / من البحار القديم إليك 1995 / دنيانا مهرجان الأيام والليالي 2000 / ولم يتم تسجيل أول رواية ذكورية إلا مع مطلع الألفية الثالثة برواية (أحضان المنافي) لآحمد عبد المالك سنة 2005. وكذلك كان العراق وإن انفتحت نساؤه على الرواية في خمسينيات القرن العشرين برواية (من الجاني) لحربية محمد الصادرة سنة 1954 عن مطبعة الجامعة ببغداد، فلم يصدر بالعراق طيلة 20 سنة الأولى إلا حوالي خمس روايات نسائية هي (من الجاني) لحربية محمد سنة 1954، ورواية (نادية) لليلى عبد القادر سنة 1957، ثم رواية (جنة الحب) لمائدة الربيعي سنة 1968، ورواية (أشواك في الطريق) لسميرة الدراجي وأخيرا رواية (السابقون واللاحقون) لسميرة المانع سنة 1972.....

يبدو إذن أن ظاهرة تأخر كتابة النساء الروايةَ تكاد تكون عامة وموحدة في مختلف الأصقاع العربية ولو بنسب متفاوتة، لكن الجزائر كانت أكثر تأخرا من الناحية الزمنية بحكم تأخر استقلالها وإن لم تشكل حالة شاذة: فقد استقبلت أول رواية (غادة أم القرى) لرضا حوحو الصادرة سنة 1947، وتأجل ولوج المرأة عوالم الكتابة الروائية إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي حسب معظم الدراسات التي قاربت نشأة الرواية بالجزائر، فقد أقر أحمد دوغان في كتابه (الصوت النسائي في الأدب النسائي الجزائري المعاصر) تأخر ظهور الأدب النسائي الجزائري مقارنة مع الدول العربية واعتبر وأن (الرواية ظلت غائبة حتى سنة 1979 لتطل علينا (يوميات من مدرسة حرة) - وشكل النص الوحيد بهذا البلد إلى التسعينيات- وكان هناك مشروع رواية في أدب الراحلة زليخة السعودي لكن رحيلها حال دون ذلك)، وظلت المحاولات شحيحة حتى الألفية الثالثة ليكون ما أصدرته النساء إلى حدود سنة 2010 بالكاد 47 عملا روائيا منها أزيد من 40 رواية في العقد الأول من هذه الألفية وفي ما يلي ما استطعنا استقصاءه من روايات نسائية جزائرية حسب السنوات إلى حدود سنة 2010:

صدر نص واحد في أواخر السبعينيات هو (من يوميات مدرسة حرة) لزهور ونيسي سنة 1979.
لانص روائي نسائي في الثمانينيات

6 نصوص في التسعينيات هي (لونجة والغول) لزهور ونيسي سنة 1993/ ذاكرة الجسد سنة 1993، وفوضى الحواس سنة 1996 لأحلام مستغانمي / رجل وثلاث نساء لفاطمة العقون سنة 1997 / وفي آخر سنة من القرن العشرين كانت رواية (مزاج مراهقة) لفضيلة الفاروق ورواية (عزيزة) لفاطمة العقون.

لكن ما أن هلَّ القرن الواحد والعشرون حتى تدفق الإنتاج النسائي الروائي هادرا في العالم العربي وهو تدفق لم تسلم منه الجزائر. فإذا كانت الجزائر لم تشهد إلى سبع روايات نسائية خلال في تاريخها الروائي إلى سنة 1999، فقد تضاعف هذا العدد عدة مرات في وقت وجيز فتم إصدار أربعين رواية نسائية في السنوات العشرة الأولى من القرن واحد والعشرين.. ونظرا لأهمية الإنتاج في هذه السنوات العشرة كما ونوعا سنركز في هذا المبحث على هذه الفترة، ونبدأ بجرد تلك النصوص لنضعها أمام القارئ حسب سنوات إصدارها لتكون أرضية وقاعدة بيانات لكل من يهمه دراسة الرواية النسائية في هذا البلد:

في سنة 2000 صدرت ثلاث روايات هي: أوشام بربرية لجميلة زنيبر، (بين فكي وطن) لزهرة ديك، (بيت من جماجم) لشهرزاد زاغز.

في سنة 2001 تم إصدار أربع روايات هي: (بحر الصمت) لياسمينة صالح، (الحريات والقيد) لسعيدة بيدة بوشلال، (تداعيات امرأة قلبها غيمة) لجميلة زنيبر، (الشمس في علبة) لسميرة هوارة.

خلال سنة 2002 صدرت ثلاث أعمال روائية هي: (في الجبة لا أحد) لزهرة ديك، (أحزان امرأة من برج الميزان) لياسمينة صالح، (تاء الخجل) لفضيلة الفاروق،

وفي سنة 2003 خرج إلى الوجود 3 إصدارات هي (النغم الشارد) ربيعة مراح، (عابر سرير) أحلام مستغانمي، (قدم الحكمة) رشيدة خوازم،

ولم تشهد سنة 2004 إلا ميلاد روايتين هما (السمك لا يبال) لإنعام بيوض و (زنادقة) لسارة حيدر.

وهو نفس العدد الذي صدر سنة 2005 وكانت الروايتان لكاتبة واحدة يتعلق الأمر ب(ذاكرة الدم الأبيض ج1 الدموع رفيقتي) لخديجة نمري و (ذاكرة الدم الأبيض ج2 سطور لا تمحى) لنفس الكاتبة.

ليرتفع العدد إلى أربع روايات 2006 هي (ذاكرة الدم الأبيض ج3 الذكريات) لخديجة نمري، (لعاب المحبرة) لسارة حيدر، (وطن من زجاج) لياسمينة صالح وأخيرا (اكتشاف الشهوة) فضيلة الفاروق،

وتحطم سنة 2007 الأرقام بسبع روايات هي: (جسر للبوح وآخر للحنين) لزهور ونيسي، (شهقة الفرس) لسارة حيدر، (اعترافات امرأة) لعائشة بنور (بنت المعمورة) (فراش من قتاد) لعتيقة سماتي، (إلى أن نلتقي) لإيميليا فريحة، (أجراس الشتاء ج1) عائشة نمري، (أجراس الشتاء ج2) لنفس المؤلفة

وشهدت سنة 2008 ثلاث روايات هي (مفترق الطرق) لعبير شهرزاد، (نقش على جدائل امرأة) لكريمة معمري و رواية (بعد أن صمت الرصاص) لسميرة قبلي

ويترجع العدد إلى روايتين في سنة 2009 هما: (الهجالة) لفتيحة أحمد بوروينة ورواية (قليل من العيب يكفي) لزهرة ديك

وأخيرا كانت أربع روايات سنة 2010 هي (أعشاب القلب ليس سوداء) لنعيمة معمري، (لخضر) لياسمينة صالح، (لن نبيع العمر) لزهرة مبارك و (أخيرا أقاليم الخوف) لفضيلة الفاروق
هذا كل ما أنجزته نساء الجزائر وهو عدد لا بأس مقارنة مع الكثير من الدول العربية الأخرى، ويكاد يكون العدد متشابه مع ما كتبته النساء في المملكة المغربية (53 نصا روائيا إلى حدود 2010) مع الإشارة إلى أننا تمكنا من قراءة عدد من الروايات الجزائرية النسائية الصادرة في العقد الثاني من القرن الذي نعيشه لكننا لم نتمكن من متابعة كل جديد لأن الموضوع لا زال في تفاعل، وظروف التوزيع في العالم العربي ليست على أحسن ما يرام في هذه الأيام، لذلك نكتفي تسليط الضوء على الفترة المحددة في العقد الأول...

وعند تصفح هذه الأعمال يدرك القارئ للوهلة الأولى أن أغلبها ظل شديد الارتباط بالقضايا الوطنية الكبرى التي عرفتها الجزائر فكانت تيمات الوطن/ الاستعمار/ الثورة/ الإرهاب... بارزة في أعمال مثل (وطن من زجاج) لياسمين صالح، و (بين فكي وطن) لزهرة ديك و في كل من رواية (في الجبة لا احد) ورواية (الشمس في علبة) لسميرة هوارة، و رواية (بعد أن صمت الرصاص) لسميرة قبلي، و (بيت من الجماجم) لشهرزاد زاغز، وفضيلة الفاروق في روايتها (تاء الخجل).... لكن يبقى الجنس والجسد الأنثوي في علاقته بالرجل الخيط الرابط بين معظم تلك الأعمال، فلا نكاد نصادف رواية جزائرية نسائية إلا وللجنس والحديث عن الجسد الأنثوي فيها نصيب..

قبل الغوص في موضوع حديثنا لا بد من الإشارة إلى أن هذا التطور في الكتابة النسائية في السنوات الأخيرة له ما يفسره من أسباب على أرض الواقع ؛ فتأخر الكتابة لدى المرأة الجزائرية كما لدى النساء في مختلف البلدان العربية مرتبط بالاستعمار، وبوضعية المرأة في تلك المجتمعات وتفشي الأمية في صفوف النساء، لكن ما أن بدأ وضع المرأة يتحسن اجتماعيا وثقافيا حتى زاحمت الرجل وتفوقت عليه في ميادين متعددة منها كتابة الرواية، ففرضت نفسها وانتزعت حقوقها وتمتعت ولو نسبيا ببعض الحرية وتمكنت من مواصلة تعليمها والتعبير عن أفكارها بكثير من الجرأة، بعدما خرجت من البيت كفضاء مغلق إلى الفضاءات المؤسسات العامة.. واستطاعت المرأة إظهار قدرة على الإبداع وإزاحة الرجل من على عرش الكتابة، وأكثر من ذلك سمح تطور وعي المجتمع بالإقبال على ما تخطه أنامل النساء والتفاعل معه، كما أصبحت دور النشر تتسابق على نشر كتابات النساء، وساهمت المؤسسات الرسمية والخاصة في خلق مسابقات وملتقيات تكرم الإبداع النسائي وطنيا جهويا وقوميا وتعرف به فكان من الطبيعي أن تخلق النساء تراكما في هذه السنوات...

هي إذن 27 امرأة من استطاعت أن تخلد اسمها في تاريخ الرواية الجزائرية إلى سنة 2010 ثلاثة منهن فقط من استطعن كتابة أربع روايات هن: أحلام مستغانمي، فضيلة الفاروق و ياسمين صالح.. وبما أن روايتي امستغانمي (ذاكرة الجسد، وفوضى الحواس) كانتا في القرن العشرين، والكاتبة نالت حظوة النقاد العرب في المشرق والمعرب، سنركز أكثر على تجربة فضيلة الفاروق لأنها أكثر تأليفا ولأن أزمة الجنس (موضوع بحثنا) أكثر وضوحا في رواياتها، ولأن فضيلة أكثر إلحاحا على الكلام باسم المرأة، بل جعلت في رواياتها الأربع (مزاج مراهقة 1999/ وتاء الخجل 2002/ اكتشاف الشهوة 2006/ وأقاليم الخوف 2010) جعلت من قضايا المرأة بؤرة كلامها، دون أن تخفي تذمرها من واقع المرأة المزري، وأن تتطلع إلى تحرير المرأة و انعتاقها من أغلال الماضي بالتركيز على معالجة مختلف قضايا المرأة بجرأة قل نظيرها، وخاصة ما يتعلق بالحب، العذرية، الطلاق، الزواج، إنجاب البنات، التعليم، الحجاب، العلاقة الزوجية، الشذوذ، التعدد، تهميش المرأة ومعاناتها من العقلية الذكورية و توق جسد المرأة إلى اللذة والجنس، دون أن يمنعنا ذلك من الالتفات إلى غيرها من الروائيات عند الضرورة....
إن ولع النساء بالكتابة عن الجنس والجسد جعل من أزمة الجنس أهم قضية في متن ما تحكيه النساء وجعلن منها أهم قضية عربية في الرواية النسائية بدون منازع، فتجرأن على موضوعات ظل الاقتراب منها محرما محطِّمات أغلال كل رقابة أو مرجعية كانت تخرس الأفواه، مستفيدات من هامش الحرية التي أصبحت تتمتع به المرأة العربية، وجاعلات من الجسد مجالا للكتابة، يصفن تفاصيل كل منحنياته وأخاديده وفجاجه، ومعلنات عن رغبتهن في إشباع غرائز هذا الجسد في واقع يعد الحديث عن الحب خطيئة خاصة من المرأة التي فرضت عليها سلطة التقاليد الظهور بمسوح الحشمة والعفة...

إذا كانت رواية (مزاج مراهقة) قد صدرت سنة 1999 فإن أول رواية لفضيلة الفاروق في الألفية الثالثة هي (تاء الخجل) وفيها تتعرض فضيلة إلى اختطاف الفتيات واغتصابهن في العشرية السوداء بالجزائر، مؤكدة على أن الاغتصاب أصبح "إستراتيجية حربية" لذلك كانت الرواية (من أجل 5000 مغتصبة في الجزائر) وضد تواطؤ مختلف مكونات المجتمع على احتقار المرأة و استغلالها فالنساء تغتصب على مرأى ومسمع ولا أحد يسمع صراخ المرأة ويغيثها وفي هذه الجملة السردية ما يلخص القضية: (أمير جماعة يستعين باثنين من رجاله يغتصب رزيقة أماهما وهي تصرخ دون أن يغيثها أحد) و حتى رجال الشرط الذين يفترض فيهم حماية النساء، ومساعدتهن على استرجاع حقوقهن يتواطؤون ويرجحون أن تكون المغتصبات قد ذهبن إلأى مغتصبيهن بإرادتهن... والطبيب لا يرفض تقديم المساعدة لفتاة على الإجهاض دون إذن من الشرطة، والأب يرى البنت وصمة عار، يتنكر لابنته (يمينة) رغم اختطافها أمام عينيه، مما ولد ليدها الإحباط ورفض الحياة فكانت نتيجتها الموت... وأب أخر يضع حدا لحياة طفلته في واحدة من أكثر الحكايات تأثيرا في الرواية: حكاية الفتاة ذات ثماني سنوات (ريما نجار) التي اغتصبها أربعيني صاحب دكان لما دخلته الفتاة لشراء حلوى، وبدل أن تجد المساندة من والدها والقصاص لها من الجاني، اعتبرها الأب وصمة عار وجب التخلص منه، فقتلها بيده ورماها من أعلى جسر (سيدي امسيد) لمداراة الفضيحة.. وأعمام (خالدة) يتدخلون لمنعها من مواصلة الدراسة مفضلين ضرورة تزويجها من أي كان من العائلة صون لشرف العائلة وخوفا من أن يدنس هذا الشرف إن هي أكملت دراستها... هذه أصوات ومظاهر في الرواية تشكل صرخة مدوية في مجتمع صم أذنيه عن ألام ومعاناة النساء، مما جعل المغتصبة تقف على حدود الإلحاد أما هذا الصمت الرهيب.. فلنستمع ليمينة إحدى بطلات الرواية تحكي عن تجربتها تقول (انظري ربطوني بسلك وفعلوا بي ما فعلوا، لا أحد في قلبه رحمه، حتى الله تخلى عني،مع أني توسلته، أين أنت يا رب،أين أنت يارب) ولم يقتصر التنكيل بالنساء على الاغتصاب فقط بل تضيف (إنهم يأتون كل مساء ويرغموننا... يمارسون العيب وحين نلد يقتلون المواليد)

وكذلك جعلت ياسمينة صالح من قضية المرأة تيمة أساسية في رواياتها (بحر الصمت 2001/ أحزان امرأة من الميزان 2002/ وطن من زجاج 2006/ لخضر 2010) وتبقى رواية (أحزان امرأة من برج الميزان) قد تناولت موضوع أزمة الجنس بوضوح من خلال التركيز على حياة الدعارة حيث يصبح (الجسد ثروة يجب استغلالها) من خلال نماذج بشرية تصارع من أجل البقاء، أهمها صديقة الساردة في الجامعة وأمها، كتجارب في المدينة وتجربة ثالثة في البادية.. فالصديقة إذ تحكي عن أمها التي كانت تمتهن الدعارة في مجتمع يتشدق بالشرف علنا ويمارس الرذيلة خفية (كان الناس ينظرون إلينا نظرة تثير التقزز، حتى أولئك الذين يتسللون إلى بيتنا ليلا لنفس المتعة يحتقروننا في الصباح، كانوا يحتقروننا باسم الشرف). تحكي كيف وجدت نفسها منغمسة في الدعارة بعد وفاة أمها، دون أن يمنعها ذلك من الحصول على الباكالوريا وولوج الجامعة وترتقي في سلم الدعارة إلى الفنادق الراقية، وسيارات الرفاه، ومعاقرة رجال الأعمال... أما النموذج الثالث فقصة أرمة رفضت الزواج لتربي أبناءها الصغار فكثرت حولها الشائعات في مجتمع (الفضيلة فيه لا تحمي من الجوع) فلم يكن أمامها سوى الإذعان (الكل اشتهاها في الحرام فكانت الخطيئة، خطيئة أن تصبح امرأة جميلة عاهرة كي تنقد أبناءها من الجوع)

ومن مظاهر أزمة الجنس في الرواية النسائية الجزائرية ما ورد في رواية (لن نبيع العمر) لزهرة مبارك التي فتحت كوة على شذوذ الرجل إذ تفتتح الرواية بمشهد جنسي يقف فيه البطل على أبيه يضاجع أمه وينتهي بوفاة الأم لأنها لم تشبع غريزة الأب (لم تمكنه من لذته فأنهار وضربها حتى أرداها ميتة..ثم دخل السجن وهناك أخبروني انه حول مساره الجنسي وأصبح رجلا لوطيا..لقد عجنتني أخباره.... مكث أبي بالسجن 12 سنة ومات إثر مرض عضال لم أعرفه لحد الآن ولا أريد أن أعرفه!))، وفي السجن يجد مرتعا ليشبع شذوذه... يكبر الابن ويصبح طبيبا ورئيس قسم جراحة العظام وقد تربى هو الآخر على الشذوذ واللواط يقول (قد استطعت في مدة وجيزة بعد تسلمي لمنصب رئيس قسم جراحة العظام بذلك المستشفى, أن أحول مكتبي من مركز للدواء إلى مكان يلهو فيه الجوع التطوري للجنس اللاطبيعي, واحترفت خرق جسد مرضاي..لم أكن أداوي النساء, وكنت أحول ملفاتهم إلى ذلك الطبيب الصيني المغرم بحياء وتواضع نسائنا, الذي كان يعطيه رمزا للأنثى الملائكية التي يحبها..)

هكذا يكون الجنس حاضرا بقوة في روايات النساء الجزائريات مثل باقي الروايات النسائية العربية بل تعتبره سارة حيدر في روايتها الأخيرة (شهقة الفرس) (إنه الظمأ الأبدي يا عزيزتي، الجنس بالنسبة لك هو الطريق الوحيد للخلود، في كل مرة تمارسين فيها هذه الأشياء يخيل إليك أنك ابتلعت كمية إضافية من رحيق الحياة تعتقدين أن كل رجل يأخذك بين ذراعيه سوف يمنعك من الموت) لذلك يكون الحرمان سببا في اشتعال شهوة البطلة أكثر خاصة إذا كان زوجها غائبا أو نائما، وعندما تركبها الرغبة الجامحة تتحلل (جميع الشرائع لتحل مكانها ديانة الشهوة ملكة متربعة على الأجساد) وتحول تلك الشهوة بينها وبين أن تفكر في العواقب إذا ما افتضح أمرها وهي تتسلل لغرفة أخ زوجها تقول (فتحت الباب أخيرا حين صار جسدي كله متفتحا لاستقبال أمطار اللذة المحرمة، لكن إدوار كان نائما)....

هذه مجرد نماذج مقتضبة من تصور الرواية الجزائرية النسائية لتيمة الجنس وهي نماذج تبين بالملموس مدى جرأة المرأة العربية على ملامس المسكوت عنه، والبوح بالرغبة في إشباع غرائزها وإعلان تذمرها من سلطة الرجل وعدوانيته على أن فضيلة الفاروق يبقى صاحبة الاختصاص بدون منازع خاصة في روايتها (اكتشاف الشهوة) الصادرة سنة 2006
قد يفاجأ القارئ العربي لما تكتبه بنون النسوة روائيا و تركيزها على أزمة الجنس، وتصوير أزمة العلاقة بين المرأة والرجل، فوجدنا الكثير من الروايات تهاجم الرجال؛ فيقدمه بعضهن فاشلا جنسيا، وعاجزا عن إشباع غرائز النساء، وتصوره أخريات أنانيا كل ما يهمه إطفاء ناره دون أدنى تفكير في شريكته، وتصوره أخريات ساعيا نحو الشذوذ وحكم أغلبهن على علاقة معظم الأزواج في الرواية النسائية بالفشل أو الانفصال، مما دفع الزوجة للبحث عن حل آخر بعيدا عن الزوج المتسلط. وقد يكون قتل البطلة حلا عند بعض الروائيات لتخليصها من أزمتها وحتى لا يظل كلامنا نظريا نغوص بالقارئ في تجربتين مختلفتين: رواية اكتشاف الشهوة لواحدة من جيل الرواد فضيلة الفاروق(من مواليد 1967)، ورواية العمامة والطربوش لعزيزة صبيرنة ككاتبة من الجيل الجديد (من مواليد 1987)...

1- أزمة الجنس بين الأزواج في رواية اكتشاف الشهوة

تبتدئ رواية (اكتشاف الشهوة) بزفاف البطلة إلى زوجها وهي تشعر منذ البداية وقبل التعرف إلى إليه، أن هذا الزواج غير متكافئ (لم يكن الرجل الذي أريد.. ولم أكن حتما المرأة التي يريد) لتسافر معه إلى باريس وتعيش اغترابا وأزمة نفسية واجتماعية، وما أن وطأة رجلاها بيت الزوجية في باريس حتى صدمها وجود آثار الزوجة السابقة في كل ركن بالبيت، وقسوة زوج اضطر إلى اغتصابها بوحشية بعد أسبوع من غياب التواصل بينهما: (في اليوم السابع جن جنونه، حاصرني في المطبخ، ومزق ثيابي، ثم طرحني أرضا واخترقني بعضوه.. ورمى بدم عذريتي مع ورق الكلينكس في الزبالة) فكان أول سلوك من الزوج تعبيرا صارخا على وجود أزمة حقيقية في علاقة المرأة بالرجل، ومن مؤشرات تلك الأزمة غياب التواصل والحوار بينهما، وتحميل الرجل مسؤولية الأزمة لأنه حسب الساردة لا يتجاوب معها تقول: (رجل لا يجيب على كل الأسئلة، كثيرا ما يعلق أسئلتي على شماعة من الصمت، يأكل، يدخل الحمام أو ينام حين لا يعرف أن يجيب، كان صعبا علي أن أتفاهم معه..) ولا يراعي مشاعرها وحاجياتها الجنسية بل لا يشبع غريزتها الجنسية (حين يمارس الجنس معي يفعل ذلك بعكس رغبتي.. يفعل ذلك كما في كل مرة بسرعة دون أن يعطيني مجالا لأعبر عن وجودي كان يقوم بالعملية وكأنها عملية عسكرية مستعجلة يسلمني بعدها للأرق..) إنها أزمة ساهمت في اتساع الهوة بينهما، وجعلت الرجل يتجاهلها ويحتقرها بل غدا (يعود ثملا في الغالب، والحمرة النسائية تلطخ قميصه والمني يلوث ثيابه الداخلية... بسهولة يجلس أمام إحدى القنوات البورنوغرافية ويمارس العادة السرية دون أن يعيرني اهتماما) لتقتنع بتأزيم علاقتهما، وتزداد قناعة أن (الفشل في الزواج يبدأ من هنا، حين نرى الأشياء بمنظورين ليس فقط مختلفين بل متناقضين ) ويكون الفراغ الذي أصبحت تعيشه سببا في استرجاع حياتها بمدينة قسنطينة ونظرة المجتمع الجزائري للمرأة الذي (ينهي حياة المرأة في الثلاثين) ولذلك تمنت لو لم تكن أنثى وتمنت كثيرا لو كانت ذكرا، تقول (كانت رغبتي الأولى أن أصبح ذكرا)، بل حاولت في صغرها أخفاء أنوثتها، والظهور بمظهر الذكور، لكن سن البلوغ والطمث يورط الفتاة في الأنوثة، ويجعل البنت واحدة من نساء الشقوق إذ تحتجب في البيت ويصبح شق الباب نافذتها على الخارج، وتشتد عليها رقابة الأب والأخ، وحتى وهي في باريس وعهدة رجل آخر تقول (لا يزالان (الأب والأخ) قابعين في داخلي ولم يختفيا أبدا من الخوف الذي شيداه في قلبي) وعند أدراكها أنها بعيدة عنهما تحاول التمرد والتمتع ب " الحرية" التي حرمت منها في بلدها، بعدما تعرفت على جارتها ماري اللبنانية التي أعجبت بأسلوب حياتها تقول (كانت النموذج الذي حلمت أن أكونه) وتكون ماري سببا في تعرفها شاب لبناني مثقف زير نساء تعلقت به، لكنه خيب أملها بعد اكتشافها أنه مثل كافة المثقفين العرب الذين ( لا ينظرون إلى المرأة سوى أنها ثقب متعة و لذلك يناضلون من أجل الحرية الجنسية أكثر مما يناضلون من أجل إخراج المرأة من واقعها المزري.) لتعيش تجربة أخرى مع شاب من بلدتها يحمل نفس اسمها العائلي (توفيق بسطانجي، وأمام استحالة استمرار علاقتها بزوجها، حصل الطلاق، لتعود إلى قسنطينة وتضعنا الرواية أمام واقع المرأة المطلقة في العالم العربي التي لا يرى فيها سوى (امرأة تخلصت من جدار عذريتها الذي كان يمنعها من ممارسة الخطيئة، امرأة بدون ذلك الجدار امرأة مستباحة، أو امرأة عاهرة مع بعض التحفظ ) وهو ما جعل عائلتها تجمع على ضرورة رجوعها إلى زوجها (مود) فوجدنا أخاها إلياس يقول لها: (ستعودين إليه في أقرب فرصة و ستركعين أمامه مثل الكلبة، وستعيشين معه حتى موتي) وحتى الأخت الصغرى المقتنعة بدونية المرأة والمعترفة بالذنب في الأمور العادية كالحمل مثلا، والتي ترى في الحمل سببا للخجل من أبيها وأخيها تؤنب البطلة على طلاقها وتتوعدها بمستقبل قاتم لا يرحم (غدا سترين الرجال كيف سيتحرشون بك، و كيف ستحاك حولك الحكايات، وكيف ستصبحين عاهرة في نظر الجميع دون أن يرحمك أحد)

وفي الوقت الذي كان القارئ يتابع خيوط حكاية البطلة وصراعها مع تقاليد المجتمع الجزائري يفاجأ أن كل تفاصيل الحكاية والسفر إلى باريس والعودة إلى قسنطينة وكل الشخصيات والأحداث... لم تكن إلا رحلة خيالية، وتجل من هذيان البطلة، وهي تهدي في المستشفى الجامعي للمدينة بعد دخولها في غيبوبة طويلة استمرت من سنة 2000 عندما تهدم بيت أسرتها على رأسها في ليلة مطيرة بعد ترملها ووفاة زوجها إلى يوم 10 يونيو 2003 اليوم الذي فاقت فيه من غيبوبتها لا تعرف شيئا عن أسرتها وأقاربها حتى زوجها مهدي عجاني لا تذكر عن علاقتهما شيئا، في الوقت الذي تروي حقائق عن شخصيات موجودة في واقع لم يسبق ها أن رأت منه أحدا، كل ذلك من (مخيلة ماكرة نسجت لها قصة من أرشيف ما قرأت، قصة لا تخلو من العنف والرومانسية و الخيانة على طراز الأدب الغربي) لتنتهي الرواية على إيقاع هذيان الساردة وتداخل الواقع والوهم. مفضلة الهروب بالجرأة إلى الهذيان، وجعل البطلة شخصية فصامية لا يعتد بمواقفها، ولا يمكن محاسبتها على ما يصدر عنها..

يبدو من خلال قراءة رواية (اكتشاف الشهوة) إذن أنها مثل عدد من الروايات العربية المعاصرة بنون النسوة التي تهاجم العقلية الذكورية بجرأة زائدة من خلال الإغراق في المشاهد الجنسية التي تذل المرأة في وصف لعمق أزمة الجنس في مخيال المرأة العربية، وتقدم الرجل في صورة المتسلط القاهر، الغاصب للمرأة... هكذا تعلن فضيلة الفاروق منذ السطور الأولى لروايتها أن زوجها لم يكن الرجل الذي تريد ولا الزوج الذي طالما حلمت به، لتلبسه صورة الزوج المتسلط الذي يضاجع زوجته، في أول جماع بينهما، عصبا عنها من الدبر تقول واصفة أثر ذلك عليها: (أصبت بعطب في مؤخرتي لهذا السبب، وأصبح عذابي الأكبر دخولي إلى الحمام لقضاء حاجتي، في كل مرة كانت مؤخرتي تتمزق وتنزف)، وبدل الحب الذي يمكن أن يجمع الرجل بزوجته، كانت باني تتقزز من مود، وتنفر من كل ما يدعوها إليه بل تشعر بالتقزز والغثيان كلما دعاها لعلاقة جنسية (سأحكي لها عن تقززي منه.. وعن شعوري بالغثيان كلما رأيت قضيبه..) ولكسب عطف القارئ بينت أن هذا الزوج لم يقتصر على فرض نفسه على زوجته، بل أنه يهمشها عندما تريده وتشتهيه، بل يستمني أمامها ليغيظها وهو يتابع الأفلام البورنوغرافية تقول (بسهولة يجلس أمام إحدى القنوات البورنوغرافية ويمارس العادة السرية دون أن يعيرني اهتماما)..ويتجاوز ذلك إلى ضربها وتعنيفها تقول: (الشيئ الذي لم أتوقعه، حين فتحت الباب.. فاستقبلني بصفعة أوقعتني أرضا، ثم تمادى في ضربي، كانت تلك أول مرة يكون عنيفا معي إلى تلك الدرجة..) عنف وحشي تقول عن نتائجه (لم أستطع فتح عيني، ولا تحريك يدي، ولا قدمي كنت بالمختصر المفيد ميتة).. هذه الصورة تكاد الرواية تعممها على مختلف الرجال من عائلة البطلة فكذلك كان أخوها قاسيا معها ومع زوجته...

ومن تجليات أزمة الجنس بين الأزواج في العالم العربي، ألا يراعي الزوج رغبة زوجته الجنسية، ولا يداعبها ويستلطفها، تقول لساردة (يخترقني قبل أن يوقظ شهوتي، يفعل ذلك بسرعة وأنا بعد شايحة يؤلمني دون أن أشعر بأي متعة ثم ينتهي ويتركني جثة تحتضر)... وكذلك وكان أبوها يحتقر المرأة ولا يرى في أمها إلا زوجة جاهلة لا تفهم شيئا، تقول الساردة (ففي كل كلامها هي تخطئ وهو يصحح حتى يبلغ ذروة غروره فيخرج ويتركها لأنها أرهقته بقلة فهمها لم تذهب والدتي للمدرسة قط.. بدوننا لا تساوي شيئا.. وحين ترى الأشياء بعينها تراها بالمقلوب)

هكذا تكرس الرواية أن المجتمع برمته ليست المرأة بالنسبة له عورة وملابسها عورة، فإذا كان مسموحا بنشر الغسيل مهما كانت مكوناته فليس مسموحا نشر ملابس المرأة الداخلية ف (كل شيء ينشر على الشرفات والنوافذ، وصعب بين كل ما ينشر أن ترى حمالة صدر أو كيلوطا نسائيا، إذ من العيب أن تفضح المرأة نفسها بنشر علامة أنوثتها)
إن وعي المرأة بمثل هذه السلوكات جعل المرأة تعاني، فيحز في نفس السارد /البطلة ألا يرى الرجل في المرأة إلا وسيلة لإشباع غرائزه الجنسية، وتعتبر هذا الوعي الذكوري أزمة مضاعفة في مجتمع تتعد مآىسيه، فأن (تفكر المرأة في رجل لا تعني له أكثر من ثقب شهوة فهذا يعني أن المأساة مضاعفة) رواية اكتشاف الشهوة تحمل الرجل مسؤولية هذا الوضع، وتصف الرجال بالازدواجية في الجنس مستشهدة بأبيها الذي يمارس الجنس مع الأم ويتلذذ بها ليلا ويتظاهر أمام الأبناء نهارا بأنه يكرهها فتتساءل (كيف تطيق (الأم) الشرطي وهو يضاجعها بقسوة، كيف يفعل ذلك ليلا وكيف يتحول بالنهار إلى رجل بلا قلب، بلا عواطف بلا شهوة بلا غرائز وكيف ينبت ذلك الحاجز الخفي بينه وبين والدتي فيناديها:يامخلوقة، يا امرا... كيف يتعايش مع ازدواجيته تلك، وكيف يوهمنا أن الجنس عيب ومشتقاته عيب) مقابل هذه الصرامة في وصف الرجال بالازدواجية، تترد الساردة في إضفاء الصورة ذاتها على المرأة فتقول (يصعب أن تفهم الأنثى هنا أهي فعلا كائن محتشم، أم كائن ازدواجي تماما كالذكور)
أمام قسوة الرجل - وخاصة الرجل الذي لا يرى في المرأة كما قالت شاهي للساردة (لستُ بالنسبة له أكثر من وعاء) - كانت الساردة من حين لآخر تعبر عن موقفها،وتدعو للتمرة على الرجال واعتبارهم لا يستحقون الرعاية من النساء، فالرجال في نظرها (لا يستحقون منا السهر والتفكير في التضحيات، والبكاء)، بل تطمح لأن تكون (حياتنا ليست مرتبطة برجل)
أمام هذه القسوة على الزوج والأب، تقدم الرواية البطلة سريعة التعلق بالرجال وهي المتزوجة، فتدخل في علاقات غرامية مع أيس الشاب اللبناني، وترى في تعرفها على توفيق سعادة لا تتسع لها باريس رغم شساعتها: (باريس كانت شاسعة لكنها في ذلك اليوم لم تتسع لمشاعري كان توفيق أكبر منها، أكبر من شهوتي لأيس، وأبهى من شوارع قسنطينة...)، كما ترى قبلة الخيانة صلاة وشرفا (قبلة أيس كالصلاة فيها سجدة وخشوع وابتهال لا ينتهي.... قبلة شرف بمذاق التبغ والقهوة)

هكذا تسير الرواية على خطى روايات أخرى في التمرد على مؤسسة الزواج فتعتبر الزواج غير المبني على حب دعارة وعهرا تقول في مفتتح الرواية قبل أن تتعرف إلى زوجها، وقبل أن يصدر منه أي سلوك مشين (شيء ما في داخلي كان يرفض ذكورته... فقد تخيلتني عاهرة تتعرى أمام أول زبون تحمله لها الطريق). وأن الحب والتجاوب بين الشريكين ضروري في أية علاقة، وإلا تحولت قبلة الزوج إلى موت (قبلة مود قبلة الشفاه المغلقة التي تشبه تابوتا فيه جثمان) بخلاف قبلة أيس الشبيه بالصلاة والخشوع، قد تكون الرواية تصور حالة عدد من النساء المضطهدات في بيت الزوجية، لكن ذلك لا يسمح بتعميم الظاهرة، واعتبار كل الرجال طغاة، وأن الزواج تجن على المرأة ونسب نجاحه ناذرة كفوز ورق يناصيب فلنستمع إلى الساردة (ما أقسى أن نسلم أجسادنا باسم وثيقة لمن يقيم ورشة عليها أو بحثا عن المتعة وكأننا نقطع ورقة يناصيب من النادر أن تصيب)

قد يقول قائل أن هذا موقف امرأة اكتوت بجبروت زوج متعنت أناني جعل الحياة الزوجية أمامها جحيما، لكن ما قد لا يتفق معه بعض القراء هو دفاعها المستميت عن علاقاتها الجنسية وخياناتها واعتبارها حبا، في الوقت الذي تعتبر علاقة زوجها بعشيقته عهر وتجعله بفعله ذاك عاهرا وخائنا، وهي بفعلها متحررة وباحثة عن السعادة. فبعد مضاجعة توفيق لها والاغتسال في بيته تقول (كنت واثقة لحظتها أني اهتديت إلى الطريق.. أسبوع كامل في الجنة.) وفي ذلك عمل بالقول المأثور (حلال علينا وحرام عليكم)

إن فضيلة الفاروق لم تتوان لحظة في النيل من الرجل العربي، عازفة على مختلف الأوتار بما فيها وتر الدين، فسعت إلى تصوير الزوج وهو جزائري اسمه مولود في صورة الكافر الذي يرغم زوجته على مضاجعته برمضان، ويعنفها إن رفضت، مما جعل الجيران يستدعون الشرطة أكثر من مرة، لتضع القوانين الوضعية أمام الشريعة، فيسائل الزوج الشرطي قائلا(ماذا أفعل إنها زوجتي وترفض أن أضاجعها لأنها صائمة بشرفك أي رب يمنع زوجا من مضاجعة زوجته؟) ، و تسخر من التقاليد وتأويل الدين الذي يجعل الزوج المغتصب يدعي أنه يمارس حقوقه الجنسية حسب شرع الله، في تعبير صارخ على أن الرجل العربي (لم يهتد بعد على على العيش مع شخص كفء،أو ند أو نظير له) حسب تعبير ستوارت ميل لذلك يلجأ إلى العنف وتكون النتيجة الفشل في قيام حياة زوجية سعيدة يقول (إن الزواج بين أطراف و شركاء غير متجانسين لا يقدم متعة لي منهما بل يؤدي إلى شقاء دائم) وهو ما عاشه بطلا الرواية، لكن إذا كان سائدا في مجتمعنا قبول النساء لقوة الرجل وتسلطه دون بغير شكوى أو تذمر، فإنه من خلال الرواية المعاصرة أصبحنا نلاحظ تسجيل النساء لمشاعرهن، وإعلان رفضهن لواقع هن فيه محتقرات أو معنفات...

ما يستنتج من خلال الرواية أنها رواية أنثوية بامتياز، تنبش في المسكوت عنه بجرأة وتسلط الضوء على أزمة الجنس بين الأزواج، وإن كان يعاب عليها نزوعها نحو التعميم وإصدار أحكام قيمة جاهزة ومستهلكة عن وضع المرأة في العالم العربي، وتقديمها ضحية للرجل وجعل كل المتزوجات معذبات معنفات: (كل المتزوجات وهن يمارسن الجنس بلا عاطقة لأنهن متزوجات مع أزواج يثيرون الشفقة ويبحثون عن المتعة... شعوب بأكملها تمارس العنف على نفسها دون أن تعي ذلك)، كما تقدم الرواية تلك الصورة النمطية المرتبطة بالمرأة المطلقة في واقعنا العربي فتقول: (المطلقة تعني أكثر من أي شيء آخر امرأة تخلصت من جدار عذريتها الذي كان يمنعها من ممارسة الرذيلة، امرأة بدون ذلك الجدار امرأة مستباحة، وعاهرة مع بعض التحفظ) مؤكدة أن الثقب الذي انهار جداره هو كل ما يراه الناس في امرأة مطلقة أو أرملة)
إن رواية اكتشاف الشهوة وإن حاولت الانتفتاح على عدد من القضايا السياسية والاجتماعية في الجزائر، كالإرهاب، والانتخابات، والسياسة.. فإنها فظلت أن تقفز على مرحلة هامة في تاريخ الجزائر المعاصر،بأن جعلت الساردة تغيب عن الوعي، وتهذي بما في عقلها الباطن، وكأن عقل العربي لا شيء فيه إلا الجنس، وأن تحكم الجنس في وعي ولا وعي الإنسان العربي قلب الكثير من الحقائق في وعينا ووقعنا، فجعل الحب بين الأزواج كالزنا لدرجة أنه (لا يمكن لامرأة أن تعترف بأنها تحب زوجها، الاعتراف بالحب شبهة، والشبهة تعني ضلالة، والضلالة تقود إلى النار، ما أخطر الاعتراف بالحب إذن إنه كالزنى، كإحدى الكبائر أو كالقتل) وأكثر من ذلك حاولت تصوير الحمل والإنجاب داخل مؤسسة الزواج على أنه عهر و جنس مباشر مما جعل شاهي تخاف من أن يراها أبوها أو أخوها حاملا، ولم تستقبل أختها ولم ترحب بها بعد عودتها وانتظرت حتى خروج أبيها وأخيها لتعتذر لأختها قائلة: (تعرفين بطني أصبحت مرأية وأنا أخجل من أن يراني والدي أو إلياس هكذا) لتعلن الساردة عن موقفها مستهزئة (طبعا تخفين جريمة)

ورغم كل ذلك فالكاتبة تتملص من ومواقفها، وتنسبها لساردة فاقدة للوعي، وكأنها بذلك تتهرب من تحمل المسؤولية، مخافة التورط، وإن أراد أحد الاحتجاج على ما وصفت به المجتمع الجزائري واتهمها بتشويه المجتمع ما دامت صورت الجزائر بلدا لا علاقة سوية فيه بين الزوجين، ولا سعادة بأرضه، مقابل السعادة والحرية التي ترسمها الرواية بفرنسا في علاقات غير شرعية... يكون جوابها أنه مجرد كلام مريضة نفسية وليس على المريض حرج، و أنه يحق للمريض نفسيا البوح بما لا يحق للعاقل...

يستنتج إذن أن رواية اكتشاف الشهوة تربط الجنس بالحب، وأنه لا شهوة ولا لذة جنسية في غياب الحب، فالبطلة تنفر من ممارسة الجنس مع زوجها مود لغياب الحب، وتتوق لممارسته مع عشاقها خاصة آيس وتوفيق. تقول لآيس: (الحب هو الذي يجرني إليك) كما تعلقت بتوفيق لأنها أحبته (توفيق كان محبا وذلك كان كافيا لأكون سعيدة) لذاك كان لكل شيء في العشيق ذا معنى ودلالة، وقد تكون القبلة مع العشيق أكثر تأثير من علاقة جنسية مفروضة من طرف الزوج، فمقابل تقززها من معاشرة زوجها له لنستمع إليها كيف ترى قبلة آيس: (كانت أجمل قبلة ذقتها في حياتي، تلك القبلة التي شطرتني نصفين... جعلتني اكتشف الشهة وأختار درب التجريب)

قبلة ايس كانت.. أخطر المنعرجات في حياتي، أخطرها على الإطلاق، قبل أن أتحول سيلا لمطر صيفي هائج لا يفرق بين الحجارة والكائنات)، قبلة آيس... قبلة الصباح الماطر، والبرد الذي غامر من أجل حفنة من الدفء، والرضاب الذي سقى شتائل الشهوة وأقام كل شياطين الدنيا لأقامة حفلة تنكرية في سهل مقفر)، شفاه آيس.. الشفاه التي حملتني إلى عالم لم أكن أعرفه إلا متخيلا وحولتني إلى جمرة تتوق إلى حفنه هواء)... هكذا يسترجع الجنس معناه الحقيقي السامي المتجاوز للعلاقة الجنسية الميكانيكية ليسبح حبا يتسلل عبر مختلف الحواس الشم واللمس والذوق وإذا غاب الحبيب افتقدت فيه كل شيء (أفتقد جدا ملمس لحيته، ورائحة عنقه، وطعم شفتيه، وجسده الجبار الممتلئ والذي يعطي شعورا جميلا برجولته وبأنوثتي)

في رواية اكتشاف الشهوة لفضيلة الفاروق إذن يصبح جسد البطلة (باني) مشرحة لتحليل أزمة الجنس في الوطن العربي هذا الجسد التواق للجنس تتكسر كل أحلامه وتطلعاته على صخرة الزواج، ليتحول كبسولة مكثفة للكبت، سرعان ما انفجر عند أول فرصة تتاح له، فما التقت ب"أيس " حتى تفجرت كل منابع جسدها شهوة ولذة لتشعرها بكامل أنوثتها وكانت القبلة كفيلة بإعادة دبيب الأنثى في كل شرايينها العطشى ويحرر الجسد المسيج بكبث الشهوة، لتتحول المرأة من المعشوقة المرغوب فيها إلى العاشقة الباحثة الراغبة في ارتواء الجسد تقول الساردة (تماديت في التبرج والتعطر وقصدته، وأنا أنبض فرحا... حدث كل شيء في مكتبه، شلحت معطفي، وسلمته شفتي... أذكر جيدا كيف تاق جسدي إليه أذكر كل التفاصيل التي أفقدتني عقلي جعلتني أطلب المزيد، كان بودي أن أتمدد وأسلمه جسدي قطعة قطعة إذ لم يكن بإمكاني التماسك...) ليتضح كيف أن المبادرة جاءت من المرأة بالذهاب إلى مكتبه، وكل الأفعال تصدح بمبادرة المرأة (تماديت، شلحت، سلّمته، تاق جسدي..)

تعكس الرواية النسائية الجزائرية ما تعانيه المرأة في الوطن العربي، معاناة جعلت عدد من البطلات يتمنين لو لم يكن نساء، وذلك ما عبرت عنه بطلات روايات فضيلة الفاروق: ففي رواية (مزاج مراهقة) تصرخ لويزة منذ بداية الرواية (ما أتعس أن يكون الفرد امرأة عندنا) لذلك حاولت إخفاء أنوثتها التصرف كرجل والظهور بمظهر الرجال (سأكون مجنونة إذا تقبلت جسد الأنثى الغبي الذي يكبلني) وكذلك كانت أماني بطلة رواية (تاء الخجل) عندما تقول (كثيرا ما تمنيت أن أكون صبيا)، وهي نفس الرغبة التي عبرت عنها البطلة باني في اكتشاف الشهوة بقوبها: (كانت رغبتي الأولى أن أكون صبيا، وقد آلمني فشلي في إقناع الله برغبتي تلك)

وبخلاف الروايات الخليجية التي لم تتح أية كاتبة لأية بطلة ربط علاقة مع رجل غير خليج، فقد وجدنا الروايات في المغرب العربي يسمحن لبطلاتهن بربط علاقات مع الآخر من جنسية أو ديانة أخرى، فكن أكثر انفتاحا وأكثر تسامحا بل ربما ألفيانا بعضهن تفضل ربط علاقة مع الغريب على ربطها مع ابن البلد، فحديث الجزائريات عن الثورة والاستعمار يحتم الإشارة إلى الآخر كما في روايات زهور ونيسي، وكذلك في رواية (مفترق العصور) لعبير شهرزاد التي ذكرت فيها عددا من الأجانب رجالا ونساء ساندوا الثورة الجزائرية، وترت كل من حسيبة موساوي وربيعة مراح في رواييتيهما (على ضفاف الحلم) والنغم الشارد) وهذه شهادة بطلة رواية (مفترق العصور) لعبير شهرزاد في اليهود الجزائرين تقول فيه (أناس ظلوا على حبهم ووففائهم للجزائر... مناضلون ماتوا من أجلها...أصدقاء أعتز بصداقتهم..من دون حساسيات عقائدية أو عرقية. لأنهم نبلاء بكل بساطة) كما ألفينا في روايتي (ذاكرة جسد) و عابر سرير لأحلام مستغانمي إشارات إلى تعلق اليهود الجزائريين بوطنهم وحبهم الشديد خاصة مدينة قسنطينة وان اليهود الجزائرين لا زال الجنين يشدهم إلى المدينة،

وكان طبيعيا أن يتسلل الجنس علاقة الجزائرية بالآخر سواء عن طريق الزواج، أو خارج مؤسسته فتمكنت رواية (السمك لا يبالي) لأنعام بيوض من أنجاح علاقة زواج بين مصطفى المسلم وماري المسيحية التي ستعتنق الإسلام، وينجبان (ريما) التي ستعيش في كنف أسرة يهودية بعد وفاة والديها.. ورغم نظرة المجتمع لليهودي فقد فتحت الرواية إمكانية التعايش بين إلياس اليهودي وسميحة المسلمة من حلال نافذة السفر خارج الوطن.. كل ذلك رغم وجود عدد من الروايات التي رصدت بعض التوثر في علاقة المسلة باليهودي، هكذا يجد القارئ في رواية زهور ونيسي (جسر للبوح وآخر للحنين) القارئ أشارات للأقليات اليهودية من خلال تعلق البطل كمال العطار باليهويدية راشيل زقازيق ورفض كل معارفه لهذه العلاقة بمن فيهم أمه التي تخاطبه قائلة: (إنها لا تحبك يا كمال... اليهود لا يمكنهم أن يحبوا عربا مسلمين.. هكذا عرفنا عنهم وعرف عنهم أسلافنا.. لذلك صب الله عليهم لعنته).. وكذلك كان في رواية (على ضفاف الحلم) لحبيبة موساوي رفض قاطع من طرف البطلة/ الساردة لعلاقة ابنة عمها بشاب يهودي وكان طبيعيا أم رفض الجميع لتلك الزيجة أن تكون النتيجة متوقعة (تعنيف، طلاق، خطف البنت والذهاب إلى تل أبيب بلا رجعة) يعني علاقة مشوهة من بدايتها إلى نهايتها مما أعطى أبناء مشوهي الهوية والعقيدة

في (ذاكرة جسد) و (عابر سرير) لأحلام مستغانمي تربط الكاتبة علاقة جزائريين (مصفطفى وخالد) بفرنسيتين (كاترين وفرنسواز) وإذا كان الخلل في علاقة الرجل العربي بالمرأة العربية في الغالب يعود للرجل، فإن مستغانمي تجعل الخلل في جسد المرأة الفرنسية إذ تقدمها باردة المشاعر متجمدة العواطف تعيش عوزا جنسيا ولنستمع لخالد ماذا يقول في فرانسواز (جسدها كان يرفض أن يفهم، يخرج عن الموضوع دائما، جسدها موظف فرنسي يحتج دائما...) وهكذا تبدو المرأة الغربية في نظرها (باردة تلك الشفاه الكثيرة الحمرة، والقليلة الدفء، بارد ذلك السرير الذي لا ذاكرة له) بخلاف المرأة العربية/ الجزائرية التي تظهر في روايات النساء ملتهبة حارقة... هكذا كانت باني في اكتشاف الشهوة وقبل أن يتزوجها مود كان متزوجا بفرنسية مما يعني استحالة استمرار علاقة الرجل العربي بالمرأة الغربية، ومقابل ذلك حاولت بعض الروايات إنجاح علاقة المرأة العربية بالرجل الغربي ففي رواية النغم الشارد لربيعة مراج يظهر نموج لنجاح علاقة الجزائرية بالآخر/ الإيطالي من خلال زواج أحلام وسلفادور بعد أن انتشلها من الميتم وعاشت معه في أسرته حياة عادية (كان مركزي في الأسرة ممتازا، فهم لطفاء محبوبون لا يختلف تفكيرهم ونمط حياتهم كثيرا عن نظيره في الأسرة الجزائرية)، وإن ظلت بعض الروايات متحفظة في هكذا علاقة كما في (بعد أن صمت الرصاص) إذ تتخلص الكاتبة من (ماري) قبل اكتمال العلاقة..

2- التقاليد وقتل البطلة في رواية العمامة والطر بوش

كثيرا ما ركزت الرواية الجزائرية على التقاليد، وقد بدو ذلك بيعيا في البلد العربي الذي عانى أطول مرحلة استعمار وأقساها، فكان الصراع منصبا على الحفاظ على الهوية والتقاليد... لكن كثيرا ما لعبت تلك التقاليد دورا أساسيا في تأزيم العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة في الرواية الجزائرية، وهي ظاهرة لها تجلياتها في معظم ما كتبته النساء بمختلف الأقطار العربية وإن تناولن الظاهرة من وجهات مختلفة.

في هذا الشق الثاني من هذه الدراسة سنحاول مقاربة ذلك من خلال رواية لشابة من الجليل الجديد، نقصد بلك رواية العمامة والطربوش للروائية الجزائرية الشابة بن عزيزة صبرينة (من مواليد 20 ماي 1987 م)، وهي رواية صغيرة الحجم (120 صفحة للمتن إذا ما حذفنا صفحات البداية: العنوان الداخلي، الإهداء..) لكنها كبيرة في دلالاتها والرسائل الممررة عبرها للروائية. وهي ثاني إبداع للكاتبة في تجربتها الروائية، بعد عملها الأول (اليوم الثامن).

أول ما يلفت نظر القارئ في هذه الرواية عنوانها المبني على آليات التكثيف، الاختزال والتعريف، يتضمن كلمتين تربط بينهما أداة عطف (و) مما يجعل العنوان لا يحمل أي حكم، ويقدمهما ككلمتين محايدتين لهما نفس المكانة ما دامت الواو دون باقي أدوات العطف تبادلية بلغة الرياضيات، لا انحياز لواحدة على أخرى وأن ظفرت العمامة بالتقديم...

كلمتا العنوان توحيان للقارئ أن النص الروائي قد ينبني على التقابل بينهما وانحياز الساردة لأحدهما على حساب الآخر، خاصة وأن صراعا محتدما نشأ بين أنصار العمامة وأنصار الطربوش في مرحلة ما من تاريخ الأمة العربية وخاصة بمصر ما بعد حملة نابلويون..

لكن سرعان ما يخيب أفق انتظار القارئ عندما لا يصادف أي ذكر لكلمتي العنوان في النصف الأول للرواية ولم تحظر الكلمتان حتى الصفحة 72 عندما أشارت الساردة إلى أن بوعناب أحد أبطال الرواية (يرتدي مرة عمامة ومرة طربوش) لتغيب الكلمتان حتى الصفحات الأخيرة كما في الصفحة 126 التي تكررت فيها الكلمتين مرتين في قول الساردة: (ظهرت كل عيوبه التي طالما أخفاها بالعمامة والطربوش، أصلع قصير بذيء الروح والمظهر، لكن أين عمامته وطربوشه) عدا ذلك لم تجتمع الكلمتان في الرواية أبدا، هذا وقد ذكر الطربوش منفردا في الصفحات الأخيرة ثلاث مرات مرتبطا بالأب ففي الصفحة ما قبل الأخيرة ورد قول الساردة:

(كان أبي هو من يرتدي الطربوش) وفي آخر صفحة (سحب أبي خنجره وطعن ظهري.. تشبت بحاشية الطربوش..) وعندما تهاوت مطعونة قالت في آخر جملة في الرواية (الآن وفقط الآن سأرتاح في سلام، في إحدى يدي حفنة أحلام، والأخرى حاشية الطربوش) في مقابل ذلك وردت كلمة العمامة مرة واحدة وجاءت جمعا في الصفحة 78، ومن تمة فإن فهم البعض أن في تقديم العمامة على الطربوش في العنوان تفضيلا، فإن ذلك سرعان ما يتلاشى بالنظر إلى عدد المرات التي تكررت فيها كلمتا العنوان في المتن المحكي...

والملاحظ أن ذكر كلمتي العنوان مجتمعتين في الرواية لم يرتبط إلا بالشيخ بوعناب قاضي القبيلة والمتحكم في رقاب أهلها ومصائرهم دون غيره من شخصيات الرواية، فيما ارتبط الطربوش بالأب، والعمامات جاءت عامة، وحتى إن لم تحوي الرواية أية مقارنة أو تعارض بينهما فإن ارتباطهما بنفس الشخص، (وجعله يضيف لفة لعمامته، وحاشية لطربوشه كلما أقر شيئا جديدا)، يجعل من الكلمتين رمزين لهما دلالات غير ما كان ينتظرهما القارئ، إذ يتحولان إلى مجرد أ قنعة ومسوح لإخفاء الشر والظهور بمظهر الأولياء و ما عبرت عنه الساردة في الحالة الوحيدة التي ذكرت فيها العمامات جمعا: (ذمم بيعت سلفا تغطيها عمامات الحرير ولحى عشوائية طويلة يغطيها وقار كاذب)...

وإذا عدنا إلى متن رواية (العمامة والطربوش) وجدناه محكيا من طرف سعدة الطالبة الجامعية، التي تتابع دراستها بمدينة على الشريط الساحلي للجزائر تقطن مع خالتها، قضت بهذه المدينة أربع سنوات وهي المنحدرة من إحدى القرى النائية،

تنطلق الأحداث وسعدة في الفراش تستحثها خالتها: (سعدة.. سعدة سيفوتك الوقت يا ابنتي)، وهي في الفراش تتذكر كيف ماتت أمها كمدا بعد أن تزوج عليها زوجها (أب البطلة) لأنها لا تلد إلا الفتيات تقول سعدة (تزوج عليها أبي لما أنجبت له بنتا ثانية وأجبرها على الرقص في عرسه وهي نفساء) فكان ذلك سببا في وفاتها لتكون هذه الذكريات نافذة تطل من خلالها الرواية على واقع المرأة في الريف الجزائري وتنتقد بعض الأعراف البالية فيه وفي علاقة الرجل بالمرأة خاصة، تخرج سعدة من بيت خالتها وتتجه لزيارة متحف المدينة لتقف على بعض التماثيل خاصة تمثال الأمير عبد القادر، ويكون نسيانها لمحفظتها بالمتحف مناسبة لزيارة ثانية والوقوف على تمثال أبي عبد الله آخر ملوك الأندلس الذي ذكرها في البداية بهتلر واسترجعت من خلالهما لحظات من التاريخ.. في المتحف تعرفت على مروان الشاب الفلسطيني مرشد المتحف، ويتحقق نوع من التقارب بين شاب مثقف مطلع على الأدب والشعر وسعدة الشغوفة بالعلم والبحث ليتعرف القارئ على مروان ومن خلاله على ظروف اللاجئين الفلسطينيين من جهة، وعلى البطلة وما عانته بفقد الأم، وقسوة الأب من جهة ثانية تقول في أبيها: لم يعلمني أبي كيف أحب… علمني أن أنتظره، فينسى؛ ويفتح باب الغياب… أتوسد ذراع اليتم، وأستعذب ملوحة الدموع.) فتمنت لو ماتت بدل أمها: ( أماه! لو فقط كان يمكنني أن أهب نفسي للموت بدلا عنك….) وتستنتج أنها شبيهة أمها: (أنت دفينة التراب، وأنا رهينة القبيلة)

تتطور علاقتها بمروان، ويعدها بأن يعلمها قواعد العروض ويطلعها على قصائده وما نظمه من شعر في مدينته يافا، وتكون العلاقة بينهما مناسبة للحديث عن القضية الفلسطينية ودعم الشعب الجزائري للقضية: وإذا كانت الرواية تسافر بالقارئ من خلال مروان إلى فلسطين، فإنها تحمله من خلال سعدة إلى الدشرة (القرية) عندما كانت سعدة في الكتاب والشيخ (بوعناب) يعاقب كل طفل يتمرد على قوانين الكتاب... يزداد تعلق سعدة بمروان بعدما غدا يطلق عليها اسم يافا، ويكون حزن مروان على مقتل صديقه نزار الذي كان يزوده بأخبار فلسطين سببا لتعرف سعدة أن مروان وهب قلبه ووجدانه للقضية للفلسطينية فلم يجد ما يرد به على سؤوالها: (أنا أحبك ألا يعني لك هذا شيئا؟) سوى الاعتذار بطريقة لبقة: (أنا رجل مَدافعَ و حروبٍ، لا باقات ورد، وأكاليل غزل، هناك قلوب لم تخلق للحب لذا الأوجب عليها فرض حظر التجول على علاقاتها... يلزمك رجل..) لتغرق في اليأس بعد اقتناعها بأنها لم تكن في حياته كما قالت (أكثر من فاصل إعلاني ومجرد رقم من لائحة طويلة) وفي لحظة فراغ تتوصل سعدة بدعوة من مجلس الزاوية والقبيلة تطالبها بالعودة للدشرة لإتمام زواجها بابن خالتها مراد المتفق عليه بين الأهل وهو الزواج الذي حسم أمره شيخ القبيلة وقاضيها بوعناب، قال لها والدها: سعدة يرى شيخ القبيلة أن وقت قرانك قد حان بعد أن عاد مراد)، ولم تجد أمامها سوى الرضوخ للطلب ومشاركتها في طقوس الحفل على مضض، ويكون غضبها مناسبة للنبش في بعض الأعراف البالية بالدشرة، النظرة الاحتقارية للمرأة، وتسلط بوعناب واستغلاله للدين، وهي التي لا يحركها أي إحساس تجاه ابن خالتها، مما فجر نيران الحنين بدواخلها لمروان، لتعود للمدينة الساحلية لإتمام الموسم الدراسي بتقديم مذكرة التخرج وهي ممزقة بين الرغبة في النجاح، والرغبة الفشل لأن النجاح سيحكم عليها بالعودة للقبيلة (أتمنى الفشل لأستدين من الزمن جرعة من الحرية) ويكون مروان أول من هنأها بالنجاح، وفي إطار احتفالهما فاجأها مروان بخاتم خطوبة وطلب يدها للزواج، لينزل عليه كالصاعقة خبر ارتباطها برجل آخر، فما أن قالت له(صار يفرقنا ميثاق غليظ أكبر من إرادة البشر... أنا على حافة الارتباط...) حتى رمى الخاتم في وجها وغاب عنها أسبوعا وتزداد لوعتها وتتصل به وتشرح له خصوصية أعراف قريتها وصعوبة النجاة من بطش بوعناب وسكان القرية في حال التمرد على قوانينها، ليتفقا على اللجوء إلى قبيلة (غريمة) المناهضة لقبيلتها، وتنفيذا للخطة المتفق عليها، تتسلل سعدة في جنح الظلام قبل طلوع الفجر بحجة زيارة قبر أمها، لتلاقي مروان ويهربان، لكنها تفشل في مواصلة السير وترسل مروان إلى طلب المعونة من القبيلة الأخرى تقول له (اذهب أنت وعد بوجهاء توارة يحملون المصحف الشريف فنحتكم إلى كتاب الله ونبطل حجة الشيخ وحسبنا كتاب الله... لم يبق الكثير من الوقت هيا بسرعة..)، وقبل عودة مروان تفاجأ بقدوم بوعناب وجنوده وقد بدا لها على حقيقته، حاسر الرأس، يتقدمهم والدها وقد ارتدى العمامة والطربوش بدل الشيخ، أسرعت نحو أبيها واحتضنها وتكون نهاية الرواية مأساوية بأن يطعنها أبوها وتتهاوي أمامه، بعدما تمسكت بطربوشه، على إيقاع استنكار الشباب والنساء لقتلها (فتية آمنوا بربهم فزادهم ربهم هدى وزغاريد نساء طاهرات يرفضن أن يكن كلهن أمي أو كلهن غالية وهم سيثأرون ليافا التي قتلت إجحافا)

إن هذه الرواية على ضآلة مساحتها الورقية حبلى بالرسائل العميقة المتعلقة بواقع المرأة الجزائرية والعربية عامة، خاصة في القرى والمداشر، فالنهاية المأساوية للبطلة مطعونة من طرف والدها في أحضانه بعدما أمنت له تأكيد على سطوة الأعراف، وهمجية التقاليد الذكورية التي لا ترى في المرأة سوى رمزا للعار والخديعة، وتعتبرها عورة وتلطيخ للمقدس، وأن مجرد (نطق اسم امرأة عندنا، يكاد يكون تلطيخا لجدار المقدس)

تؤكد الرواية تكريس المجتمع لدونية المرأة، لدرجة أن المرأة لا تذكر في المجتمع الجزائري حسب الساردة إلا تابعة لرجل (عودونا على صيغ النداء التي تكون فيها المرأة تابعة لا أكثر:بنت فلان، زوجة فلان، أم فلان..) وهو ما يجعلها اقرب لأن تكون (ملكية تتداول حصرا بين الرجال تبقى متنقلة من أحدهم إلى الآخر ما دمنا بين ضفتي الوجود، الأب الأخ ثم الزوج وأخير أولئك الذين ننجبهم ثم يتنكرون لأسمائنا ويخجلون بها)

من خلال الرواية تسعى الساردة للرد على مثل هذه النظرة الاحتقارية بأدلة دينية من القرآن كذكر الله مريم بالاسم، أو من السنة بسرد عدد من الأخبار عن الرسول والصحابة يكرمون فيها المرأة. لكنها تبقى كمعظم الروايات العربية المعاصرة بنون النسوة همها الدفاع عن قضايا المرأة والانتقام لبنات جنسها من بطش الرجل، بكشف تسلطه وقهره للمرأة، تجلى ذلك في الإقصاء المقصود للخطيب مراد الذي بدا في الرواية لا دور ولا موقف له من كل ما تفعل خطيبته، والأولى أن يعبر عن موقفه من خيانتها وهو الذي لم يخطئ في حقها بل كان في كثير من الحالات عونا لها وفي الحالات القليلة التي قدمته الرواية قدم لخطيبته قنينة عطر، وطلب منها الجلوس في المقعد الأمامي للسيارة وإن كانت الأعراف تحتم على المرأة الرجوع للخلف، فأغلقت عليه الكاتبة كل النوافذ وظل مجرد شبح لتأثيث الفضاء السردي في مجتمع هضم حق المرأة في التعبير عن رأيها ورغبتها، ومنعها اختيار شريك حياتها ورسم طريق مستقبلها.. وأجبرها على التسليم بسلطة الرجل المطلقة، الرجل الذي يمثل دور الشرطي على المرأة يراقب ويتحكم في كل تحركاتها، ونعتقد أنه وليس عبثا اختيار الأب والخطيب من سلك الشرطة والجيش.. وهو ما جعل المرأة متورطة في أزمات سببه الرجل، وأصبح همهما كيف يمكن الانتقام من الفكر الذكوري، بل رغبتها العيش وحيدة دون رجال فلنستمع لها تتساءل قائلة: (ما حاجتنا للرجال، ما دام شرف القبيلة، بين أفخاذ نسائها، تحميه الخلاخل واالفؤوس). هذا الفكر الذكوري الذي يرى أنه من قلة الاحترام (أن تضع المرأة نفسها في مستوى زوجها) وأن مكانها دائما دون مكان الزوج فإن (كان في الأمام عادت هي للخلف، إن جلس على الكرسي تفترش الحصير، وإن اتخذ الحصير فرشا ليس لها ألا الأرض).. جعل مرتبة المرأة دائما دونية لا تستحق العطف حتى ولو كانت ضحية أو معنفة، هكذا اعتبِرت المرأة (الغالية) التي اختطفها أحد أبناء قبيلة توارة، عارا على القبيلة ولا يجوز أن تصلح بعد ذلك زوجة (امرأة جلبت عارا ولعنة لا يجوز بعدها أن تبقى على عصمة أحد رجالنا)

إن هذه النظرة التي كرستها الأعراف جعلت المرأة مهما بلغ تعليمها لا شيء دون زوج لذلك وجدنا البطلة وهي الجامعية تحسد أختها الصغرى التي لم تكمل تعليمها وتقول لها (فقد فعلت أنت ما لم أتمكن من فعله، تصغرينني سنا و لك زوج وابن وعائلة)

إذا كانت الرواية تلقي الضوء على بعض جوانب الأزمة في علاقة المرأة بالرجل، فإنها تطرح قضية فرعية متعلقة بالمرأة العربية تفضيلها للرجل الأجنبي على ابن جلدتها، من خلال ميل سعدة لمروان الشاب الفلسطيني على مراد ابن عائلتها، رغم صد مروان لها و تعلق مراد بها واستعداده لخدمتها، إذ وجدناها يقدم لها الهدايا (خذي هذا لك أتمنى أن يعجبك ! عطر يشي مظهره بأنه فاخر) يعاملها بلباقة ويعتذر عن كل فعل أو حركة تصدر منه، وأكثر من ذلك فهي تعترف بأنه يحبها لا يختلف في شيء عن كل أولئك الذين تصادفهم (فيتصرف مثلهم، ويلبس مثلهم ويحبني أكثر من أي واحد منهم) مقابل ذلك لم تكف الساردة نفسها لتصرح بسن مروان الفلسطيني ولم يستطع قارئ الرواية تكوين أي فكرة عن سنه وهيأته وملامحه أهو شاب في سنها؟؟ ام كهل كبير عنها وهذا هو المرجح، لأننا اعتدنا في دولنا العربية على أسناد مهام إدراة المتاحف لكبار السن ومن تم قد يكون أعجاب سعدة بمروان مجرد إعجاب فتاة طموحة بمثقف عالم بالعروض متذوق للشعر، ورغبة من شابة في التمرد على القيم والتقاليد البالية أكثر منه حبا متبادلا بين عشيقين، خاصة وأن مروان لم يفتح لها قلبه رغم تعدد لقاءاتهما إلا في الوقت الميت...

تميزت رواية (العمامة والطربوش) بطموح شبابي، وسعي لإخراج المرأة العربية من أزمتها، فسعدة الشابة المثقفة وهي على شفا إنهاء مشوارها الدراسي، تلتقي بالفلسطيني مروان ويكون لقاؤهما سبب في التخطيط للتخلص من الأوضاع بقريتها، والتمرد على قيم تحط من قيمة المرأة باسم الدين، وكان أمام الكاتبة عدة نهايات محتملة، لكنها اختارت نهاية مأساوية، نهاية سينمائية مؤثرة، أن تسقطة البطلة قتيلة في حضن أبيها وبطعنة من الخلف، طعنة غادرة منه، وهي نهاية رمزية مشحونة بالدلالات والمواقف يمكن ابراز بعضها في ما يلي:

1 - رفض المجتمع الجزائري - وهو مجتمع بني أساسا على الثورة – أن يعلمه غيره كيف يثور، ففي اختفاء مروان، وقتل عشيقته رفض واضح للمسار الذي سلكاه، واعتبار التخطيط للثورة بمساعدة الأجنبي خيانة يتصدى لها القريب (الأب) قبل أن تصدى لها الدولة بمؤسساتها.

2 - فشل تصدير الثورة الفلسطينية للشعوب العربية، ففشل مروان الفلسطيني في إنقاذ محبوبته التي اختار لها اسم يافا، يحتمل تفسيرا بفشل الثورة الفلسطينية في التأثير بالمجتمعات العربية.

3 – قتل سعدة أيضا يمكن أن يفسر انتقاما للشرف وهي ظاهرة مترسخة في المجتمع العربي خاصة المشرقي منه، وكيف لا والقاتل ذكر من أسرة القتيلة، ارتكب جريمته لأسباب تتعلق باختيارات القتيلة في الحياة، فكانت سعدة قربانا قدمه الأب للمجتمع التقليدي تلبية رغبة هذا المجتمع الذي يسيره بوعناب بهدف لجم وضبط سلوك النساء وجعل سعدة عبرة لكل من سولت لها نفسها الخروج عن نهج القبيلة واختيار شريك من غير جلدتها... لا غسل للعار إلا بالدم والقتل...

4 – قتل سعدة بتلك الطريقة الوحشية قد يجد تفسيره أيضا في رغبة الكاتبة تكريس استحالة التخلص من التقاليد في مجتمع تقليدي، وهي التي طالما كررت على لسان الساردة ثقل وجثم التقاليد على نفسية المرأة، واقتناعها بأن تعليمها لن يغير في واقعها شيئا وهي القائلة (يقيني أن شهادتي لن تغير في مصيري إلا بقد ما غيرت دموع أبي عبد الله في تاريخ الأندلس)

5 – قتل الأب لابنته بدم بارد دليل على أن المجتمع العربي أبيسي السلطة المطلقة فيه للرجل، هو صاحب العقد والحل، لكن الكاتبة لم تقطع حبل الأمل في تغيير هذا التفكير، فقد تركت النهاية مفتوحة على أمكانية التغيير، لكنه رهنت هذا الأفق بالأطفال والنساء، فقد جاء في آخر فقرة في الرواية بعد قتل البطلة قول الساردة: (أطل على الغد الجميل، أطفال قادمون... وزغاريد نساء طاهرات...هم من سيثأرون ليافا التي قتلت إجحافا)

ما يستنتج من خلال الرواية النسائية الجزائرية أنها لا تخرج عن المسار العام الذي تسير فيه الرواية النسائية العربية المعاصرة عامة باختيارها السرد بضمير المتكلم، وجعل السارد في الأعم الأغلب امرأة تحكي معاناة المرأة العربية من سطوة الرجل في مجتمع ذكوري يستعظم الرجل فيه بالفهم الخاطئ للدين وتأويله لتعزيز سطوته وإشباع غرائزه دون مراعاة متطلبات المرأة الجنسية، مثلها في ذلك مثل الكثير من الروايات النسائية العربية الصادرة حديثا في المغرب العربي ومشرقه والتي جعلت من الأزمة الجنسية بؤرتها وتيمتها الأساس ومن ذلك رواية ما كتبته لربيعة ريحان، فاتحة مورشيد زهرة رميج رجاء عبد الله الصانع، فوزية شويش لبثنية العيسى من الخليج، وغيرهن كعائشة زبير من اليمن أو نوال السعداوي من مصر ... وهن روائيات تصورن المرأة ضحية، والرجل قاهر مغتصب لا يرحم ضعفها، مثقفا كان أم سياسيا، قريبا أم غريبا... قد تكون وضعية المرأة كما تصورها الروائيات وضعية مزرية، دون أن درك معظمهن أن واقعنا العربي يحعل المرأة والرجل معا مطحونين تحت وطأة واقع سياسي اقتصادي واجتماعي متشظي والمرأة فيه أكثر هشاشة... لكن المرأة الروائية فضلت الحديث بصوت واحد - في الأغلب الأعم- هو صوت المرأة المظلومة دون أن تمنح فرصة أكبر للرجل لتقديم رأيه في أزمة الجنس وهو طرف فاعل في العلاقة. لذلك وُسِمت معظم الروايات النسائية في الجزائر كما في الوطن العربي عامة بنزعة غنائية واتخذت منحى رومانسيا من خلال التركيز على الذاتية والفردانية، ورفض واقعٍ المرأة فيه مظلومة مكلومة مهضومة الحقوق.. والحلم بواقع تنعم فيه المرأة بحريتها وحقوقها ومناشدة قيم مطلقة أساسها المساواة،العدل، الحب، الحرية،السعادة وإشباع الغرائز... كما تجلى ذلك المنحى الرومانسي في التركيز على الألم والحزن والمعاناة وتوظيف الطبيعة ناهيك عن استعمال لغة شعرية موحية ولسنا هنا بصدد البحث عن رومانسة وشعرية الكتابة في الرواية النسائية وإلا سيطول شرحه
وباستثناء الجانب الموضوعاتي وتركيز الرواية النسائية الجزائرية على بعض القضايا الكبرى التي تخص الجزائر في بعض فترات تاريخها المعاصر (كالاستعمار، الثورة، العشرية السوداء..) فلم يكن هناك شيء يفردها من الناحية الشكلية إذ تشترك في تنميط قضية المرأة العربية وتقديمها في الضحية في الغالب من خلال عمل يتداخل فيه السِّيَري التاريخي بالروائي المتخيل في عمل فني أقرب إلى ال (Novella) كقصة مكثفة وصغيرة الحجم تتـمركز حول بطل مختلف (هو المرأة في الغالب) عما هو متداول في تاريخ الرواية تعيش أحداثا محدودة في الزمان والمكان هي أقرب لما نعيشه في حياتنا اليومية لذلك لا تتطلب من القارئ أي مجهود ذهني لفهم مضمونها واستيعاب رسائلها


الكبير الداديسي

أديب مغربي

من نفس المؤلف