الشقراء الذرية (٢٠١٧)

، بقلم مهند النابلسي

استدعاء صراعات الاستخبارات واحتدام التنافس "الجيوسياسي"!

ترسل عميلة الجهاز البريطاني M16 السرية لبرلين خلال الأيام الأخيرة للحرب الباردة (وانهيار جدار برلين في العام 1989)...ترسل لتقصي أسباب اغتيال عميل مؤازر، وللكشف عن قائمة مفقودة للعملاء السريين المزدوجين، وللتعاون مع مدير مكتب برلين "ديفيد بيرسينال"...انه فيلم التشويق والجاسوسية الجديد اللافت، من اخراج ديفيد لايتس وكتابة كورت جونستاد، وبطولة كل من شارليز تيرون وجيمس ماككفوي (لهذا الممثل حضور لافت بطريقة ظهوره ونمط تقمصه للشخصية ولنتذكر دوره اللافت كسيكوباث خطير في فيلم سبليت)، وجون جودمان، والجزائرية صوفيا بوتيلا، ونيل شفايفر وادي مارسان وتومي جونس في الأدوار المساندة.
في العام 1989 وفي ليلة سقوط جدار برلين وفوضى الارتباك الغير مسبوق، يتم قتل عميل مكتب ال M16 "جيمس جاسبوجين" بواسطة عميل الكي جي بي العنيف "يوري باكتين"، الذي يسرق منه الميكروفيلم، الذي يحتوي على شريط باسماء كل العملاء الغربيين في الاتحاد السوفيتي (حيث ينزعه عنوة من ساعة يده)، وبعد عشرة ايام يتم استدعاء العميلة لوريان بروتون (شارليز تيرون) للاستجواب من قبل المدراء التنفيذيين لمكتب M16 "أريك جراي" ومندوب ال CIA "ايميت كونرفيلد"، للتحقيق بدقة في تفاصيل مهمتها الخطيرة في برلين...تواجه لوريان المحققين بكشف صور فوتوغرافية وتسجيلات صوتية، لاثبات عمالة "بيرسيفال" الذي قتلته بعد انتهاء مهمتها في برلين، كما تنفي معرفتها بتفاصيل اللائحة السرية، مجبرة الوكالة على اقفال التحقيق...وبعد ثلاثة أيام، تلتقي عميل الكي جي بي "بريمو فايتس" في فندق باريسي فاخر، وتعطيه قائمة باسماء العملاء، ثم تغدره، بعد أن يعترف بأنها خدعته، مبادرة بقتل حراسه المرافقين فجاة، معترفة له بتلاعبها الذكي للأحداث منذ البداية بغرض تضليله...ثم تلتقي لاحقا ب"كورزفيلد"، كاشفة له بأنها عميلة "ثلاثية" مزروعة من قبل ال CIA" ، قبل ان تغادر للمركز في "لانغلي"...هذا الفيلم "التجاري" يتميز بكونه شيق ومنجز بمهارة حركية لافتة، وبدا كمزيج من فيلمي "بورن وبوند"، ويتضمن مواجهات قتالية حابسة للأنفاس ومتقنة وجاذبة، باعتبار تقمص "شارليز تيرون" للدور واتقانها المدهش لكافة لمتطلباته، وقد ذكرتنا بفيلم "ماد ماكس...طريق فيوري" الذي ابدعت فيه...ولكني وجدت فيه اسلوبية مفرطة في المبالغة باظهار اجواء الحرب الباردة المحتدمة في أيامها الأخيرة، وربما قصد فيه ان تغني مشاهد الحركة الجامحة عن الفجوات السردية في السيناريو، وقد وضعت البطلة الجميلة الرشيقة نفسها في حذاء "جيمس بوند" وربما تجاوزته في بعض المشاهد القتالية، كما تماثلت حركاتها لحد ما مع بطل فيلم "جون ويك"، مع التركيز على البعد الجاسوسي و"الجنس المثلي" الغير معهود في هذه الأفلام بين البطلة والممثلة الجزائرية الأصل "صوفيا بوتيلا" والتي أبدعت أيضا باداء دورها كعميلة فرنسية، كما أن المويسقى التعبيرية لعبت دورا متكاملا وداعما ومؤثرا...يأتي هذا الشريط ملائما حاليا مع احتدام الصراع "الجيوسياسي" عالميا، واعادة انبعاث عناوين الحرب الباردة والمواجهات الساخنة هنا وهناك، يحاول صانعو الأفلام استشعار المؤثرات السياسية المتنامية، وخاصة بين أمريكا وروسيا والغرب عموما، ولا ننسى التوترات الكامنة مع الصين وكوريا الشمالية، مما يؤسس لفوبيا وبارنويا سيكلوجية "واقعية"، من هنا ولد هذا الفيلم الهائج باستدعاء القصص المنسية للأيام الأخيرة للحرب الباردة واحتدام الصراع بين الألمانيتين (وبين مخابرات الغرب والشرق)، والذي انتهى بسقوط جدار برلين وتوحيد المانيا وتحول "ألمانيا الشرقية" لذكرى تاريخية!

لقد كان وضع العميلة السرية (شاريز ثيرون) صعبا ومعقدا منذ البداية، وخاصة مع انتظار عملاء الكي جي بي لها على مدرج المطار قبل هبوط الطائرة، فيما يبدو وكأن العميل "بيرسيفال" لا يعول عليه لأنه كان يعمل سرا على اجندته الخاصة، في خضم الأوضاع المعقدة الهائجة في برلين الشرقية المنهارة، وفي أجواء البحث التنافسي الجامح عن قائمة العملاء المفقودة، هكذا فحبكة هذا الفيلم معقدة ومتداخلة وحافلة بالمواجهات القاتلة بلا رحمة، وقد نجحت "شارليز ثيرون" حقا في اخفاء مشاعرها وقسوتها وراء نظارتها الشمسية كملكة اغتيال "باردة"، تنطلق في مغامرات خطرة غامضة تتماهى احيانا مع ضراوة أحداث "فيلم "أنديانا جونز" الحافل بالمغامرات... والفوز في هذه الصراعات هو من نصيب المبادر الجسور سواء في الشقق او على الأ دراج والأزقة او داخل وخارج السيارات ومطارداتها الجامحة التي تسبب احيانا الدوار للمشاهد "المسكين"، والشيء الطريف الغريب يكمن في تغلب العميلة السرية على معظم خصومها وهم رجال أشداء مستغلة عناصر المباغتة والقسوة وقذف الأشياء والحركات البهلوانية واستخدام الأسلحة النارية.

نجح المخرج "دافيد لينش" باظهار كل هذه الوحشية القتالية مدمجة مع المؤثرات الذكية والموسيقى التصويرية البارعة، وقدم لنا فيلم "حركيا-جاسوسيا"ا ترفيهيا مسليا ومشوقا ويحفل بالكثير من السخرية والرسائل ذات المضمون.

من حوارات وتعبيرات ومشاهد الفيلم اللافتة:

*"اننا مسلحون لاننا لا نثق ببعضنا"...لذا دامت الحرب الباردة لأربعين عاما في برلين، وهاي تعود تقريبا بخجل الآن...

*"الاحتيال على المحتال مصدر متعة"، "تكمن اللذة الأكبر بالاحتيال على المحتال": مقولة الجاسوسة المكررة.

*"رائحتك كشرطي الستازي"، المقصود الشرطة السرية لألمانيا الشرقية، وما الذي يميز هذه الرائحة؟

*مشاهد هروب 5000 شخص من برلين الشرقية قبيل الاضطرابات الأخيرة التي سبقت سقوط الجدار.

*صور هائجة للمتظاهرين، وقد رفعوا "الشماسي" للتمويه على الهاربين المستهدفين من قبل القناصة فوق البنايات.

*تسقط السيارة بعد المطاردة الهائجة وتغرق، وتبقى البطلة والأعمى الذي يحفظ قائمة العملاء غيبا، والذي قتل لاحقا.

*التظاهرات والاحتفالات لا زالت في الشوارع، والكل متحد، ولم تعد الشرطة تتدخل.

*سؤال واحد: من الفائز ام أن اللعبة ما زالت مستمرة؟...ثم "عليكم ان تعرفوا من تؤيدون حتى تفوزوا"؟

*قررت اخيرا ايقاظ ضميرك...لقد قرأت تلك اللائحة...انها داخل الساعة.

*الجملة الأخيرة: "ما زلت احب برلين"، قالها قبل ان يقتل.

*أخيرا سقوط جدار برلين، ولم يعد هناك اسرار، ولكن العالم مليء بالكراهية (وما زال)، واللعبة غير شريفة.


مهند النابلسي

عضو رابطة الكتاب الأردنيين- عضو اتحاد الكتاب العرب

من نفس المؤلف