الفنان بحاجة إلى خلق توازن مع العالم

يستضيف رواق المكتبة الوطنية بالرباط ما بين 13 و30 أكتوبر الجاري معرضا جديدا للفنان التشكيلي محمد مكوار، الذي يقدم للمتلقي فيضا من الاعمال الممتعة التي تتماهي مع اللون التجريدي ذو المسحة الحالمة.

قد يشدك المشهد بشغف وأنت تتابع جديد هذا المعرض وجدتني تائه الوجدان وصمتي يسائل أنامل الألوان يسائل الفنان الإنسان، رهبة الصمت أضفت ألوانا أخرى، فمداعبة الريشة للوحدة، تنتج لمعانا ضبابيا، يعدل قوة الخطاب ويمنحه عذوبة وشاعرية، يتعاقد فيها الفنان مع الوفاء والوحدة، ويتوافق مع الإيقاعات الطبيعية، وهو توافق يعبر عن العقد الحسي للجسد والطمأنينة والسعادة والحلم التي هي أصل الفطرة.

فالجسد عنده بقدر ما هو قيمة جوهرية في أعماله الفنية، فقد يصبح أحيانا تافها في دلالته التشخيصية بإمكانه أن يذهب معنى الشيء، كما يمكنه أن يصبح جوهر هذا الشيء نفسه، وهنا بين تفاهة الجسد وأهميته تنمو لدى الفنان مكوار المقاربة التشكيلية التالية "إخراج الجسد من المادة" كإخراج القوة من الفعل، فعن طريقه تتشكل المادة والصورة باعتبارهما عاملان مجددان له كما أن هذا الأخير هو الذي يخلق "الموضوع الجمالي الذي يستأثر بإدراكنا الحسي وبانفعالاتنا أو على الأصح هو الوحدة التي تتألف من مجموعة من المعطيات الحسية باعتماد مبدأ: ما هو إحساس في الجسد هو أيضا إحساس في النفس وما هو فعالية فيها هو أيضا فعالية في الجسد، وبقدر ما يكون الجسد قابلا للانفعال وللفعل بقدر ما تكون النفس قادرة على إدراك عدة أشياء دفعة واحدة.

لوحات الفنان مكوار أسرع إيقاعا، والحركة أكثر عفوية

بالرغم من أن التشكيل ممارسة مادية ملموسة فإنه لم يفتأ يسعى إلى امتلاك روحانية الكلمة وإعادة صياغة فحواها وأبعادها، وبما أن التشكيل نفسه بلورة للأفكار المرئية، فإنه ظل موسوما بالتواصلية الإنسانية فيما قبلية المعنى ولكن في قلب ما يجعل الكلمة نفسها صورة أو علامة قابلة للتصوير داخل ما أسماه الفنان الجسد العلامة أو الجسد الرمز.

ولج الفنان مكوار من خلال معرضه الدديد الذي سيقام من 13 الى 30 اكتوبر الجاري بالمكتبة الوطنية بالرباط هذه التجربة التشكيلية المتمثلة في إدماج الحرف في اللوحة من غير ادعاء نظري أو تنظيري إلى حد ينصاع الحرف للرغبة الإبداعية للفنان، فيصبح الحرف موضوعا للتجريد، فهو لا يحمل معنى إلا في حضوره المادي لأنه ممزق وفي الحركة التي يزج بها داخل الفضاء المجازي الذي يتعدى المساحات اللونية التي حولها الفنان إلى تكوينات تدلنا على الواقع المر الذي نحاول الهروب منه إلى الحلم الذي يرغب فيه كل منا.

إنها فجوات في جدار الزمن حيث تفضي جميعها إلى متاهات بالغة الشفافية والسكون، تنبعث منها حقيقة المادة التي لم تعد خرساء، يعود ذلك إلى موقف إلى حالة ذهنية خاصة حيث يكون لكل شيء قيمة معنى ما، كثيرة هي الجزئيات التي تسمح بإمكانية إنشاء حكايات للصنع.

محمد مكوار: تجربة جديدة على ضوء ثلاثة مفاتيح استطيقية غير مستعملة

الذين سيتابعون أعمال الفنان مكوار من الفنانين والنقاد خاصة، خلال معرضه الذي سيقام بالمكتبة الوطنية بالرباط من 13 الى 30 اكتوبر الجاري، سيؤكدون أنه لا يمكننا الخوض في مناقشة أو تحليل ما يطرح من تساؤلات دون الرجوع إلى معارضه الأخيرة التي من خلالها وضع لبنات مشروعه "صراع الذات مع الأنا".

سنقرأ التجربة الجديدة للفنان مكوار على ضوء ثلاثة مفاتيح استطيقية غير مستعملة في النقد التشكيلي التقليدي وهي مفهوم "الغريزة التشكيلية" (وتقوم على الصراع والانفصال، صراع تراجيدي بين "الجسد والأنا/والآخر"؛ و"الهوية في الفن البصري"؛ والموضوع الجمالي.

أما فيما يتعلق بالجسد؛ فهي بالنسبة للفنان من المواضيع السهلة الممتنعة، التي ما إن يجتاز المتلقي بساطته حتى يدخل في عالم اللامرئي والوجداني والانفعالي، ليجد نفسه في مواجهة الأنا والآخر، فنباشر قراءة تقنية أخرى، لأن الارتهان لذلك ينم عن سقراطية تلتبس عليها الحياة، بينما يظل الجسد محافظا على فطرته دون الانصياع إلى متطلبات الأنا والآخر، فهو يغور في عمق الموجودات في كليتها ليخرج الجسد من سباته ومن نقصه إلى تمامه، أي ما كان موجودا قابعا (أو مقبوعا) في ذاته أصبح موجودا متحقق الفعل.

لوحات تختبر وقع الألوان وتناغمها وانسجامها

في معرضه الجديد الذي سينظمه من 13 الى 30 اكتوبر الجاري بالمكتبة الوطنية لم يدع الفنان محمد مكوار أنه يحمل رسالة أو أنه يريد تغيير العالم، ولم يدع أنه يسعى لتغيير قواعد الفن أو حتى أنه فنان، لأنه يؤمن بأن الفنان إنسان إلا أنه يمارس ويمارس عليه كل قوانين المجتمع الذي ينتمي إليه، فهو سجين ما هو يومي، يختبر فيه وقع الألوان وتناغمها وانسجامها مع الأشكال المتفاوتة التأليف، ومع موحيات الواقع الطبيعي والإنساني، حيث نجده يطرح الأسئلة على غرار الأدباء والمفكرين.

الإبداع ليس مسألة ترفيهية أو عبطية... بل هو مسألة وجودية لها علاقة عضوية بالكائن، خارج كل هوية وحشية تتغنى بالماضي وبأحادية التفكير المادي النمطي:

بهذا التأطير، يقدم الفنان مكوار منجزه التشكيلي تقديما يلقي به الضوء على غربة مريرة، وحنين حارق، ساهما بإخراج الفكرة إلى حيز الوجود، ويدفع بالمتلقي طوعا إلى استيعابها والانتشاء بما توفره له من تواصل وتعارف واحتشاد في وحدة الوجود.

ما يستعصي على الفهم هو إبراز وإظهار وإجلاء، ما يختفي وما يتوارى في منتوج الفنان، فمكونات اللوحة التي تقوم على حركات الأجساد وتوزيعها داخل الفضاء، فرادى أو مجتمعة أحيانا، في ضيعات مختلفة تحتدم فيها العلامات والرموز والأصباغ والآثار في بؤر هي طبقات تصويرية مشغولة بحسب وتائر ودرجات وإيقاعات تحكمها حضرة اليد وهي تشكل رقصا خاطفا يسجل نمطا من الكتابة التعبيرية، المحكمة بلمسات الفرشاة السريعة والتلقائية النابعة من نبض الذات وذلك عبر إيقاع يمارس لعبة الملء ويراعي قيمة الفراغ في آن واحد.