كاتبٌ ..لا يزعج أحداً

، بقلم جورج سلوم

لم يُسمحْ لي بالإفاضة في القول.. راقبتُ تعابيرَ الوجوه.. وآثرتُ الصّمت قبل أن يبدوعليهم الانزعاج.. قالوا:

- أقوالُكَ كثيرةٌ ياهذا... ويمكن تلخيصها بعبارة (لفّ ودوران ) فقط... مواقفكَ زئبقية تفتقد إلى الميول الصريحة.. وكتاباتُكَ جميلة ٌولكن تتّسم بالحَذَرْ.. ككرةٍ مطاطية صغيرة ملوّنة ترتطم بالجدران ضمن مكعّبٍ مُغلق... تتقافزُ كرتكَ وتعود من حائطٍ إلى آخر.. لا تكسر جدراناً ولا حتى تترك أثراً على الحائط.. وكرتكَ ناعمة الملمس أكثر مما ينبغي.. يبدو أنك تشحذها بمنديلكَ الحريري.. وتشذّبها بعناية.. وتنقّيها من النتوءات.. حتى أصبحَتْ ممسوحة الملامح ..انظرْ حتى بصماتكَ لا ترتسم على الجدران في أماكن الارتطام..

قلت:

- كنت أحاول تدوير الزوايا في كتاباتي.. فماذا أفعل لأتركَ أثراً لا ُينسى؟

- إما أن توجّه ضرباتكَ إلى أماكن الضّعف في الجُدران.. تُحسن التسديد.. تركّز التّصويب ..وتستعمل العُنف في التوجيه ..فينكسر زجاجٌ ما ..ويحدث اختراقٌ ملفتٌ للنظر.. أو تستبدل كرتكَ المطاطية بحجرٍ مشظّى يَجرَحُ.. ويُدمي.. ولا يتنطّط ويتقافز هروباً من الأثر الذي يتركه ..يكسِر ويحطّم ويبقى في مكانه صامداً.. ليصيح بملء صوته ..أنا الذي كسرت الزجاج.. أنا الحجر القاسي.. فمن يقوى على تحطيمي..

أجبتُ بصوتٍ أقرب إلى الهمس:

- عندما كنا صغاراً.. كنا نلعب لعبة التّرامي والتقاذف بالحجارة.. لكنّي كنت أختار الحصى أو الحجارة الناعمة.. تدغدغ فقط ولا تؤذي.. كنت أنبّه صديقي قبل أن أرمي.. ليتّقي حجري الصغير.. ولا أصيب منه مقتلا ولا حتى نقطة إزعاج ..وكانوا يضحكون منّي.. أو يضحكون عليّ..لا يردّون عليّ بالمثل..

كنتُ أبتعد ُ عن الزوايا الحادّة.... كنتُ غيرَ مزعجٍ لأحد.

وحتى لو أصابني حجرٌ مفاجئ على حين غرّة.. كنت أنطوي من الألم.. أنظر باحثاً عن الرّامي الذي يتخفّى منتظراً ردّة فعلي. وعندما يرى ابتساماتي المصطنعة.. يخرج من مَكمَنِه.. يقترب نحوي ويقول.. حجرٌ طائش.. نيرانٌ صديقة!..ثم تركتُ تلك اللعبة ووقفت مع الجمهور... ومع ذلك كنت أتلقّى بعض الأحجار الطائشة عندما أجلس في الصف الأول وأشجّع فريقاً ما.. بعدها تعلّمت أن أكون جمهوراً مراقباً متّخفياً خلف أحد الأشجار البعيدة.. لا أظهر حتى تنتهي اللعبة ..أهنّئ المنتصر لقوته ..وأهنئ الخاسر لصبره.. أمسح العرق عن جباه الفريقين... لا ينزعج مني أحد ..صاروا يعرفون أنني بلا موقف.

وقف كبير المجلس فجأة كإشارةٍ إلى انتهاء الجلسة.. ووقف المحيطون به.. وقال:

- أقوالكَ مكرّرة وقريبة من الثرثرة.. كتاباتكَ لا معنى لها.. أفكاركَ غوغائية ببّغائية.. مركبُكَ متوقّف لأنّ مجاذيفه مكسورة.. وربّانُه فاقدٌ لدفّة التوجيه... لكن انتبه قد ينقلب زورقك بما يحملْ إذا ما داهمته الأمواج.. أَسرع بالاقتراب نحو أحد الشطوط.. فالمياه السّاكنة التي تسبح فيها الآن قد لا تدوم ..استعمل الشّطوط في الكتابة لتصل إلى أحد الشّطوط!... والأديب الشطّاط الجريء خيرٌ من النطّاط المِهْذار!.

خرجتُ معتذراً وشاكراً الجميع على طول أناتهم ...ولم يكترثونْ ..ألقيت السّلام مودّعاً ..ولم يردّ عليّ أحد.. كنت سعيداً.. لم ينزعجْ أحدٌ منهم.

وحتى لا أطيلَ عليكم فينزعج أحدٌ ما... سأسرد لكم أنّ تلك القصة حدثت في مواجهةٍ مع اتّحاد الكتاب.. لم يقبلوا بي يومها ولم يعترفوا بي ككاتب.. ولم ينزعجوا منّي.. وهذا هو الأمر المهم..

بعدها كتبتُ بضعَ مقالاتٍ للصّحافة.. لم ينشرها أحد.. وعندما ذهبتُ لاسترداد أوراقي.. اعتذروا وقالوا:

- مقالاتُكَ أُهمِلت من عناوينها ..وتمّ إتلافها.. ماذا يهمُّ قارئنا من وصف معركةٍ جرت في بلادٍ اندثرتْ منذ زمن ولا وجودَ لها على الخارطة؟.. لماذا نُتعِبُ قارئنا في تشابيهَ وكناياتٍ مجازيّة مُبهمة؟.. نريد كلاماً مباشرا واضحاً.. لا لبس فيه.. بعيداً عن الحذر والخجل والمواربة ..الصّحفي الناجح يحضر إلى قلب المعركة كشاهدِ عيان.. يكتب ويوثّق الحدث.. يحمل وِزر كلماته.. ولو أصبح محسوباً على فريق ما..

قلت:

- شكراً لكم ..المهمُّ ألا ينزعج أحدٌ مني.

شهادتي الجامعية تؤهّلني لكي أعملَ مدرّساً للغة العربية.. لكنْ أخشى أن ينزعجَ طالبٌ ما لو انتقدته على إعرابٍ خاطئ.. وحتى لو عمِلتُ في روضة أطفال –حيث لا يوجد إعرابٌ للمفردات – لن أستطيعَ تحمّل بكاء طفلٍ .. يريد لعبة رفيقه ولا يستطيع امتلاكها...
أنا أعرف أنّ إرضاء الناس غايةٌ لا تُدرك.. لذلك سينزعجُ الرّاكب معي لو عملت سائقاً في تكسي.. فالأجر الذي يرضيني سيزعجه.. ولو عملت بائعاً للخضار ستنزعج تلك السيدة من ثمن تفاحاتي وغلاء موزاتي ..ولو عملت بائعاً للورد سأهَبُ الورود هبةً للمحبّين فأخسر وأصبح متسوّلا ً..

وجدتُ ضالّتي أخيراً.. في عملٍ أتقن الكتابة فيه ولا يزعج أحداً.. لماذا؟.. لأنني ببساطة أكتب فيه ما يقولُ غيري.. فلا وزرَ ولا مسؤولية.. ولا يقوّلني أحدٌ مالم أقله.. أصبحتُ الآن كاتباً في المحكمة!

قال النائب العام:

- انسَ أنّكَ مدرّسٌ للعربية... اشطب من قاموسكَ الفعل المبني للمجهول..نحن هنا نبحث عن المعلوم..عن الفاعل..عن المُجرم..لا كنايات..لا تشبيهات..لا صور بيانية..اكتب فقط ما يقوله المتّهم..وبلغته ولو كانت العامية...أنت ببساطة آلة تسجيل ورقية..ولا تنسَ تذييل القول بتوقيعه فهو مسؤول عن أقواله..والآن افتح محضراً وباشر الكتابة..

- أمركَ يا سيدي..أنا حريصٌ ألا ينزعج مني أحد.

افتتحتُ المحضر بالبسملة...وبدأت بالتاريخ والساعة.. وبحضور النائب العام.. قال:

- سين..... وجاء السؤال كالقضاء والقدر.

- جيم.... وأجاب المتهم مدّعياً البراءة.

- سين.... والأدلة كاسحة والبراهين واضحة.

- جيم....ودفاعٌ عن النفس وتلاوة قصص وروايات.

أبدَعْتُ في كتابة ما يقولون. .قصصٌ اجتماعية متناقضة بين المتّهمين والشّهود.. حبْكةٌ معقّدة يسترسل فيها الرّواة بلغتهم. .ويحصرهم المحقق في خانةِ الشكّ.. فيهربون.. ويسردون. .ويكذبون.. و..و.. يبكون!

كتبتُ رواياتٍ اجتماعية من قلب الحدث. .كان يحلم نجيب محفوظ لو يسمعها.. ليستقي منها حكاياته. .نثرت كلماتي على وقع دموع الزوجات وعليهنّ آثار اللطم والعنف البيتي.. وسردت حكاياتي بلغة اللصوص والسارقين.. وكتبت اتهامات سياسية كنت أعجز عن قولها لوحدي..الآن يشفع لي توقيع المتهم على ما قال.

حتى اليوم لم ولن ينزعج أحد مني... فأنا أكتب ما يقول الآخرون.

وفي ساحة المحكمة. .بدأت الملحمة..صاح المنادي:

- محكمة !

انشق إزار الكلام..وحلّ وشاح الصمت..دقّ القاضي بمطرقته. .فاشرأبّت الأعناق وشخصت الآماق. .قال القاضي:

- اكتب يا بني..

وكتبت. .وكتبت..ادعاءات ودفاعات..اتهامات وافتراءات..أحكام وبراءات..سجونات وإعدامات.

..كتبت بخطّ يدي رسائل إلى وزير العدل.. وإلى المفتي. .وأعطيت صكّ البراءة للكثيرين..
ولم ينزعج مني أحد.

أكتب الآن ما يحلو لي..قد تكون أنت المتّهم..مادُمْتَ ستذيّل كتاباتي بتوقيعكَ..سيفرجون عنكَ بخطّ يدي. .وسيعدمونك بجرّةٍ من قلمي...لم يطلب أحد مني قراءة ما كتبت قبل أن يوقّع. .ولم يراجع أحدٌ شيئاً مما أمْلِي َ عليّ..فقط يبصمون ويوقعون ورؤوسهم مطرقة إلى الأرض..وبناء على ما سبق..أقفِلَ المحضر بالتوقيت والتاريخ المناسبين..

ومازالت الأحكامُ جاريةً.. وكتاباتي متواصلة.. ولن ينزعج مني أحد.