رواية «الصوفي والقصر» في اليوم السابع

، بقلم جميل السلحوت

ناقشت ندوة اليوم السابع في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس رواية "الصوفي والقصر-سيرة ممكنة للسّيّد البدويّ" للرّوائيّ المتميّز الدّكتور أحمد رفيق عوض، صدرت الرواية عام 2017عن دار الشروق للنّشر والتّوزيع في عمّان ورام الله. وتقع في 304 صفحات من الحجم المتوسّط.

بدأ النقاش جميل السلحوت فقال:

بداية يجدر التّنويه أنّ الرّوائي أحمد رفيق عوض بدأ كتابة الرّواية بتميّز واضح، فقد لقيت روايته الأولى "العذراء والقرية" التي صدرت طبعتها الأولى عام 1992 ردود فعل إيجابيّة واسعة، رغم المتاعب التي جلبتها له، حيث أنّ الأديب المصري المعروف جمال الغيطاني وصفها بأنّها" أفضل رواية عربيّة قرأتها في العقد الأخير" واقترح ترجمتها إلى لغات أخرى كنموذج للرّواية العربيّة المعاصرة.

وواضح أنّ د.أحمد رفيق عوض الذي صدرت له قبل هذه الرّواية ستّ روايات أخرى، يستفيد برواياته من التّاريخ بطريقة لافتة، وهذا ما لاحظناه في روايته مثل "مقامات العشّاق والتّجار"، و"القرمطي" التي حازت على جائزة الملك عبدالله الثّاني الأردنيّة للرّواية"، وعكّا والملوك".
وأديبنا الذي عانى كثيرا في طفولته وبداياته، استطاع أن يثبت نفسه أكّاديميّا، أدبيّا، إعلاميّا واجتماعيّا بجدّه واجتهاده، يعرف جيّدا كيف يختار مواضيع رواياته، التي تحمل في ثناياها دلالات يمكن سحبها على الواقع المعاش حاليا. ففي روايته هذه التي نحن بصددها "الصّوفيّ والقصر" عاد بنا إلى القرنين الثّاني والثّالث عشر الميلاديّين، وما تخلّلهما من انكسارات وهزائم وتفكّك، جعلت المشرق العربيّ نهبا للطّامعين والغزاة الفرنجة والتّتار.

وسيلاحظ القارئ للرّواية أنّ الكاتب ليس ناقلا للتّاريخ بحرفيّته، فهذه ليست مهنة الرّوائيّ، وإنّما استفاد من مفاصل تاريخيّة لبناء روايته، التي رافقتها حقائق تاريخيّة ومعلومات حقيقيّة، معجونة بخيال الكاتب المبدع، فالتقط سيرة السّيد أحمد بن علي بن يحيى الملقّب بالبدوي أحد مؤسّسي الصّوفيّة، والذي يعدّ مع عبد القادر الجيلاني، والشّيخ أحمد الرّفاعي من أشهر أعلام الفكر الصّوفيّ.

ومعروف أنّ الصّوفيّة حركة دعويّة لها فكرها الخاصّ في الزّهد بالدّنيا ومتاعها، ولها طريقتها الخاصّة في معرفة الذّات وعلاقتها بالذّات العليا.

وقد شكّلت هذه الحركة نهضة فكريّة في مرحلة الدّولتيّن الأيّوبيّة والمملوكيّة. ومن خلال الرّواية سيلاحظ المرء مدى السّطوة التي حظي بها أعلام الصّوفيّة، حيث كان يخشاهم الولاة والسّلاطين، ويستجيبون لمطالبهم خوفا من شعبيّتهم والتفاف الجماهير حولهم، هذه الجماهير التي فسّرت استجابة الحكّام لمطالب الدّعاة ومنهم "البدويّ" بأنّها كرامات إلهيّة.
والشّيخ البدويّ بطل الرّواية الرّئيس ولد في مدينة فاس المغربيّة، هاجر إلى مكّة طفلا، وتلقّى علومه فيها، وعندما بلغ الأربعين اتّجه إلى بلاد الشّام حيث شاهد تحرير الملك النّاصر داود القدس من الصّليبيّين، ثمّ ارتحل إلى دمشق، ومن بعدها إلى العراق حيث زار ضريحي معلّميْه عبد القادر الجيلاني، وأحمد الرّفاعي، وساءه ما رأى من تفكّك الحكّام وتآمرهم على بعضهم البعض لدرجة التّحالف مع التّتار والفرنجة، فعاد إلى مكّة ثانية، ومنها رحل إلى دمياط في مصر.
ويلاحظ من خلال الرّواية أنّ "البدويّ" يتّصف بالتّقوى والورع والزّهد، والجرأة في قول الحقّ، ولا أطماع ولا مصالح شخصيّة له، فقد رفض عطايا الحكّام والولاة، ورفض حياة التّرف التي كانت تعرض عليه، حتّى أنّه ابتعد عن النّساء، ويلاحظ أيضا مدى تقديس الشّعوب لضريحي علماء الصّوفيّة "الجيلاني والرّفاعي". ولاحقا وحتّى يومنا هذا لا يزال ضريح "السّيّد البدوي" قائما في مدينة دمياط المصريّة، كمزار مقدّس يؤمّه المؤمنون ليتقرّبوا إلى الله بعباداتهم وصلواتهم فيه.
ويلاحظ من خلال توطئة الكاتب للرّواية أنّ السّيّد البدوي كان يحظى بتأييد واسع من مختلف الاّتجاهات "فقد ذًكر أنّه شيعيّ، وأنّه سنّيّ، وقيل أنّه منصوّف، وقيل أنّه تستّر بالتّصوّف، وقيل أنّه من آل البيت.......وقيل أنّه لم يكن موجودا أصلا!"

وهذا يعني أنّه بطل شعبيّ بكلّ المقاييس.

ما الهدف؟ وإذا ما تساءلنا عن الهدف الذي يبغي الكاتب الوصول إليه من هذه الرّواية؟ فإنّه يمكننا اختصار ذلك، بأنّ الكاتب الذي يعيش مرحلة التّردّي التي يعيشها عالما العربيّ في هذا العصر، فإنّه عاد إلى التّاريخ ليستخلص العبر منه، فكانت مرحلة الرّواية في القرنين الثّاني والثّالث عشر المياديّين، حيث كان ملوك الطّوائف، والغزاة الطامعون، والفقر والحرمان والجهل والتّفكّك، ثمّ ما لبثت الأمّة أن اعتدل حالها من خلال مصلحين ورعين ابتعدوا عن مصالحهم الشّخصيّة، ورغم مرارة المضمون الوارد في الرّواية، إلا أنّها تحمل دلالات تبشّر بأنّ الانكسارات التي تعيشها الأمّة والنّاتجة عن التّذيّل للأجنبيّ، والرّضوخ له، لن تطول، فسينهض من أبناء هذه الأمّة من يقود مسيرتها ويعيدها إلى أمجادها.

البناء الرّوائي: استطاع الكاتب بطريقة مذهلة أن يسيطر على مئات الشّخصيّات والأحداث والحكايات، وأن يربطها ببعضها البعض بأسلوب يطغى عليه عنصر التّشويق، فبنى روايته بطريقة محكمة لا خلل فيها، وهذا يثبت مدى الجهد الهائل الذي بذله فيها.

وقال عبدالله دعيس:

تكتنفنا الحيرة عندما نستطلع ما يدور من أحداث في أقطار العالم الإسلاميّ، أحداث تجعل الحليم حيرانا. نحاول أن نحلّلها ونفهمها لنعرف ما يدور حولنا، لكنّ الأحداث تتسارع وتختلط الأوراق بشكل غريب، فتجعل الإنسان يتوه في دروب نفسه وأعماقها، وهو يحاول أن يفهم ذاته من أجل أن يفهم ما يدور حوله، وأن يفهم لماذا يتصّرف النّاس بهذه الطريقة، وكيف يصرّون على صنع تاريخ مقيت ستتجنّب الأجيال تدوينه والحديث عنه، قبل أن ينبري المنتصر لكتابة تاريخ يمجّد انتصاره؟ وهناك ستضيع حكايات النّاس العاديّين الذين اكتووا بنار الحرب والدّمار، والذين تاهوا في براثن النفس الإنسانيّة العاصفة، والتي عادة ما تلتجئ وقت المحن إلى الغيب؛ تستر فيه عوراتها، وتحاول أن تنطلق في عوالم أخرى غير مفهومة، عندما تجد نفسها مكبّلة في أصفاد الفتنة.

يعود الكاتب الدكتور أحمد رفيق عوض في رواية (الصوفيّ والقصر) إلى أحضان التّاريخ ليلتقط منه ومضات لأحوال تشابه أحوالنا، ولحظات سقوط مدوّية، في عصر ادلهمّ وسقط فيه الملوك في أتون الخيانة وأوحال التقصير والهزيمة، ويستطلع أحوال النّاس في ذاك الزّمان: جبنهم وشجاعتهم، خيانتهم وإقدامهم، نكوصهم وتضحيتهم، فسقهم وتديّنهم، ليضيء للقارئ شمعة تنير له دربا لفهم الحاضر، فما أشبه اليوم بالبارحة!

يختار الكاتب شخصيّة السيّد البدويّ، أحد أقطاب الصوفيّة، والذي عاش في عصر تكالب فيه الصليبيون والتّتار على أقطار العالم الإسلاميّ، وسقطت عاصمة الخلافة بغداد وتمّ تدميرها، بينما كان الملوك من أحفاد صلاح الدين الأيوبيّ يتصارعون فيما بينهم، ويطحنون مقدّرات الأمة في حروبهم الداخلية، ويهادنون الصليبيّين ويقدّمون لهم القدس هدية سائغة دون قتال ولا نزال؛ فقد انحدروا في جرف من الخيانة والرذيلة، يشابه إلى حدّ بعيد ما يقوم به حكّام العرب في عصرنا الحاضر. لكنّ السيد البدوي لم يفارق الدنيا، حتّى انتهى عهد هؤلاء الملوك وذهبت دولهم، وبدأ عهد جديد هُزم فيه التّتار وعادت الخلافة من جديد.

فكانت هذه الرواية رحلة مضنية في بلاد العالم الإسلامي المحطّمة، ورحلة أخرى في أعماق النفس البشريّة من خلال تأمّلات الشّيخ الصوفيّ، وكان اختيار الشخصيّة والزمان والمكان موفّقا، حيث المجال الخصب للخيال. فعلى الرغم من شهرة الّسيد البدوي، إلا أنّه لا يُعرف عن حياته إلا شذرات قليلة، ويشاع عنه الكثير من الخرافات والكرامات. التقط الكاتب هذه الومضات، ليبني نصّا روائيّا رائعا يأخذ المتلقي إلى ذلك العالم، وإلى تلك الحقبة الزمنيّة بكلّ كيانه وشعوره، يحزن لحال المسلمين في ذاك الوقت، لكنّه يراهم وهم ينهضون دائما من كبوتهم ليصدّوا الغازي ويدحروه، فينبعث الأمل من بين ركام الألم عندما يرى حالا مشابها، ويتطلّع إلى نصر كنصر عين جالوت.

فالهدف من الرواية، كما فهمتها، إسقاط الواقع الحاضر على واقع تاريخيّ مشابه، ومحاولة فهم الحاضر من خلال الماضي، وكذلك محاولة تفسير سلوك الإنسان وولوج أعماقه من خلال شخصيّة الشيخ الصوفيّ. ويُظهر الكاتب دورا إيجابيّا للصوفيّة في التاريخ الإسلاميّ، في وقت نجد فيه الصّوفيين في العالم الإسلاميّ المعاصر يصطفّون مع الحكّام العملاء، من أجل الحفاظ على مكتسبات مادّية بعيدة عن روح الصوفيّة ومعناها النّبيل.

لغة الكاتب سهلة مفهومة للقارئ المعاصر، جعل من خلالها شخصيّات تاريخيّة تتحاور بلغة معاصرة بمفاهيمها ومصطلحاتها الحديثة، ممّا سهّل فهما على القارئ. لكن هذه اللغة الحديثة أخرجت القارئ أحيانا من الجوّ التاريخيّ الذي يعيشه أثناء القراءة: ومن ذلك استخدام مصطلح الاحتلال للدلالة على الغزو الصليبيّ علما أن هذا المصطلح حديث وترجمة حرفيّة عن كلمة occupation الإنجليزية، وكذلك استخدام (من قِبَل) في حوار الشخصيات التاريخيّة، ففي صفحة 99 يقول حسن لأخيه أحمد: إننا مراقبون من قبل هذا الرجل، ويقصد به العلقميّ. وهذا استخدام حديث غير مستساغ، وهو من تأثير الترجمة من اللغات الأخرى. ويستخدم الكاتب مصطلحات حديثة أخرى، مثل: "سعيد برؤيتك يا شيخ في كلّ الظروف." وما إلى ذلك.

ووقع الكاتب كذلك ببعض الأخطاء التاريخيّة واللغويّة، فذكر أن سيطرة الصليبيين على القدس دامت ثمانين سنة والصحيح أنّها ثمان وثمانين سنة شمسيّة، وكذلك عندما ذكر الشيخ عبد الوهاب المقدسيّ الذي قابله السيد البدويّ في العراق بعد أكثر من خمسين سنة من فتح القدس، قال له أنه يذكر غزو الصليبيّين للقدس وكان عمره عشر سنوات حينها، وبعملية حسابيّة بسيطة نستنتج أن عمر الشيخ كان حوالي 150 سنة، وهذا لا يُعقل. وأخطأ الكاتب في آية قرآنيّة، فكتب في صفحة 165: وكان الإنسان أكثر شيئا جدلا، والصواب :"وكان الإنسان أكثر شيء جدلا." ووقع في بعض الأخطاء اللغوية الأخرى مثل قوله في صفحة 229 (إنّ فقهاء الشام وكبرائها ومتكلميها وشعرائها) والصواب كبراءها وشعراءها.

حبذا لو نعود إلى تاريخنا، ندرسه بموضوعيّة، لنرى مواطن الضّعف قبل أن ننظر إلى مواطن القوّة والانتصار، علّنا نستطيع أن نفهم حاضرنا ونخرج من ظلماته مستفيدين من أخطاء الماضي، ماضين في دروب الأولين غير يائسين؛ فبعد احتلاك الظلمة سرعان ما ينبلج الفجر. وفي هذا الكتاب، قام الكاتب بنفخ الروح في حقبة تاريخيّة مظلمة، كثيرا ما يُغضّ الطّرف عنها، فتنطلق كتب التاريخ من نصر حطّين إلى نصر عين جالوت دون أن تعرّج على وضع آسن جعل الصليبيّين يستمرّون في طغيانهم، ومكّن التّتار من عواصم الإسلام وحواضره. وكانت سيرة السّيد البدوي المفترضة، التي نسجها الكاتب معتمدا على أحداث تاريخيّة معروفة، وسيلة ناجحة في تقريب هذا التاريخ إلى الأذهان وفهمه، فقد أبدع الكاتب في رحلته في غضون التاريخ وفي رحلته الأخرى في أعماق الإنسان وشجونه.

وقالت نزهة أبو غوش:

شخصيّة بطل الرّواية الخارق

أمسك كاتبنا الفلسطيني الرّوائي، أحمد رفيق عوض بفترة زمنيّة من التّاريخ – نهاية العصر العبّاسي، زمن حكم ابن رسول والملك الكامل في اليمن، والملك النّاصر في بيت المقدس، والملك الصّالح نجم الدّين في مصر- وراح يعالجها كمن يمسك حزمة من السّنابل يحرّكها كما يشاء، مع الحفاظ على الحزمة الأصل.

اتّخذ الكاتب أحمد رفيق عوض بطل روايته، "أحمد" شخصيّة خياليّة من صنع خياله، حرّكها بصورة ذكيّة ومرنة عبر المكان والزّمان. من مكّة إِلى بيت المقدس، إِلى دمشق والموصل، ثمّ إِلى بغداد، وعودة إِلى بيت المقدس؛ ثمّ نابلس وغزّة وأخيرا إِلى مصر.

شخصيّة بطل الرّواية، الشّيخ أحمد سيطرت نوعا ما على تحريك الأحداث وكان لها دور إيجابيّ في تحريكها، حيث أنّ الشّيخ أحمد هو إِنسان يعرف الله ويخافه تقوم طريقته على الاخلاص والمحبّة ودوام الذّكر، ودوام العمل لكسب الرّزق. هو بعيد عن الشّعوذة والسّحر والحيل بأنواعها؛ هو نصير للفقراء والجوعى، وهو أقرب للطّبيب المعالج، قويّ البنية والشّخصيّة القيادية، متقشّف في كلّ شيء حتى الكلام. يمكننا القول بأنّه إِنسان متصوّف يختلف عن كثير من المتصوّفين الّذين لهم مدارسهم ومعتقداتهم وسلوكهم وطرقهم العديدة، الّتي تختلف من مجموعة إِلى أُخرى.

جعل الكاتب من بطله شخصيّة مثاليّة في نظرته للحياة والدّين وعبادة الخالق، وسلوكه كان مثاليّا في كلّ شيء. هو الّذي هرب من جبل قبيس في مكّة المكرّمة، مسقط رأسه وإلهامه؛ خوفا من محاربة أبناء دينه وملّته.

هو الّذي جاهد بقوّة ضد الفرنجة في بيت المقدس، وشارك بتحرير الأقصى. هو البطل الّذي خلّص القافلة من قطّاعي الطّريق أثناء رحلتها في الطريق الصحراوي من دمشق إِلى بغداد، وذلك من خلال أُسلوبه السّلس المرن الهادئ المقنع، فنرى كيف خضع اللصوص وأعادوا ما سلبوه، وندموا على فعلتهم واستغفروا الله وصلّوا خلف الشّيخ أحمد؛ كذلك دفاعه عن القافلة ضدّ الحشيشية الاسماعيليّة الهاربة من التّتار.

نقل الكاتب والرّوائي أحمد عوض بطل روايتة أحمد بصحبة أخيه حسن بين أضرحة الصّالحين، الّذين يؤمن بطريقتهم الصّوفيّة وسلوكهم وليس بمعتقداتهم. فهم القدوة لكل مسلم أراد الحياة العمليّة الشريفة المتقشّفة البعيدة عن الغرور والمباهاة وإِظهار الذّات. لقد زار ضريح الشّيخ البغدادي في العراق، والشّيخ عبد القادر في دمشق، والشّيخ الرّفاعي والجيلاني في بغداد؛ كذلك زيارة ضريح عدي بن مسافر في جبال هكار الّذي يختلف عن طريقته، حيث أنّ أتباعه يؤمنون بالتّناسخ وجمعوا بين الدّيانات المختلفة، فهم كما سمّاهم الرّاوي: " عبدة أوهامهم". بطل الرّواية الشّيخ أحمد استطاع أن يفعل ما لم يقدر عليه أحد من الزّهاد، حيث استطاع أن يردّ الأميرة فاطمة بنت بريّ في بادية الموصل عن عادتها الغريبة، وهي الاغواء؛ بسبب جمالها المنقطع النّظير.

توصّل بطل الرّواية إِلى أن يكون وسيطا بين الجنود وبين الدوادار والعلقمي للدّفع للجنود الّذين وقفوا جائعين عراة أمام قصر المستنصر، وقد نجح في مهمّته نجاحا ملحوظا.

من خلال تنقّل الشّيخ المتصوّف بين الأضرحة المذكورة أعلاه اكتشف عادات وسلوك وطبيعة البلاد الّتي زارها، ففي بغداد لمس الفرقة والغربة والمجون والفجور واختلاط الاجناس واللغات والفسق، هناك أحياء للسنّة وأحياء للشّيعة، هناك من مؤيّد للتّاتار ومن معارض، خلاف ما بين الفرس والعرب، خلاف على الجواري والغانيات؛ كذلك الأمر في دمشق، حيث شاهد بأُمّ عينيه الخلافات بين أصحاب المذاهب الأربعة، والقتال وسفك الدّماء الّذي نتج عن تلك الخلافات؛ وفي الشّام حزن من مصانعتهم الفرنجة؛ من أجل مصلحة زعامتهم وكراسي حكمهم، حتّى أنّ هؤلاء لم يؤمنوا بقدوم الـتّتار لغزو بلادهم؛ لذلك كره الشّيخ أحمد العيش في هذه البلاد وتوجّه إِلى مصر لمحاربة الفرنجة أعداء الاسلام. آمن بأنّ "لا حياة مع الاحتلال، ولا محبّة ولا أمل" ص276.

في مصر لقّب المصريّون البطل الشّيخ أحمد ب "السّيّد البدوي". نحن نسمع بأنّ هناك ضريحا في مصر باسم السيد البدوي من خلال الأفلام والرّوايات، فربّما كان هذا سببا استوحى به الكاتب هذا الاسم.

لمس الفلّاحون المحاربون للتّتار بمشاركة السيّد البدوي مدى قوّته وشهامته في التّصدي للأعداء وسط الليل والعتمة والأمطار والرّياح، فكان في نظرهم القائد القدوة صاحب الكرامات.
وقال عماد الزغل:

إنها نفس الجدليّة التي نعيشها اليوم في الصراع بين حركات الإصلاح الدينيّ والسياسيّ والتي ترى أن بناء الدول يجب أن يستند إلى الكتاب والسّنّة، وبين الحركات العلمانية واللادينيّة التي تريد أن تضع حدّا لتدخّل الدّين في شؤون السّياسة، وهو صراع موغل في القدم وسيستمر إلى آخر الزمان.

ثم وجدت هذه الحركات نفسها مرة أخرى في المعركة نفسها في العصر الحديث، حيث انبثقت حركات التّحرر في المغرب العربيّ من الزوايا الصوفيّة، فكانت حركة المهديّة في السودان والتي طردت الاستعمار البريطانيّ ربيبة الحركات الصوفيّة، وتربّى عمر المختار في زاوية الجغبود، وكذلك حركات التحرّر في الريف المغربيّ بقيادة عبد الكريم الخطابي، وحتى الشيخ حسن البنّا الذي تربّى على الطّريقة الحصافيّة.

وفي رواية "الصوفي والقصر" أجاد الكاتب في التّعبير عن روح الصوفيّة مجسدة بشخصية السيّد البدويّ، وكانت لفتة غنيّة بالمفردات الصّوفيّة، وغاص في فلسفتهم وأحوالهم وعبادتهم بلغة حيّة مشرقة شفّافة، وكأنّه يعيش بينهم، وفي رأيي أنّ الكاتب بحكم تخصّصه في العلوم السياسيّة قد درس طرقهم وأحوالهم، ويظهر ذلك في تصنيف الطرق الصوفيّة واتّباع السيّد البدوي طريقة الجيلاني في الإصلاح.

لقد أجاد الكاتب في نسج سيرة السّيد البدويّ وجعله جزءا من واقع العالم الإسلاميّ آنذاك، وأحسن استخدام الأدوات الفنيّة كالمكان والشخوص واللغة المعبرة الموحية، التي لا يحسن استخدامها سوى من تلبّس بلباس الصوفيّة وعاش معهم، وسبر أغوارهم.

وفي الوقت نفسه فإنّ الكاتب يقارن بين الصوفي السلبيّ الذي ينقطع للعبادة، وربما للابتداع، وينعزل عن السياسة ليشتغل بإصلاح نفسه، وبين الصوفي الإيجابيّ الذي يحمل مشعل الإصلاح والتّصدي لطواغيت السلطة حاملا لواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو من صلب الدّين.

ولقد أثار الكاتب بقصد أو دون قصد، جدلية العلاقة بين المؤسسة الدينيّة وبين أرباب الدولة والسلطان، وحالة الفصام النكد بين المؤسّستين، حيث حاولت كل مؤسّسة السيطرة على الأخرى في حالة من الشّدّ والجذب على مدى التاريخ.

وهي الحالة نفسها في كل الحركات الصوفيّة، فالمذاهب الصوفيّة الي تجعل الانقطاع إلى الله سبيل النجاة، وجدت نفسها في مقدّمة حركات التّحرر والإصلاح في القرنين الخامس والسّادس هجري أثناء الغزو الصليبي والتتريّ لبلاد المشرق العربيّ، وهو ما ذكره الباحثون في التّاريخ الإسلاميّ وعلى رأسهم الدكتور ماجد عرسان كيلاني في كتابه (هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس) حيث يرى أنّ حركة إحياء الدين في القرنين الخامس والسّادس الهجريين، والتي قادها حجّة الإسلام أبو حامد الغزاليّ ومن قبله إمام الحرمين الجوينيّ، ومن بعده الجيلانيّ، كان لها أعظم الأثر في إحياء روح الأمّة وتخلّصها من الاحتلالين الصليبيّ والتتريّ.

يبحر الكاتب أحمد رفق عوض في أعماق التاريخ، ليكتب لنا رواية تاريخية هذه المرّة، ولكنّها ليست بعيدة عن الواقع، إنّه يمتح من ماء التّاريخ ليروي واقعا مأساويّا عربيّا يشبه إلى حدّ كبير الأبعاد الجيوسياسيّة التي كانت في واقع تلك الأيام.

يكتب أحمد رفيق عوض، كما قال فيه علي الخواجة في يوم من الأيام، بطاقة تعبيريّة هائجة، مستوحيا أحداث قصّته من سيرة مفترضة للسيّد أحمد بن عليّ البدويّ الصوفيّ العابد الذي تعركه أحداث السّياسة فيقرّر الفرار منها، لكنّه يجد نفسه في أتونها مرة أخرى، محاولا إصلاح نفسه تارة والنجاة بها وإصلاح أمر العامّة تارة أخرى.