واحيفاه... واحيفاه!

، بقلم حسن عبادي

أصر أحمد حسين على أن حياته فقط من فصلين: طفولة سعيدة سحقتها النكبة ودمرت ذكرياتها الجميلة عندما بلغ سن العاشرة، وفصل آخر يمتد منذ 65 عامًا ولا يعني له شيئًا وقد عايش فيه كل تقلبات الاحتلال وأوجاعه المؤلمة. "كل ذكرياتي الجميلة مرتبطة بطفولتي المبكرة وتشكل حقيقة عالمي الشخصي حتى اليوم، وأستمدُ منها ما يشحذ أشعاري وكتاباتي، وغالبًا ما تعود ذاكرتي للوراء لتلتقط صورًا للعلاقة الحميمة بين مدينة حيفا التي ترعرعت فيها ومنازل أفراد العائلة الكبيرة في قرى مصمص واللجون وأم الفحم حيث البساتين التي يمتلك بعضها أعمامي".

"لا زلتُ طفلًا ذبيحًا في العاشرة من عمره، يلهو في شوارع حيفا" هذا ما كتبه أحمد الذي وُلِدَ في حيفا عام 1938 وهُجِّر منها مع عائلته إلى مصمص التي بقي فيها ،هو كاتب، مفكّر ومناضل، من أدباءنا الّذين آثروا البقاء في الظلّ رغم غزارة انتاجه الأدبيّ، صاحب موقف وطنيّ ثابت، ملتزما بموقفه الفلسطيني الأصيل، بالأرض والإنسان، بعيدًا عن المناورة والمهادنة وهو القائل:

إن كان قصدُهُمُ دمي فليشربوا
لكنَّ أرضي الغولُ والعنقاءُ

في شهر آذار 2016 استضفنا في نادي حيفا الثقافي ابن حيفا الشاعر أحمد دحبور الذي ولد في حي وادي النسناس الحيفاوي عام 1946 وهُجِّر منها في النكبة وعمره سنتان، وبعد تجوالنا في شوارع حيفا، جلسنا لنشرب القهوة برفقة زميلي المحامي فؤاد نقارة، استرسل بأبيات شعر لأحمد حسين وقال إنه أبقاه في حيفاه، وبعد قراءته لشعر أحمد كتب قصيدته:" يا طيورًا طائرهْ ... يا وحوشًا سائرهْ ... بلّغي دمعَ أمي أن حيفا لم تزل حيفا ... وأني أسأل العابرَ عنها في ربوع الناصرهْ" وحفظ أشعار أحمد عن ظهر قلب، للإغتراب والمنفى حضور مميز في حياتهما، عبّرا عن رغبتهما بلقياه في حيفاهما ولكن المرض حال دون لقاء الأحمدين وألقى قصيدته في مقهى حيفاوي:

"وكيف جئت أحمل الكرمل في قلبي
ولكن كلما دنا بعد؟
حيفا، أهذي هي؟
أم قرينة تغار من عينيها؟
لعلها مأخوذة بحسرتي
حسرتها علي أم يا حسرتي عليها؟
وصلتها ولم أعد اليها
وصلتها ولم أعد اليها
وصلتها ولم أعد"

وأوصى بإيصالها لأحمد لكن الموت غيّبهما ... ورحلا عنا، وها أنا أوصلها لأحمد.

أحب الشعراء حيفا فقال فيها عبد الله منصور:

"أُحبكِ قُلتُها دومًا لقنديلٍ يرى أرقي
أُحبكِ قُلتها للريحِ للأطفال للمطرِ
أُحبكِ ...ها أُرددِّها من المنفى
أُحبُّ حبيبتي حيفا"

وقال محمود درويش:

"أُحبّ البحار التي سأحبُّ
أحبُّ الحقولَ التي سأحبُّ
ولكنًّ قطرة ماءٍ بمنقارِ قبّرة في
حجارةِ حيفا
تعادِلُ كلَّ البحار"

وكتب عنها البحيري وأبو سلمى وغسان كنفاني الذي "أعادها" في روايته "عائد إلى حيفا" وغيرهم ولكن يبقى أحمد عاشقها الأول وظلت حيفا هاجسه، وقال في ديوانه "قراءات في ساحة الإعدام"

"ولكنّ القصيدةَ لا ترى سببًا لتأتي
ما كنتُ أحزنُ كلَّ هذا الحزنِ
لو أنّي سأحزنُ بعدَ موْتي
ألِأنَّ حيفا لم تعُدْ بلدًا
أموتُ بدونِ ذاكرةٍ
ولا شيء أغادرهُ، كأنّي لا أغادر!
إنّي قُتلتُ
ولم أعدْ جسَدًا لغيرِ سيوفِهِمْ
(ما لي وأسبابِ الوفاةِ
لكلِّ قبرٍ قصّةٌ)
لكنّني زمنٌ وحادثةٌ وشاعرْ".

رحل أحمد وغاب، لكن غيابه يشتدّ حضورًا.

في تأبين أحمد حسين (2017-1938)