حذار من...مرور الكرام!

، بقلم جورج سلوم

كنتُ من الوجوه الصيفية التي تزور البحر بشكل موسميّ..مع أنني لا أعرف السباحة..ولا أومن بها.

كنت أحجُّ سنوياً إلى شاطئ البحر..باحثاً بين جميلاته عن نصفِ ديني..لكنني كنت أعود ناقصاً..ووحيداً..

كنت أطوفُ بينهنّ..أدور حولهن..أصلّي لهنّ..أرمي شباكي..وأعود كافراً..

فلا البحر قبِلَ زيارتي..ولا حورياته رضينَ بي..

الكلّ أنكرني..واعتبر حجّي نوعاً من المرور..كمرور الكرام!

قلت لإحدى جميلات الشاطئ:

- سبق أن التقينا مراراً في الصيف الماضي ألا تذكرين؟

أجابت بلا اكتراث:

- لا أظنّ أنني شاهدت هذا الوجه قبلاً.

وأجابت أخرى على نفس السؤال:

- يجوز أني رأيتكَ في محطة القطار؟...أو بين الجمهور في ملعب كرة القدم ؟ لكنك قطعاً لست من حُجّاج الشاطئ إذ لم تغُصْ في البحر يوما ً..لم تغامر بحياتك لاقتناص إحدى حورياته..لم تقدّم قرباناً.. ولم تتم فرائضك أمام إله البحر..أنت تأتي كصياد للسمك وترمي شبكتك على الرّمال وخارج اليم..فتدوس الحوريات عليها وهنّ مقبلاتٍ إلى البحر ومُدبرات.

من يومها هجرتُ البحرَ وعدْت إلى مدينةِ الزّحام..فالخياراتُ أكثرْ..وهناك استوقفتُ إحداهنّ من اللواتي أكثرنَ الحديث معي يوما ً..قلت لها:

- ياسيدتي..أنا فلان..تواجهنا في المكتبة..واختلفنا بالرأي حول بعض الكتب..

ألا تذكرين؟

فتجيب وقد أدارت وجهها هروباً:

- نعم..نعم أحاول أن أتذكّرك وتخونُني الذاكرة..قد تكون من المارّين بي مروراً فقط.
- ماذا تقصدين؟

- يمرّ بي الكثير من الرّجال..لا يتركون أثراً في نفسي..ذبابٌ يطير ويُلقي السلام..لاداعي لوضع مكبّرة ومعرفة لون عيون كل ذبابة..وحفظ اسمها..إذ تمرُّ الذبابة هكذا مرور الكرام..أما البعوضة فتلدغ عندما تزورني..تطبع عليّ قبلتها..تؤرّقني قليلاً..فأذكر زياراتها ولياليها.
قلت:

- أعوذ بالله من انقلاب المفاهيم..أنا أوثر أن أمرَّ بكِ مرور الكرام..فأكون خفيفَ الظلّ..لا أطيل الجلوس ولا أستفيض بالحديث..فلا تستشعرين بي ثقالة أوغلاظة..كما جاء في الآية الكريمة (وإذا مروا باللغو مرّوا كراماً).. وأنت تسمّين مرور الذباب العابر الطيار مرور الكرام؟..هل يتوجّب علي أن ألسعكِ أو أقرصك أوأعضّكِ ليؤثر فيكِ مروري؟..التحرّش بالنساء جريمة..فهل تكترث المرأة لمرور اللئام أكثر من مرور الكرام ؟..

- ليس الأمر كذلك..ولا داعي لاستعمال الآية الكريمة في غير موضعها...إنه ببساطة منطق العصر..فلو كنتَ جالساً في حديقة..ومرّ بجانبكَ فأرٌ أو ضفدع..قد ترتكس قليلاً..ولكن لن يكون انفعالك كما لو مرّت أفعى أمامك..تترك أثراً في النفس دون أن تلدغك...الرجل الذي يترك أثراً في النساء يجب أن يكون مختلفاً..ملفتاً..مميّزاً..

- فهمت..يجب ان يكون جميلاً.

- لا..الجمال ليس مطلوباً في الرجل..هناك وقعٌ خاص لمروره..لا أدري كيف أشرح لك ذلك..لن تفهمني لأنك لست امرأة..سأضرب لك مثالاً..أنتم الرجال تصافحون بعضكم..بعض المصافحات تذكرها ولن تنساها ولو غسلت يديك مراراً..تؤثر في نفسك..تعلّم على راحة يدك...وبعضها تمرّ مرور الكرام..أليس كذلك؟

فكّرتُ في الأمر..

فعلاً...بعض الأيادي تصافحها..تهزّها..تتواصل مع صاحبها بعينيه..تتبادل الطاقة الايجابية أو السلبية..وبعضهم تصافحه فتعصره ويعصرك..يختبركَ وقد يُؤلمك..أحدهم يقاتلك مصافحة كوقع الصّفاح على الصفاح..وآخر له يد خبيثة تنزلق من يدك كسمكة زلوقة.. أو يد باردة بعيونٍ جامدة لا معنى لها..فيمر بك مرور الكرام...قلت لها:

- الأمرُ مفهومٌ بمعادلة رجلٍ لرجل..ولكن حدّثيني عن منظور المرأة...فأنا عرفت الكثير منهن عبر تاريخي..وعندما يتكرر اللقاء..يتجاهلنني..وينعتن مروري بمرور الكرام..وأنا أرى ذلك مذمّة أو نقيصة..ذبابة عبرَتْ كما قلتِ..لم أستطع أن أطوّر علاقتي بإمرأة..مع أنني أسير وفق صراط الحب..(نظرة فابتسامة فسلام فكلام) وينقطع الطريق هنا..(فلا موعد ولا لقاء).

- لا أدري كيف أشرح لك ذلك...يجب أن تتقمّص شخصية المرأة لتفهم..أنا شخصياً أنجذب لرجلٍ ما بدون مقدّمات..يؤثر بي ويسيل لعابي..وبعد أيام أتساءل في نفسي ماالذي جذبنه إليه..وأقول لا أدري..والسؤال الذي يطرح نفسه الآن..لماذا تسأل عن جاذبيتك الأرضية الضعيفة العاجزة عن جذب الأقمار إليك؟..وماذا يهمّ المرأة من مغناطيسك الذي يفتل إبرة البوصلة نحوه فقط..ثم يمر مرور الكرام..المغناطيس القوي يُجبر البوصلة على الانجذاب إليه فتلتزم به..ويكون قطباً لها..

لقد لفظكَ البحر وفشِلتَ في مدن الزّحام..جرّب حظك في بساتين الحب..فالمرأة هناك متجذّرة في الأرض كالشجرة وهي التي تنتظر.. المرأة هناك أشبه بشجرةٍ مزدانة بالتفاح والرجل بجاذبيته قادر على إسقاط تفاحاتها طوعاً في أحضانه..هذا هو الحب..أما من يهزّ جذعها أو يقطعه للحصول على التفاح فهو يغتصبها اغتصاباً...بعض الرجال تأثيره لا يُقاوَم..والبعض يمر بين الأشجار كما أسلفت مرور الكرام..وأنت ستكون منهم كما يبدو لي!

هكذا مرّت أيامي بين الأشجار كمرور الكرام..فلا وردة مالت إليّ برحقيها..ولا زهرة ارتعدت تويجاتها لمروري..ولم تُسقِطْ جاذبيتي سوى التفاحات الذابلة والتي فاتها القطار..والسقوط الحر للتفاحة الذابلة يكون مؤلماً أحياناً لها ولمن وقعت عليه..كنت أحلم بشجرة قوية الجذور شريفة النسب..غصونها مكتسية وليست سافرة..باسقة شماء وغير منحنية..أوراقها عذراء ومبللة بالندى..ولا تفارقها الشمس.

لكن خريفي جاء مبكراً..وابيضّ شعر رأسي وصار خياري أن أبحث في بساتين الحب عن شجرة اصفرت أوراقها وبدأت بالتساقط لتذروها الريح...أو شجرة مطلقة أو أرملة نخرت الديدان جذورها وفروعها.

رمقتني الأشجار بأسى..فلم أذق تفاحاً..ولم أقطف زهرة..ولا حتى جلست بأفياء امرأة ولا بظلّ شجرة...حتى وصلت إلى وادي السقوط وهناك ترى الشجرات منبطحة أرضاً..أو مستلقية..متعرّية من الأوراق..إذ لا ترى الشمس..تحمل تفاحاً لكنه ملوّنٌ صناعياً وليس له طعمٌ ولا رائحة..قلت لواحدة منهن:

- ما أنتِ ؟...وكيف تعيشين هكذا في الظلام؟..ألا تتعبين من وضعيات الانبطاح والانسداح والانسداج والانسداخ والانسلاخ والاضطجاع والاستلقاء؟..وما كل أولئك الرجال يركبون غصونك ويأكلون تفاحك بكل سهولة ويسر.؟

قالت:

- أنا شجرة مومس..بائعة هوى إن شئت..وأولئك الرجال زبائني وبعضهم زبانيتي..يأتون إليّ يائسين..يدفعون جيداً..ثم يمرون.. بدون أثر كمرور الكرام!!!!

هربت أخيراً من وادي السقوط المظلم وعدت إلى بستان الحب المُنار بالشمس..

نصحَتني إحدى الشجيرات وقد تأثرت لمروري المتكرّر من تحتها.. بأن أحفر على جذعها قلباً فارغاً وتحته اسمي...فقط لأترك عليها أثراً لا يُمحى بسهولة..

أمسكت الجذع بكلتا يديّ..هذه هي شجرتي أيها القوم..حضنته فسالت دموعي..وارتعدَتْ من فوقيَ الغصون..حفرتُ اللحاء بآلة حادة فسال النّسْغُ منها حارّاً..ورسمتُ أخيراً لوحتي برفق..قلبٌ كبير لكنه فارغ وتحته الحرف الأول من اسمي..بدأ التفاح بعدها بالتساقط في حضني..حلواً..سكرياً..وحنوناً..لن يكون سقوطه على رأسكَ مؤلماً..صدّقني...بل على العكس قد تفقد وعيكَ من فرط النشوة..ساعتها تشبّثت بالجذع ولم أتركه حتى أضفتُ الحرف الأول من اسمها..منقوشاً بجانبي.

ومنذ ذلك اليوم..أصبحت لوحتي مزاراً للحب..وشجرتي مكمن للعاشقين يستظلّون بظلها ويستلهمون من وحيها..وعرف كلّ المشاة والعابرون والمارّون في تلك الديار...أنّ مروري من هنا كان مؤثراً..ولم يكن جُزافاً..أو سطحياً..أو عابراً كمرور الكرام!!!!!!!!.

لطفاً..سأضيف جملة موجّهة إلى (ديوان العرب):

- اذكروني..ولا تصنّفوا مروري بكم..كمرور الكرام.