أتمنى أو أرجو

، بقلم فاروق مواسي

هناك من قام في بعض المواقع بتخطئة "أتمنى" في قولنا:

"أتمنى لك السعادة" فقال من قال:

"إنك لا تدعو له، بل تدعو عليه، فالتمني هو استحالة".

بل وصل الأمر والتحريم اللغوي على "التمني" أن هناك أكثر من شريط فيديو ينبّهك لكي تحرص على سلامة اللغة، فعليك أن تقول: أرجو لك السعادة، فلا تقل: "أتمنى".

يُعْزون السبب إلى أن استخدامات القرآن الإيجابية لم تكن "أتمنى" بل كانت "أرجو"، فالبشر يرجون رحمة ربهم ولا يتمنونها.

(للمتابعة: ابحث في اليوتيوب عن الكلمتين معًا: "أتمنى أرجو"- لترى هذا التشديد من أكثر من شيخ، وأرجو ألا تفوّت ذلك!)

وهناك ممن يفرّقون من يضيف على التفريق بين أتمنى" و "أرجو" قائلاً:

"فمن عمل بطاعة الله ورجا ثوابه، أو تاب من الذنوب ورجا مغفرته، فهو- الراجي.

ومن رجا الرحمة والمغفرة بلا طاعة ولا توبة، فهو (مُتَمَـنٍّ)، ورجاؤه كاذب.

فعندما يقال:

أتمنى الشفا .. أتمنى النجاح .. أتمنى.....

فهو كمن يدعو بعدم حدوث ذلك الشيء".

- موقع- almeske.net نشر في 10 حزيران 2009.

ويبقى السؤال: هل خطاب الله في القرآن للذين زعموا أنهم أولياء الله-فتمنوا الموت إن كنتم صادقين- الجمعة ، 6 هو دعوة لعدم الحدوث؟

عجبي!

سأعود إلى المعاجم قديمها وحديثها، لأتحرّى وأتقرّى، فأجد أن الفعل "تمنى" يعني قدّر الشيء وأحب أن يصير إليه، طلبه، قصده، أراده، فالأمنيّة هي البُغية، وهي المُـنْـية والمِـنْية، والمُنى ما يتمنى الإنسان، والتمني من الله هو سؤاله في الحوائج.

هذه هي المعاني الواردة، ولم أر شرطًا مصاحبًا للمعنى في هذا المعجم أو ذاك.

بالإضافة إلى جزء الآية أعلاه فثمة حديث شريف يستخدم (أتمنى) كما نستخدمه:

وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ : أَنْبَأَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ:

قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إِذَا تَمَنَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَكْثِرْْ فَإِنَّمَا يَسْأَلُ رَبَّهُ" –
(رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صحيحه).

وفي شرح الكلمة "التمني" نجد- تشهي حصول الأمر المرغوب فيه.

فإذا اشتهت النفس بأمر يكون أو لا يكون فقد تمنّت.

ثم هل نخطّئ شعراءنا في عصورهم المختلفة، ونقول لهم إن (تمنى) كلمة ليست في موقعها؟

لنقرأ:

ابن المعتز:

وأمنية لم أمنع النفس رَومَها
بلغتُ وأخرى بعدها قد تمنيت

ابن نُباتة السعدي:

فكم من خليلٍ ما تمنيت قربه
فجربته حتى تمنيت بعده

أبو العتاهية:

تمنيتُ حتى نلتُ ثم تركتها
تنقّل بين الوارثين مُنـاكا

ثم ما قولكم في المثل المعروف في التراث:

"من تأنى نال ما تمنى"

هل الذي يحظى به المتأني هو من باب الاستحالة؟

ولماذا هذا التشدد في اللغة وفي تحديد المعنى؟

وبعد،

فيصح لك القول: آمُـل (بضم الميم- لا كما يلفظها بعضهم بفتح الميم) وأرجو وأتمنى،
وحتى لو اتفقنا أن التمني في طيّاته بعدٌ ما، فلا يعني ذلك أنه استحالة.

كذلك يريد هؤلاء الذين يعارضون التمني ألا نستخدم (ليت) للقريب.

في بعض المواقع وفي الفيديو الذي أشرت إليه يريدون أن نقول: لعل، وأن نمتنع من استخدام (ليت) إلا لطلب البعيد؟ فإذا قلت: "ليت الله يوفقني"، فأنت- في رأيهم- تسيء إلى الله ولنفسك.

مرة أخرى لا أوافق،

فهل في قولي للضيف:

ليتك تأكل من هذا الطعام! وأقول للطالب: ليتك تقرأ هذه المادة!

وأقول لهذا النفر: ليتكم تقرأون ردي!

فهل هذه الجمل لطلب البعيد؟

من المهم أن يعرف هؤلاء أن الأدوات في الاستفهام والتمني والنفي...إلخ قد تقوم الواحدة مقام الأخرى، وهذا وارد في علم المعاني، ويبقى السياق هو الموجّه للفهم، فـ (لعل) تفيد الترجي، ولكنها قد تفيد التمني البعيد، و (لو) لها معان مختلفة في سياقات مختلفة.

رحم الله شوقي وهو يتمنى لمصر:

أَتمنَّى لمصرَ أَن يَجرِيَ الخيـ (م) رُ لها من يمينه وشمالهْ

وأنا أتمنى ألا نشدد في أمور نجد لها نماذج في أدبنا، فلا يجوز أن نقول: كلهم أخطأوا!

وبعد،

فأقول: اكتسبت "أتمنى" في لغتنا المعاصرة معنى الرجاء الشديد، وهذا هو مفهوم الكلمة اليوم، فعندما أقول "ليتك تزورنا" فإن في قولي إلحاحًا في الطلب أكثر من كونه ابتعادًا عن التحقيق.