اللي فيه مسلّة بتنخشه

، بقلم حسن عبادي

كان رجلان مسافران من بلدة إلى أخرى ووصلا إلى جدول ماء فاض من الأمطار الغزيرة، وعندما أوشكا على عبور ماء الجدول صادفا امرأة جميلة تقف حائرة تريد عبور الجدول، وعلى الفور توجه إليها أحد الرجلين وحملها وقطع بها جدول الماء ووضعها على الضفة الأخرى، وودّعها، وتابع الرجلان مسيرهما.

وخلال ما تبقى من الرحلة ظل المسافر الثاني صامتا عابسًا لا يرد على أسئلة صديقه، وبعد مرور ساعات من التجهّم لم يعد بمقدوره البقاء صامتا، فقال: لماذا لمست تلك المرأة؟ كان من الممكن ان تغويك إذ يحرم على الرجل ملامسة امرأة هكذا.

فرد الأول بهدوء: يا صديقي لقد حملت تلك المرأة ووضعتها على الضفة الأخرى من النهر وتركتها هناك، أما أنت فلا تزال تحملها منذ ذلك الحين!... هذا جواب شمس لمن انتقدوه و"لبسوه" تهمًا محض خيالهم وهو بريء منها في رواية "قواعد العشق الأربعون".

تدور الرّواية (للروائية التركيّة إليف شافاق، ترجمة خالد الجبيلي، صادرة عن دار طوى للثقافة والنشر والإعلام اللندنية وتحوي 511 صفحة، ومن مؤلفاتها: مرايا المدينة، النظرة العميقة، قصر القمل، لقيطة اسطنبول وغيرها) حول الحب وماهية العشق، فالسّعي وراء الحب يغيّرنا، فما ان نسعى وراء الحب إلّا ويتّضح أثناء رحلته، فما ان تبدأ رحلة الحب والبحث عنه حتى تبدأ تتغيّر من الدّاخل ومن الخارج، فتسرح في الرّوحانيات بعيدا عن المادّيات، حيث أن الحب يقرع أبواب الجميع- من يريده ومن يتحاشاه وتبتدأ الرواية بمقولة شمس التبريزي:

"عندما كنت طفلًا رأيت الله،
رأيت ملائكة،
رأيت أسرار العالمّين العلوي والسفلي.
ظننت أن جميع الرجال رأوا ما رأيته.
لكنّي سرعان ما أدركت أنهم لم يروا..."

الرّواية تمر بخطّين زمنيّين متوازيين: الأحداث التي تمر بها "ايلا"- أمريكية في الأربعينات مع عائلتها وزوجها "ديفيد" طبيب الأسنان وقصة اللقاء العجيب بين جلال الدين الرّومي (الفقيه) وبين شمس الدين التّبريزي (الصّوفي) في القرن ال-13 والقرن ال -21:عصور صراعات دينية وسوء التفاهم الثقافي، الشّعور بعدم الأمان والخوف من الاخر، حيث يتقاطع الزمانان، الحالي والماضي. أحوال شمس غيّرت حياة "ايلا" الى الأبد، فتحولت من امرأة عادية متكلّسة الى عاشقة ولهانة مجنونة تضحي بكل شيء في سبيل الحب وهنا دور الحب والحاجة اليه ويوصلنا إلى النتيجة الحتمية بأننا ما لم نتعلم كيف نحب خلق الله، فلن نستطيع أن نحب حقّا، ولن نعرف الله حقّا.

تتداخل الروايات فيما بينها، رواية شمس الدين مؤسس قواعد العشق الأربعون الذي غيّر شخصية صوفية فذّة كجلال الدين الرومي ليصبح شاعرًا يدعو الى وحدة الأديان وتفضيل العشق الالهي على غيره من متع الحياة ورواية "ايلا" والعشق المجنون حيث تتغيّر مع قراءة رواية " الكفر الحلو" ل"زاهارا" - مؤلّف مسيحي تحوّل الى الاسلام-وهو يؤثّر عليها كما فعل شمس مع جلال الدين، فقواعد العشق هي الطريقة التي نرى فيها الله وتشكل انعكاس للطريقة التي نرى فيها أنفسنا اذ الله يجيب لنا الخوف فيصبح الخوف متجذّرا في نفوسنا اذا الله يجيب لنا المحبّة والرّحمة نكون كذلك.

مرض فيسبوكي حديث، أن يدين من هو غارق بالشهوات غيره من الناس، هو أكثر من يتهم الغير بالخطايا وهو المتوحّل بها حتى أذنيه، ليطهّر ضميره ويريحه محاولًا تطهير زيفه، بإلقاء قاذوراته الفكرية على الغير علّه يلوّثهم بها ليُطهّر نفسه.

إن من يتحدث بالسوء عن المرأة وسلوكياتها وجسدها ومنظرها مردّه أن جسدها يسكنه في صحوته ومنامه ويطغي على شهواته فيزني معها في مخيّلته وبنظراته الشهوانية، ويمارس الدعارة والبغاء في رأسه رغم أنها بريئة منه، هكذا استحوذت تلك الجميلة على ذهن "الصاحب" فاشتهاها، تخيّلها عارية مغرية وزنى بها ومعها فألقى بدنسه على رفيقه المحترم رغم أنه بريء، ساعد امرأة محتاجة لتعبر النهر... ونسيها، فكما يقول المثل العامي " اللي فيه مسلّة بتنخشه".

فالقاعدة التاسعة من قواعد العشق: لا تحكم على الطريقة التي يتواصل بها الناس مع الله، فلكل إمرئٍ طريقته وصلاته الخاصة. إن الله لا يأخذنا بكلمتنا بل ينظر في أعماق قلوبنا. وليست المناسك أو الطقوس هي التي تجعلنا مؤمنين، بل إن كانت قلوبنا صافية أم لا.

"لا تسأل نفسك ما نوع العشق الذي تريده، روحي أم مادّي، الهي أم دنيوي، غربي أم شرقي، فالانقسامات لا تؤدّي إلّا لمزيد من الانقسامات، ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعريفات، انه كما هو، نقي وبسيط" (القاعدة 40)، وها نحن نرى القواعد تتخطى حدود الأديان والاستقطاب الطائفي الديني العالمي المستشري في عالمنا، ف"لا قيمة للحياة من دون عشق، والعشق هو ماء الحياة".... فلنعشق الحياة!