الزواج الرحيم

، بقلم جورج سلوم

ابتُليَتْ بالسرطان.. فأصبحت مبتورة الأنوثة... عرجاء بثديها الوحيد....

و زاد الطين بلّة.. تساقط شعر رأسها بعد الجرعات الكيماوية..فغدت صلعاء.. صحراوية الرأس..

مرآتها حُبلى بالهموم..تنظر فيها فقط إلى النصف الفارغ من الكأس...جرحٌ مدروزٌ بالقطب..وصدرٌ نصفه امرأة ونصفه رجل...

حمّالة الصدر تدلّت مائلة كالمشنوق.. فارغة النصف.. يتوجب حشوها ودك فراغاتها بالقطن.. بجوارب عتيقة.. بخرقة أو بقايا قماش... تلك هي بدائل النهد الذي تغنى به نزار قباني...عندما قال (وبنيت أهراماً من الحلماتِ )!

هل تبخّرت آمالها بالزواج؟... ومن يرضى أن يربط مستقبله بامرأة محدودة الحياة؟.. بضع سنوات...أقل من أصابع اليد الواحدة وينقضي الأمر ويفنى العمر... تساؤلاتٌ جهرت بها أمام طبيبها الجرّاح... فأجاب:

- أنت امرأة رائعة شكلاً ومضموناً..وما جرى معكِ يجب ألا يقضّ مضجعكِ.. أو يفتّ من عضدك.

- أنا أبحث عمن يتزوّجني فيما كُتب لي من العمر..أيُعتبر ذلك تطاولاً على الحياة؟
قال الطبيب مبتسماً:

- على العكس من ذلك.. إنه إقبالٌ على الحياة.. وقبولٌ بمشيئة الخالق.. سأعمل على ذلك وأتصل بك لاحقاً.

كلامه كان بارقة أمل..وشحنة إنقاذ في (بطاريتها ) المُشرفة على النفاذ.. عادت بعدها إلى عملها الوظيفي بانتهاء العلاجات الكيماوية.. وبدأ شعرها يتطاول ويسترخي ويسترسل على أكتافها.. ومرت أشهر ولم يتصل طبيبها.

قالت له على الهاتف:

- لقد وعدتني.. ونسيتني.

- نعم.. نعم.. تذكّرت.. أعتذر فالمشاغل كثيرة.. أنتظر زيارتكِ.

الأيام السابقة لموعد الزيارة صرفتها في محالّ التجميل.. يجب أن تضع كل أوراقها على الطاولة أمام العريس المنتظر.. فلم تبخل على شعر أو وجه أو بشرة أو وشم أو أظافر.. ولتكن عليها أفخر حلّة تبرز جمالها ومفاتنها.. ولو كانت مجدوعة الصدر.. مبتورة الثدي.. مكسورة الوجدان.. وللذهب أيضا مكان على صدرها يحيط بعنقها.. ولكن لا يتدلى كثيراً كي لا يقترب من الجرح.

دخولها الجذاب إلى مكتبه في المشفى مع نفحة العطر التي تسايرها.. أجبره على ترك مافي يده... أذهله الفارق الكبير بين المريضة التي يعرفها على طاولة العمليات وبين القادمة الجديدة.. منطلقة مبتسمة مقبلة على الحياة.

قال مازحاً:

- مازلت أبحث لك عن عريس.. ولكن يجب أن ترتقي سوية الرجل إلى ما يليق بك..

- نعم..هذا السبب الأول للزيارة..

تابعت كلامها وهي تكشف عن صدرها بشكل تدريجي:

- ألا تريد أن ترى الجرح؟.. لقد وعدتني بزرع (بدائل سيليكونية ) مكان الثدي..هوذا السبب الثاني لزيارتي.

كانت سعيدة جداً.. وهو ينظر إليها كرجل وليس كطبيب... وأعطاها ذلك دفعة من الثقة.. وتكررت زياراتها..وأجريت لها عملية الثدي الصناعي.. وتوازن الصدر الأعرج..واختفى الجرح الغائر من صدرها..وحلّ مكانَه جرحٌ هاجع في قلبه.. وصارت تزوره كامرأة وأصبح يفحصها كرجل!..

ونسيَ أن يبحث لها عن عريس.. يطلب زيارتها في الساعة الرابعة ليختلي بها ساعة.. قبل مواعيد العيادة في الخامسة... يحبّ الاستماع إليها.. ويفحص الثدي الصنعي في كل زيارة.

قالت له:

- أنت تذكّرني بمحمود ياسين الذي يحب الساعة الرابعة.

- هل تقصدين الممثل المعروف رحمه الله؟

- نعم.. في فيلم (أنف وثلاث عيون)... طبيب مشهور – حسب الفيلم – ويتصيّد النساء من عيادته.. يستقبلهن الساعة الرابعة ويعالجهن بالطب والحب.. تعال إليّ مساءً لنحضر نسخة من ذلك الفيلم.

وفي المساء..كان العرض الدرامي في شقتها طويلاً جداً.. ويتوقف كلما طاب لهما الوقت لنقد تصرفات (المحمود ياسين) مع عيونه الثلاث..اعتبرا العمل ضرباً من الصناعة التجارية
للسينما... لكن قد يكون الحب نوعاً من العلاج الرحيم أحياناً لمثيلاتها كما قالت..وهل يستكثر المجتمع عليها أن تجرّب الحب قبل الموت؟.. هذا الرجل معجب بها وانكشفت أمامه جسداً وروحاً..ولا وقت للبحث والتقصي عن آخر.. ولكل خطيئة كفارة تغسلها وتمحوها..ويجوز للطبيب ما لا يجوز لغيره..ولا حياء في الطب.. وإن الله غفور رحيم.

أما قسم أبقراط فكان حاضراً وحائلاً بينهما.. ولو حاولت الإطاحة به واستمالته ليحنث بيمينه..... عالجْتُها وقد يكون لديها علاجي.. أفكارٌ تراوده ويبلعها ويكبتها... أحبّها وتحبني ويحبّ ناقتها بعيري.. ابتسامتها تنسيه همومه وتسحب الغصّة من قلبه.. مرضى السرطان يعطونكَ كلّ شيئ بسخاء لأنهم يتكيّفون مع عمرهم القصير.. ولو يعرف البشر جميعا أن أعمارهم قصيرة لزهدوا الدنيا وما عليها.

كلها إرهاصات واستطرادات وتداخلات فكرية وكلامية..غاصا بها وضاعا بين ثنياتها على ميزان الرغبة والرفض وفي أعماق العقل الباطن للطبيب الرجل والمريضة الانثى.. ورجحت أخيراً كفة العقل على القلب.. وقرر المحافظة على مابقي من ماء وجهه.

احتضنها فارتطم الثدي الصناعي بصدره..وبقي الثاني متوارياً.. لحظات أحس فيها أنه بحاجة للعودة إلى هذا الصدر الذي مزقه بيديه وأعاد إليه البنيان.. بحاجة إلى إعادة الروح لصاحبته الراحلة والآفلة والآيلة للانهزام.. أما هي فانكمشت واضمحلت بين يديه كطفلة ضائعة وجدت ملجأ يحتضنها ويؤويها.. ولم تلبث أن تخلت عن ثديها الصناعي الخالي من الإحساس وتركته جانباً كشاهد عيان...قالت:

- أنا راحلة عن هذه الدنيا وأسير في قافلة المتسرطنين أو لنقل المُسَرطَنين.. تتسارع خطواتها صوب النهاية.. ملاك الموت يحثني..ي حدوني حدواً.. يسوقني مرغمة.. يطالبني بالاستغفار وإصلاح ذات البين مع الخالق الجبار..وأقول له رويدك..دعني أذوق الحب قبل الموت... يمتعض ويقول.. لابأس لكن بالحلال فأنت في سويعات الزوال.. لذلك طالبتكَ بزوجٍ يرحمني بحبّه وأسعِدُه بحبي لو استطعت.

قال الطبيب:

- كل البشر مسيّرون في قوافل تنتهي بشهقة الموت..فهناك المقلوبون –مرضى القلب– والمكبودون..ومن سيموتون قتلاً.. فيسيرون الآن في قافلة المقتولين ولا يعرفون ذلك..والمذبوحين والمدهوسين والمهروسين.. وتعددت الأسباب والموت واحد!.وهناك قوافل للمُنعَم عليهم و أخرى للمغضوب عليهم وقوافل للضالين..وكلنا ضائعون في مسيرتنا فنقول (اهدنا الصراط المستقيم).. والحب الذي تطلبينه حلالاً.. سأمنحك إياه زلالاً..أ نا العريس الذي أرسله الله إليك.. ولست من المُرسلين.. لكن زواجنا سيكون رحمة بالعالمين!