الكلماتيّ

، بقلم أنمار رحمة الله

من ذا يعرفه جيداً غيري؟. أنا أقرأ كلَّ كلمة يكتبها قبل نشرها. كان صديقي وكنتُ مشفقاً عليه، مع أن المدينة كلها كانت تحترمه. فهو بطل الكتابة في نظرهم، مؤلف الملاحم، وخالق أجواء الحرب والفروسية والإيثار. تخيلوا أن أطفال المدينة كانت تخافه إن مرَّ في شارع، والشيوخ والشباب يقفون له احتراماً. أما النساء فكنَّ يحسدن زوجته، يتخيلن كيف يدلف إلى المنزل وكيف يجلس على الأريكة، ومنظر زوجته التي تقف قربه كما تفعل النسوة في العصور القديمة، تصب له الماء ليغسل قدميه ويديه ثم تصب له الطعام. وتظل مؤتمرة بأمره حتى يفرغ. حين أسمع مثل هذه التخيّلات عن صديقي الكاتب البطولي، أضحك بيني وبين نفسي، فهو بالفعل في مضمار الكتابة لا يسبقه قلم، حين يكتب عن البطولة والشجاعة والرجولة. لكنه في المنزل غير ذلك، لأن زوجته التي أعرفها جيداً تضربه بالنعال على رأسه. بل تتعمد إهانته بسبب أو من دون سبب. ولكم كنت أسأله كيف لزوجتك أن تهينك بهذه الطريقة؟. ومن أين أتت بكل هذه الشراسة..؟!. لم يكن يجيبني بل كان يرمي بين يدي أوراقاً، وحين أقرأ أجدها حكاية بطولية عن فارس شجاع، يلوي الحديد ويأكل الحجر ويصارع مائة فارس. المشكلة إن زوجته لم تكن متقوّية بمال أو منصب، ولم تكن لها عائلة شديدة تدافع عن بنتها بعمى.. كان صديقي يصرف عليها من الألف إلى الياء، وعيّشها في عزّ وعيش رغيد. ولم يكن يرفض لها طلباً حتى لو طلبت كحلاً من الليل، أو قلادة من نور القمر. كانا متوافقين تقريباً. لم يكن بالرجل الفقير كي تفسد عليه حياته بالمنِّ، ولم يكن بالرجل الحقير أخلاقاً أو نسباً لكي تعيره. كما قلتُ كان كاتباً بطولياً مع كل حكاية ينشرها أعرف جيداً أنه أكل قبلها (بسطة) دسمة.. تتنوع زوجته في ضربه وتتفنن، لكنها في أكثر المرات تضربه بالنعال.. غير أنها تؤذيه في بعض الأحيان، حين تأتي الضربة على فمه مثلاً، فأعرف أنها على فمه من حدث الحكاية حين أجد فيها أن الفارس قد ضُرب على فمه بالسيف مثلاً. في بعض الأحيان أجد في الحكاية أن الفارس قد رموه بسهم في رقبته، فأعرف جيداً أن زوجته قد رمته بالنعال على نفس المكان. لقد كان المسكين يعاني جداً،مع كل مجموعة من الكتابات التي تخرج للعالم يكون صديقي قد أكل قبل اصدارها مئات الضربات، بالنعال والملاعق والطشوت و(الصوندات).حتى التقيت به مؤخراً...

كانت صدمة بالنسبة لي!!. لم أكن أتوقع أن صديقي يقدم على فعلة كهذه. لقد اعطاني صديقي حكاية جديدة كتبها، وحين قرأتها وجدتها تتحدث عن بطل جبان، ثم أنني سألته بفضول (هل غيرت في أسلوب كتابتك؟!). لكنه لم يجب وظل مبتسماً براحة كبيرة. في الأيام القادمة تغير صديقي فكرياً. صار يكتب عن النذالة والغدر والخسة والوضاعة، عن عوالم لا بطولات فيها ولا شجاعة، عوالم مليئة بالمكر والغدر والجبناء. حتى مقته الجميع ونبذه. بل هجره قرّاؤه، وصار مُحتقراً من المدينة واهلها. فلم يعد احد يهاب الكاتب البطولي ولم يعد أحد مهتماً بحكاياته.ومع كل هذا كنت أجد في عينيّ صديقي راحة عجيبة. لقد كان مستئنساً بكتاباته تلك، وكان لا يهتم لأمر المعجبين والقرّاء حوله. بل كان يسرف في كتابته عن الجبن والجبناء. سألته في آخر مرة ألتقيته(ما بالكَ؟ اخبرني ماذا يحدث معكَ؟) اجابني ببرود (لقد انتهى كل شيء.. أنا الآن أكثر راحة، لقد دفنت كومة الأبطال الشجعان في حديقة المنزل). كانت هذه الجملة الغريبة أخر ما سمعته منه قبل اعتقاله من قبل شرطة المدينة. الشرطة ذاتهم الذين حضروا إلى المنزل، وحفروا في الحديقة وأخرجوا جثة متفسخة وأوراقاً ملوثة.