الماركة تاريخها وهويتها

، بقلم سليمان علي شيخ

سليمان علي شيخ
جامعة الحسن الثاني-المغرب

الملخص

يسعى هذا البحث الموسوم ب "الماركة تاريخها و هويتها" إلى دراسة خطاب الماركة من خلال التوقف على تعريف المفهوم وتاريخه وهويته. ويسعى هذا البحث إلى الإمساك بالصيغة الثقافية لخطاب الماركة، فالماركة ليست علامة تجارية تكتفي بالاسم والمميز فقط بل هي خطاب، وكأي خطاب تتكون من نصوص لفظية وبصرية لها صدىً في ذات القارئ المستهلك، ويعمل المشتغلون في هذا الحقل على الاستعانة بنتائج الدراسات الأدبية من أجل النفاذ إلى أعماق المستهلك القارئ وحثه على الشراء.

وقد قسمنا هذا البحث إلى ثلاثة محاور تناولنا في المحور الأول تعريف الماركة من حيث هي خطاب وفَصَلنا في هذا المحور بين تعريفين للماركة تعريف تقليدي ينظر إلى الماركة من حيث كونها علامة تجارية تتكون من الاسم والمميز البصري والشعار وتعريف أدبي حديث ينظر إلى الماركة من حيث هي خطاب ودفات من النصوص و المعاني فالماركة باتت ثقافة بالنسبة إلى زبائنها. كما بحثنا في هذا المحور علاقة الدولة بالماركة فلا يمكن أن تنتج دولة ماركة ما لم تنتج خطاباً لصورة دولتها يرتبط بموضوع الماركة التي تسعى إلى تسويقها.

أما في المحور الثاني فقد بحثنا بداية نشوء المفهوم من خلال التوقف على تاريخه، وقد عثرنا على خمس مقاربات لنشوء مفهوم الماركة. وفي المحور الثالث درسنا مفهوم الماركة من زاوية هويته البصرية و اللسانية، وتوقفنا فيه على ثلاثة مفاهيم تكون هويتها وهي التسمية والمميز البصري والشعار. ففي حديثنا عن التسمية بينا أهمية التسمية من زاوية بعدها اللفظي ودورها في شحن الماركة بالمعاني، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالمميز البصري والشعار.

الماركة تاريخها وهويتها

تعريف الماركة

تعتبر الماركة من الناحية القانونية والاقتصادية كما يعرفها كوتلر "اسم أو مصطلح أو علامة أو رمز أو رسمة أو مزيج مؤلف من كل هذه العناصر، ويهدف إلى التعريف بمحاسن و خيرات ما يملكه البائع و تفريقه عن ما يملكه الآخرين"(1)، ويركز هذا التعريف على البعد الوظيفي للماركة وعلى الهوية البصرية واللسانية لها، وهذا تعريف تقليدي للماركة. فهو قريب من التعريف اللغوي كما ترصده مختلف المعاجم.

ورغم ذلك فإن التعريف السابق هو التعريف الشائع للماركة، والذي اعتمدته جل الدراسات القانونية والاقتصادية لمفهوم الماركة، فبشير عباس العلاق مثلاً يعرف الماركة انطلاقاً من وظيفتها الاقتصادية في معجمه الشامل لمصطلحات العلوم الإدارية. يقول "الماركة هي اسم الصنف لسلعة أو خدمة. وغالباً ما يكون هذا الاسم مسجلاً لدى الجهات المختصة، وتخدم الماركة في تعريف المستهلك أو المستفيد بالسلعة، وهي وسيلة فاعلة من وسائل ترويج المبيعات، وقد تكون الماركة على شكل رمز أو صوت أو صورة"(2)، كما نجد هذا التعريف حاضراً في الرؤية القانونية للماركة حيث يعرفها موريس نخلة ورومي البعلبكي وصلاح مطر في القاموس القانوني الثلاثي باعتبارها "علامة تتصف بموجبها إنتاجات وسلع، وهذه العلامة تحمي المصنوعات من أي مضاربة خصوصاً بحصر الاستثمار لها"(3).
وبعبارة أخرى، تنتمي نظرة كوتلر وما شابهها إلى السياق القانوني الاقتصادي للماركة، فتعريف الماركة مستمد من وضعها كهوية بصرية ولسانية، كما أنه مستمد من وضعها الوظيفي القانوني والاقتصادي لتميز المنتوج وحمايته من الاستنساخ والتقليد.
أما المقاربة الأخرى لمفهوم الماركة والتي يمثلها جان نويل كابفيرار فتنطلق من التركيز على الجانب الثقافي للماركة. ويرى كابفيرار أن "الماركة هي ماركة بالنسبة إلى زبائنها"(4)، أما "المؤسسة فهي المالك القانوني للماركة(5)، ويعود هذا التميز الذي يقدمه كابفيرار والذي يندرج ضمن تثمين العلاقة القائمة بين الماركة والزبون إلى كون اهتمام كابفيرار ينصب على طبيعة العلاقة القائمة بين الماركة باعتبارها قيمة ثقافية والزبون باعتباره عالم من الصور والمسكوكات السوسيو-ثقافية. فكما يقول "المعامل تصنع المنتوجات أم الزبائن فيشترون الماركات"(6).
ويعرف كابفيرار الماركة بأنها "بناء لذاكرة ثقافية ولسمعة متميزة ودائمة لمنتوج ما ولمؤسسة ما"(7)، ذلك أن الماركة كما يتصور كابفيرار هي هوية ثقافية قيمية في المقام الأول تسعى إلى اختراق بنية الأجيال و تشكيل صورة إيجابية عن الماركة داخل الخطاب اليومي للأفراد، "فهي ذاكرة المنتوج و مستقبله(8)، "فالمنتوجات خرساء أما الماركة فتجعله يخاطب (9).
وهو الأمر الذي دعا كابفيرار إلى التميز بذكاء بين مفهومين، وهما: الماركة و الماركة الدولة (صنع في). فكابفيرار يشدد على أن النظر إلى الماركة لا يمكن أن يتم بمعزل عن الحاضن الرمزي لها، بمعنى أن القوة الرمزية للدولة المصنعة تهب خطاب الماركة قوة دلالية واجتماعية وإنسانية. ذلك أن الماركة الدولة "تتعلق بمختلف الدلالات المرتبطة بالدولة التي تحتضن صناعة المنتوج"(10)، ولذا يتوجب على الدول المصنعة أن تقوم بحملات إشهارية كبرى من أجل الرفع من حجم التمثيل الدلالي لماركة دولتها في أذهان المستهلكين الذين تتوجه إليهم.
وكما يذكر كابفيرار في حديثه عن ماركة فرنسا "إن الاختيار الحقيقي لماركتنا هو كيف يفكر الشباب الصيني فينا، فهو يحتفظ بصورة عنا على امتداد حياته"(11)، ولتأكيد ذلك يقول كابفيرار إننا نحن الفرنسيون لا يمكننا أن نفصل بين ماركة مرسيدس وبين صورة صناعة الحديد الألماني، ولا بين العطر و صورة الصناعة الفرنسية ولا بين اليابان وصورة الصناعة الإلكترونية"(12)، فكل دولة يتوجب عليها أن تبني ماركة لدولتها تتناسب وصورة الماركة التي تملكها الدولة في نظر المستهلكين العالمين.

ويمكننا أن نسوق مثالاً على ما سبق بالقول أن المنتوجات الصينية لها أسماء و مميزات خاصة بها غير أننا لا ننظر إليها باعتبارها ماركات حلمية بينما ننظر إلى المنتوجات الأمريكية واليابانية والأوروبية باعتبارها كذلك. ذلك أن ماركة الدولة تلعب دوراً في النظر إلى ماركات مؤسساتها باعتبارها ماركات تبشر بأحلام أو ماركات تستجيب إلى حاجات نفعية. فماركات الصين لا يمكنها منافسة الماركات اليابانية فهي من هذه الزاوية لا تملك ماركة للدولة الحاضنة لها لكي تحظى بنظرة إيجابية عالمية، ولذا فقد لجأت الصين إلى بيع المنتوجات التي لا تتضمن جزيئيات حلمية بل تتضمن استجابة لحاجات نفعية. وشتان بين الحالتين ففي الحالة الأولى تحقق المؤسسات أرباحاً لا يمكن التقليل من حجمها، أما في الحالة الثانية فلا تحقق المؤسسات أرباحاً تذكر. فما هو مهم بالنسبة للمستهلك هو صورة الماركة وما يرتبط بها من دلالات اجتماعية و نفسية و جمالية، فسماعات الأذن الصينية مثلاً لا يتجاوز ثمنها عشرة دراهم بينما سماعات الأذن اليابانية صوني يتجاوز ثمنها الأربعمائة.

ذلك أن سماعات الأذن الصينية تفتقر إلى خطاب ماركة قوي مقارنة بخطاب الماركة الذي تتمتع به صوني. فسماعات الأذن الصينية لا تملك ماركة للدولة الحاضنة لها بينما تمتلك صوني ذلك، كما أن سماعات الأذن اليابانية تمتلك اسماً خاصاً بها ومميزاً وشعاراً ذات صيت قوي بينما لا تمتلك السماعات الصينية ذلك، كما أن سماعات الأذن اليابانية تمتلك براءات اختراع خاصة بها بينما لا تمتلك السماعات الصينية ذلك، فالماركات اليابانية مدرجة ضمن خطاب ثقافي قوي بينما الخطاب الثقافي للماركات الصينية هو خطاب ضعيف.

تاريخ الماركة

يتفق مختلف الباحثين على أن مفهوم الماركة هو مفهوم ضارب في عمقه التاريخي ويرتبط بالبدايات الأولى للنشاط التجاري للإنسان، غير أنهم يختلفون في تحديد شكل هذا النشاط. وهو الأمر الذي جعلنا نعثر على خمس بدايات لمفهوم لماركة.
يرى بعض الباحثين أن تقسيم الأراضي وتعين الحدود قد كان النشاط التجاري الأول للإنسان، وترتبط الماركة في أحد معانيها من هذا الجانب بثلاثة مفاهيم وهي الملكية والحد والتعين. حيث أن تقسيم الأراضي بين القبائل قد جعل لكل قبيلة حدودها ورقعتها وحجم تمثيلها، أي ماركتها الخاصة بها. "فأن أضع ماركة فهذا يعني أنني هنا وأن هذا الشيء يخصني وأنني سأدافع عن حدودي إذا اقتربت منها"(13).

وبعبارة أخرى، إن اكتشاف الزراعة وتعين الحدود قد جعل الإنسان منتجاً للمرة الأولى في تاريخه، فتعين الحدود هو الذي سمح بالحديث عن ماركة المجموعة الاجتماعية باعتبار مجموع ما تملكه من أراضي، وما تتمتع به تلك الأراضي من مزايا، فهناك أراضي خصبة وهناك أراضي صخرية وهناك أراضي صحراوية. وبعبارة أخرى هناك أراضي تصلح للزراعة وأخرى للرعي وأخرى تعين مساحة ولا تصلح لشيء. فامتلاك قطعة من الأرض وتحديد حدودها قد كان الماركة الأولى للإنسان.

ويشير قسم من الباحثين إلى أن الماركة كانت ترتبط في البدء بالطقوس الاجتماعية للتعامل مع الحيوانات الأليفة(14)، فقد كانت تكوى بها البهائم لتميزيها وتعين ملكيتها، كما أن بعض القبائل المكسيكية القديمة كانت تكوي البهائم كقرابين للآلهة قبل ذبحها، أي بصم ماركة على القربان دلالة على اجتيازه عتبة القبول، فالقربان المعد للنحر يتمتع بأفضل المزايا. وبهذا فإن الماركة من هذه الزاوية تقيم علاقة مع مفهوم آخر وهو مفهوم الوشم، ونجد ذلك بشكل جلي على وجوه الكثير من العبيد في العصور القديمة حيث كانت تطبع كلمات على جباههم لمنعهم من الفرار.
ومن هذه الزاوية يقيم مفهوم الماركة في بعده اللغوي علاقة مع كل من مفهوم السمة والوشم في اللغة العربية، فوسم الشيء كما يقول ابن منظور أي جعل له علامة يتعرف بها، والوشم هو الوسم، السمة هي أثر الكي.
ومع النمو المتسارع للوعي الإنساني أصبحت الزراعة وتربية الحيوانات تتراجع شيئاً فشيئاً أمام الصناعة من حيث هي مركز لاهتمام الملاك، فقد أضحى الإنسان بمرور الوقت قادراً على صناعة الأدوات (صناعة الفخار، الملابس، السيوف و غيرها). ولم تعد عملية الإنتاج حكراً على القطاع الزراعي وتربية البهائم، وهو ما جعل بعض الباحثين يربط البدايات الأولى للماركة بالأدوات التي بدأ الإنسان يصنعها(15).

وعلى هذا الأساس فقد تم النظر إلى البدايات الأولى للماركة باعتبارها ترتبط بالنقوش الأولى التي كان الحرفيون يطبعون بها منتوجاتهم لتميزها عن غيرها من المنتوجات ولتحديد ملكيتها و ضمانها.
ولم يكن الصانعون في البداية يعيرون اهتماماً للأبعاد الدلالية للنقوش التي كانوا يطبعونها على منتوجاتهم، ذلك أن تلك النقوش كانت تهدف إلى إرجاع المنتوج إلى مصدر واضح وإلى اثبات جودة المنتوج.
أما سعيد بنكراد فيربط بين تاريخ نشوء الماركة والتسمية اللفظية في المقام الأول وتاريخ المميز البصري في المقام الثاني. وهو الأمر الذي جعله يربط ظهور الماركة ببعض الطقوس الاجتماعية التي كانت تمارسها الكثير من القبائل الإفريقية القديمة. فقد كانت تحدث "الندوب على وجه المنتمين لها، فيكون الوضع بذلك مشتملاً على سلسلة من الهويات: الاسم دال على الفرد في ذاته، أما اللقب فتحديد للعائلة التي ينحدر منها، أما الندبة فهي تحديد لهوية القبيلة. وهكذا يبدو المميز الثالث منصباً على الجسد. أي من طبيعة بصرية. فالجسد يوسَم و يمس في جوهره، فالندوب ستظل تلاحق الفرد و تحد من انطلاقه والتحليق خارج القبيلة"(16).
أما الرؤية الخامسة لتاريخ الماركة فيمثلها عالم الأنثروبولوجيا الشهير ميشيل سير (17) فهو يرى أن البدايات الأولى لمفهوم الماركة بالمعنى التجاري يرتبط بتاريخ البغاء. فالبغاء كانت هي المهنة الإنسانية الأولى في التاريخ, ولقد كانت العاهرات في مدينة الإسكندرية في العصور القديمة ينتعلن صندلاً ذا كعب عال ثم يقمن بالتمشي على رمال الشاطئ، ليظهر أثر الصندل علامة خاصة بمهنتهن وسيقوم الرجال من خلال تتبع تلك الخطى بالوصول إلى المأوي الخاصة بتلك العاهرات أو إلى مؤسساتهن.

ويرى سير أن مفهوم الماركة يرتبط بالفعل مشى marcher وهو الفعل الذي جاء منه مفهوم السوق marche والذي يعود إلى الأصل اللاتيني الذي يجمع الكلمتين الماركة والسوق merchier.
وتجدر الإشارة إلى أن الماركة بالمعنى الحديث للكلمة ترتبط بعصر الثورة الصناعية حيث ظهرت الماركات الأولى في القرن التاسع عشر كليفايس 1850 ونستله 1866، وإذا كانت الماركات بالمعنى التاريخي للكلمة ترتبط بالطبيعة كحالة الزراعة ووشم الحيوانات أو الجسد الإنساني كحالة بعض القبائل فإنها منذ الثورة الصناعية أضحت ترتبط باسم و مميز خاصين بها.

الماركة والهوية اللسانية والبصرية

تحرص المؤسسات على انتقاء المكونات اللسانية والبصرية لماركتها وذلك نظراً لكون إيقاعاتها الدلالية والجمالية تلعب دوراً فعالاً في جذب النفس إليها والاستئناس بها. فهناك ماركات لم تنجح في جذب الزبائن إليها نظراً للصعوبة التي تواجهها عملية النطق الخاصة بالماركة كماركة هيوغاردين (hoegarden) وما شابهها، على النقيض من الماركات التي تملك إيقاعاً موسيقاً في حال لفظها كهوليود ومالبورو فقد ساهم الإيقاع الموسيقى للتسمية في أسباب نجاحها. وهو ما أشار إليه سومبريني بالقول "أن الماركة بالمفهوم المعاصر للكلمة لا تنتمي إلى التجارة بل إلى الكون التواصلي"(18).

وتتكون الهوية اللسانية و البصرية للماركة من ثلاثة عناصر وهي التسمية والمميز البصري والشعار. فالتسمية هي الوجه اللساني للماركة، أما المميز البصري فهو الوجه البصري للماركة بينما يمثل الشعار حكاية موجزة للماركة.

التسمية

تعتبر التسمية المدخل التواصلي الأكثر أهمية في خطاب الماركة، ذلك أنها هي المدخل اللغوي للذاكرة الذي يمكننا من استحضار ماركة ما، والحديث عنها، وعن خصائصها، وعن كل ما يتعلق بها. "فمن لا يملك اسماً لا وجود له. وعليه فتقديم منتج إلى سوق الاستهلاك معناه تسمية شيء لم يوضع له اسم، وهذا الاسم يوضع مما توفره أصوات اللغة، وبمراعاة الفكرة المناسبة للفلسفة التسويقية التي يستند إليها المنتج، فهو يعمل على استحضار شبكة من الذكريات المرتبطة بالسياق السوسيو-ثقافي"(19).
وتلجأ غالبية المؤسسات إلى اقتراح قائمة من الأسماء قبل الرسو على اسم بعينه يكون اسماً لماركتها. و"تتضمن عملية اختيار الاسم تجارب على عينات من الفئات الاستهلاكية التي ستتوجه إليها الماركة. وتركز التجارب في الغالب على قضيتين و هما:
العلاقة القائمة بين الاسم والخلفية اللسانية والثقافية للمستهلك ومدى تأثير الاسم في تلك الخلفية.

الخصائص الأسلوبية للاسم وهل هو سهل النطق وقابل للتذكر"(20).

وقد تكون أسماء الماركات أسماء أشخاص كلاكوست (Lacost) ومرسيدس (Mercedes)، وقد تكون أسماء مقترحة مشتقة من طبيعة الموضوع الذي تحيل عليه كبين سبور (Bein Sport) أو كوت سبور (Cote Sport) . وقد تكون منتقاة انطلاقاً من خصائصها الدلالية السياسية كالجزيرة التي تشير إلى الطبيعة الجغرافية لدولة قطر، وقد تكون منتقاة بحسب طبيعتها الجمالية كجاكوار (Jaguar) التي تشير إلى عنف هذا الكائن الوحشي ورغبته بالمقاومة و المطاردة والافتراس. وقد تكون منتقاة انطلاقاً من طبيعتها و دلالاتها الأسطورية كنايك (Nike) الذي يحيل على إله العمل لدى اليونانيين، وكذلك الموقع الإلكتروني الشهير علي بابا.
وتلعب التسمية أدواراً تواصلية متعددة، فهي تتواجد ضمن موقع يجعلها مؤشراً باتجاه جلب المستهلكين باتجاه المنتوجات التي تُعرف بها، والالتصاق بذاكرتهم بحيث لا يتمكنون من نسيانها. "فما تحتاج إليه الذاكرة من أجل استحضار ما مضى هو هوية لن تكون بادية إلا من خلال اسم"(21)، فالماركات التي تخاطب الأطفال تنتقي تسميات سلسة النطق لتناسب ذاكرتهم وقدرتهم اللغوية كبامبا (pampa) القريبة من بابا. فحين سيقول طفل لوالديه أنه يرغب بتناول رقائق البطاطا فإنه سيقول بامبا قبل أي اسم آخر لأن هذا الاسم يتناسب و الذاكرة الثقافية لذلك الطفل فهناك علاقة لفظية تناظرية بين بابا و بامبا.
أما الماركات التي تتوجه إلى الأغنياء والباحثين عن السلطة و الثراء فإنه يتوجب عليها أن تنتقي أسماء لها إيقاعات موسيقية تتناسب والحالة النفسية و الاجتماعية لهم كرونج روفر (Rang Rover)، كذلك فإن الماركات التي تتوجه إلى النساء يتوجب عليها أن تنتقي إيقاعات موسيقية لأسمائها تتناسب وطبيعة الفئة الأنثوية التي تتوجه إليها كالعطر الفرنس آلور (Allure).
"فالتسمية ليست عفوية ولا مجانية. إنها تتضمن رؤى و منازع أيديولوجية يتضمن الاختيار فيها حسب الاستظهار والتغييب رهانات اجتماعية وسياسية وثقافية ترتبط بسياق المراحل التاريخية التي أنتجتها"(22).
وبفعل الزمن والتداول داخل الخطاب الاجتماعي تصبح الأسماء "جزءاً من نسيج الخطاب اليومي إلى درجة تجعل الأسماء تنزاح عن معانيها، فتفقد أو تنسى أحياناً دلالتها الإسمية الأصلية وتبرز الدلالة الاجتماعية التي أنتجها الاستعمال الاجتماعي لها"(23)، وهذا ما يتعارف عليه في أدبيات الماركيتنغ بمفهوم الصيت (la notriété).
فمفهوم الصيت هو مفهوم مركزي يرتكز في الاساس على أهمية التسمية ذلك أنه يشير إلى الألفة الثقافية بين المستهلك وخطاب الماركة بحيث ينسى التسمية الحقيقية للمنتوج الموضوع ويستبدل باسم الماركة. فحين نقول مشروبات غازية فإن ما يتبادر إلى أذهاننا هو كوكا كولا، وحين نقول السجائر فإن أول ما يتبادر إلى اذهاننا هو مالبورو. ولذا تحظى التسمية بجميع المقاييس بمكانة فريدة فهي قوة تنافسية ودلالية و اجتماعية وجمالية لا مثيل لها. فصيت الأسماء الخاصة ببعض الماركات يجعلنا نعتقد أن هاته المنتوجات التي تحيل عليها هي الأفضل وترتبط بجودة لا مثيل لها.
وهو الأمر الذي يجعل المؤسسات تبحث عن فئاتها الاستهلاكية من خلال الأبعاد الجمالية للثقافات التي تنتمي إليها تلك الفئات. وهو ما نلاحظه بشكل ملموس في تجنب الماركات للأسماء المستفزة كالأسماء الدينية والعرقية لصالح الأسماء الجمالية المحضة.

المميز البصري

يعتبر المميز البصري علامة بصرية طباعية توضع على المنتوج بهدف تفريقه عن المنتوجات الأخرى، وبهدف تعريف المستهلكين على المنتوج من خلال النسق التواصلي البصري، فهو كالاسم تماماً يشكل بؤرة تستعيدها مختلف الخطابات الإشهارية، فلا تخلو إرسالية إشهارية من التركيز على مميز الماركة البصري الذي تحتفي به " فهو المدلول المعادل لكلمة صورة، نظراً لكونه يمثل الهوية البصرية للمؤسسة التي يحيل عليها"(24).
ويعرف فيليب كينيتون المميز البصري بأنه "نظام تعريف يهدف إلى تواصل كوني فعال، وإلى تعين مرجع (موضوع، مؤسسة، شخص، فكرة... إلى غير ذلك) وتميزه عن غيره من المنافسين ضمن زحمة الأسواق الصورية"(25).
وتعتبر لغة المميز البصري لغة كونية ذلك أنها تخاطب العين. وهنا تظهر مفارقة لا بد من الالتفات إليها. يتعلق الأمر بالفعالية التواصلية لكل من التسمية والمميز البصري للماركة. فالتسمية لن تكون فعالة ما لم تنبثق من عناصر النسق الخاص بالمتلقي، أما البصري فكوني. ولكي تتغلب المؤسسات على هاته المفارقة لجأت إلى الأسماء الإنكليزية حتى تمكن العالم من الالتفات إليها والتعرف عليها. فاللغة الإنكليزية قد تمكنت من أن تصبح إنجيل المؤسسات والشركات العالمية.
وينحو المميز البصري باتجاه العلامات البصرية الرمزية نظراً لما تتمتع به الرموز من إيحاءات ومعان كونية فالمثلث والدائرة والمربع والنجمة والهرم والتفاحة هي رموز ذات ثقل دلالي في جميع الثقافات. وعليه فهي قادرة على لفت الانتباه إليها وقادرة على ترغيب المستهلكين بالتقرب منها. فمالبورو اعتمدت المثلث كمميز بصري لها، وأبل اعتمدت التفاحة المقضومة. فالمثلث قوة و تصادم و عنف وهو يناسب قيمة الفحولة التي اعتمدتها مالبورو. أما التفاحة فهي تحيل على العلم (نيوتن) وعلى حكاية الخلق آدم و حواء، ولذا فهي تناسب الدرجة العلمية المميزة التي أرادت أبل أن تسوقها عن نفسها وتناسب المتعة التي يوفرها الاستخدام.
كما أن المميز البصري يعتبر جامعاً ومفتاحاً لمختلف الحكايات المرتبطة بماركة ما وتاريخها، فيكفي أن نرى مميزاً ما لكي تثار في أذهاننا مختلف الحكايات الاجتماعية والأبعاد النفسية المرتبطة بتلك الماركة. فالمميز البصري يرنو إلى "تكثيف المعنى الذي يشمل على فلسفة الماركة وقيمها في علاقتها بالمستهلكين"(26).

الشعار

يندرج الشعار التجاري ضمن خطابنا اليومي، فالراديو يسمعنا الشعارات، والتلفاز كذلك، كما نقرأ الشعار على الملصقات الإشهارية في الصحف والشارع. فهو يخترق كوننا الإنساني المعاصر وفي الغالب يحافظ على ديمومته بشكل يفوق ديمومة المنتوج"(27)، فالشعار يرتبط بالهوية اللسانية والبصرية للمنتوج والذي يحافظ في جل الأوقات على ثباته مهما تغيرت خصائص المنتوجات في علاقتها بمتغيرات العلم. ذلك أن الشعار يوجز تاريخاً ثقافياً.
ولقد أضحى الشعار منذ زمن قريب مكوناً ثالثاً من مكونات الماركة، وتلجأ المؤسسات إلى قوانين الملكية الفكرية من أجل الحفاظ على شعاراتها ومنع استخدامها من قبل المؤسسات الاخرى، فهو يقع كوصلة لسانية بين الخطاب الإشهاري وخطاب الماركة. " وعلى العموم يمكن اعتباره مكوناً خطابياً يؤدي وظيفة الإفهام. والانتباه لدى المتلقي"(28).
ويمتاز الشعار التجاري بكونه خطاباً لفظياً موجزاً ذو كثافة دلالية وافرة، كما أنه يمتاز بإقامته لعلاقات مع كل من المثل و الحكمة. فهو يطرح نفسه باعتباره نتاج للخبرة الاجتماعية "على نحو ينحرف بها عن صيغتها الأصلية، حيث يجري صانع الإعلان خرق واستبدال إذ يحذف جزء من المثل أو القول المأثور ويستبدل به جزء آخر يتعلق بالسلعة المعلن عنها ومزاياها"(29). وهو الامر الذي يجعله قريباً من الذاكرة الإنسانية فهو يحاول جاهداً أن يوجز ويلخص المعنى في أكثر ثيابه شعرية و إيجازاً. "وغالباً ما تكون كلماته خفيفة مصحوبة بإيقاع موسيقي راقص"(30).
وتتمثل استفادة الشعار التجاري من الخصائص الجمالية والأسلوبية التي يتحلى بها كل من المثل و الحكمة في:
يطرح نفسه باعتباره "يتضمن كنزاً من النصائح التجريبية التي راكمتها زمنية الحكمة الشعبية"(31).

"يتبنى الآثار الجمالية التي تبرزها الخصائص الأسلوبية والإيقاعية للمثل والحكمة كالسجع و الوزن والكلمات الخفيفة والرنانة " فهو وجيز ومؤثر وقابل للتذكر"(32).
يقدم نفسه باعتباره يتضمن "حقائق عامة تنتمي إلى اللاشعور الجمعي"(33).
ويلخص أوليفيه روبول (34) خصائص الشعار الإشهاري في: الشعار الإشهاري يهدف إلى البيع. ويخدم مصالح الفرد، الفرد المجهول الذي تتحدث عنه الإحصائيات ولكنه فرد رغم ذلك، فالشعار لا يتردد في خلق وضع تنافسي بينه و بين أمثاله (كن أكثر غنى، أكثر حظوة، أكثر سعادة، كن محبوباً أكثر، أبيض أكثر، كن أحسن من أي كان). بالإضافة إلى ذلك فهو يميز بين الأفراد ويضع المتلقي في وضع سلبي.

المراجع

) Kolter Philipe, marketing management, Treizième édition. Pearson Education, 2009, P. 304.
2) بشير عباس العلاق، المعجم الشامل لمصطلحات العلوم الإدارية (المحاسبة و التمويل و المصارف)، الدار الجماهيرية للنشر و التوزيع و الإعلان، ص 531.
3) موريس نخلة، رومي البعلبكي، صلاح مطر، القاموس القانوني الثلاثي، منشورات الحلبي الحقوقية، 2002، ص1200.
4) Jean-Noël kapferer, France, pourquoi pense la marque? Revue français de gestion. P.14.
5) Jean-Noël kapferer, France, pourquoi pense la marque? P. 15.
6) Jean-Noël kapferer, France, pourquoi pense la marque? P.14.
7) Jean-Noël kapferer, les marque capital de l’entreprise, P. 44
8) Jean-Noël kapferer, les marque capital de l’entreprise, P. 38.
9) Jean-Noël kapferer, les marque capital de l’entreprise, P. 48.
10) Jean-Noël kapferer, France, pourquoi pense la marque? P.15.
11) Jean-Noël kapferer, France, pourquoi pense la marque? P:15.
12) Jean-Noël kapferer, les marque capital de l’entreprise, P. 129.
13) Michel serres: la marque?, La plus vieux métier du monde, La revue des marque, N 43, P. 45.
14) Jean-Noël kapferer, les marque capital de l’entreprise, L’organisation, Quatrième édition, Paris. 2007, P. 38.
15) Andrea Semprini, le marketing de la marque. Edition Liaisons, 1992, P. 3-4.
16) Michel serres: la marque? La plus vieux métier du monde, P. 45.

17) سعيد بنكراد، سميائيات الصورة الإشهارية، أفريقيا الشرق، 2006. ص 151.
18) Andrea Semprini, le marketing de la marque, P. 5.
19) محمد خاين، الخطاب الإشهاري. المركز الثقافي العربي، 2012 ص: 90.
20) Philipe Kolter, Kevin keller, Delphine Manceau, marketing management, Pearson France, 2012, P. 291.
21) سعيد بنكراد، سميائيات الصورة الإشهارية، المركز الثقافي العربي، 2010، ص 122.
22) محسن بوعزيزي، السميولوجيا الاجتماعية، مركز دراسات الوحدة العربية، ص 145.
32) محسن بوعزيزي، السميولوجيا الاجتماعية، ص، 147.
24) محمد خاين، الخطاب الإشهاري، ص 94.
25) Philipe Quiniton: les logotypes des IUT de France: représentation d’une institution, In. communication et langage. N 129, P. 82.
26) Andrea Semprini, la marque, P. 74.
27) Fernando Navarro Dominguez, la rhétorique du slogan, Cliché, idéologie et communication. In Bulletin Hispanique, Tome 107, N 1, 2005, P. 266.
28) محمد خاين، الخطاب الإشهاري، ص 91.

29) جميل عبد المجيد، الإعلان و الأدب، ضمن كتاب آليات الخطاب الإشهاري و رهاناته، كلية الآداب و العلوم الإنسانية الدار البيضاء، عين الشق، 2009، ص 55.
30) جميل عبد المجيد، الإعلان و الأدب، ص 54.
31) Thi Hung Nguyen, du production du sens dans le proverbe, Recherche du doctorat, Sous la direction de Jacques Bres, Université Paul- Valery- Montpellier, P. 79.
32) Fernando Navarro Dominguez, la rhétorique du slogan, P. 270.
33) Thi Hung Nguyen, du production du sens dans le proverbe, P. 81.
34) أوليفيه روبول، الشعارات الإشهارية و السياسية و الإيديولوجية، ترجمة سعيد بنكراد، علامات، العدد 12، 1999، ص 25.