بلادنا فلسطين- في دير مار سابا مرّة أخرى

، بقلم جميل السلحوت

من يزور دير مارسابا في براري بلدة العبيديّة قرب بيت لحم، سيحتار من أين يبدأ؟ وأين سينتهي؟ فالدّير التّاريخيّ الذي تمّ بناؤه بين عامي 478 م - 484 م، على يد الرّاهب سابا بمشاركة 5000 راهب، يُعتبر واحدا من أقدم الأديرة المأهولة في العالم، وقد تمّ اختيار مكانه بعناية فائقة، فالبناء قائم على الجانب الغربيّ لوادي النّار، في منخفض أرضيّ ينشقّ فجأة بطريقة لافتة، حيث تنخسف الأرض أمام المرتفع الجبليّ بصورة لا يمكن لمن يزور المنطقة للمرّة الأولى أن يتوقّعها، ومن ذلك المرتفع يرى الزّائر نفسه وهو يعلو البحر الميّت، ويرى نفسه في مواجهة جبال مؤاب الأردنيّة، يبدأ المنحدر أو الخسف الأرضي من على يمين الزّائر للدّير بوادي حُجر، الذي يعلوه حاجب صخريّ صوّانيّ، يقف شامخا فوق كهوف قديمة جدّا، يسكنها مربّو الماشية، خصوصا الماعز، التي تحمي نفسها بهذه الكهوف في الأيّام الماطرة، ثمّ تنحدر إلى الوادي، حيث المنتجع السّياحيّ لخلف العبيدي الذي تمّ هدمه في منتصف شهر اكتوبر 2017، وبجانبه بيت وبئر مياه وحظائر للخيول وللأغنام لا تزال قائمة، وإذا ما أراد الزّائر أن يشبع ناظريه من جمال المنطقة السّاحر، فإنّه يجدر به أن يبدأ المسير على قدميه من بداية المنحدر، علما أنّ الشّارع معبّد حتّى أبواب الدّير، وهذا ما فعلته، وما أن نزلت المنحدر حتّى رأيت على يميني تجمّعا بسيطا لبيوت مبنيّة من ألواح الزّينكو أمامها حظائر لمربّي الأغنام، وعلى بعد بضع مئات من الأمتار من تلك البيوت هناك بيت مبنيّ من الباطون لمربي أغنام أخر، ويمكن مشاهدة عدّة قطعان من الماعز بسهولة وهي ترعى على سفوح جبال تلك المنطقة، كما شاهدت قناتي ماء متباعدتين لتجمعا مياه المنحدرات والوديان المجاورة، وهما مصقولتان بالباطون، وعلى جوانبهما المنحدرة سلاسل حجريّة مثبّتة بالباطون، ويتجاوز عرض القناة المترين في بعض الأماكن، وهذا يخضع لطبيعة الأرض، لتواصل القناتان مسيرهما، فتنفرج الجنوبيّة الغربيّة منهما، وتختفي خلف الجبال، وتعود لتلتفّ ثانية مرورا "بمدبّ مطر الحسين"، وعندما تصل أمام "دير البنات" تصبح القناة كالخندق المعمول بالباطون والذي يصل ارتفاعه وعرضه إلى مترين، وتصبّ في آبار الدّير العظيمة.

وعندما وصلت التّلة التي تعلو برج الدّير، وقفت عليها، فوجدت نفسي كالجائع الذي يقف أمام مائدة متعدّدة الأطباق الشّهيّة، فجبل المنطار الذي تتبع سفوحه الغربيّة والجنوبيّة للعبيّديّة، وما تبقى منه للسواحرة، وهو جبل مرتفع جدّا، من قمّته يرى الزّائر مدينة القدس، ومدن بيت لحم، بيت جالا، وبيت ساحور، ومن الجنوب يرى امتدادا واسعا للبحر الميّت، ومن الجهة الشّرقيّة يطلّ على مقام النّبي موسى، حيث تظهر القناطر الحجريّة التي تطلّ على المقام، لترشد زائريه للوصول إليه، ومنها أيضا يرى مدينة السّلط الأردنيّة، ولا يكدّر صفوه سوى رؤية مستوطنة "معاليه أدوميم" المقامة على أراض أبوديس والعيزرية، وامتدّت لتصل منطقة "بيدر العبد" في أراضي السّواحرة، وإلى الغرب منها مستوطنة كيدار التي هي عبارة عن مجموعة "كرافانات"، وهي على مرمى حجر من "خربة جنجس" الأثريّة.

ومن تلك التّلّة كنت أعلو وادي النّار الذي يمرّ عند كعب الدّير من الجهة الشّرقية، وفي منخسف الوادي تحيط بشرقه صخور متشعّبة فيها عدّة كهوف، بنى الرّهبان أدراجا تسهّل الوصول إليها، وهذه الامتدادات الصّخريّة يعلو بعضها بعضا بطريقة لافتة، وأعتقد أنّها بقايا خسف بركانيّ مرّت به المنطقة في العصور الغابرة، عدت ألتفت إلى الغرب والجنوب، وأجزم بأنّ اختيار هذا المكان لبناء الدّير لم يكن عشوائيّا أو صدفة، صحيح أنّ هناك أديرة كثيرة تقوم على السّفوح والمنحدرات المحيطة بالوديان في بلادنا فلسطين، ويوجد قربها كهوف لاستعمال الرّهبان، ويبدو أن لذلك أسبابه، وأهمّها توفير الحماية للرّهبان، الذين ينقطعون في هذه الأديرة للعبادة، لكن دير مارسابا يتميّز بهذا الموقع عند ملتقى وديان، حيث يبدو أنّه نواة ومركز نجمة خماسيّة الأضلاع مكوّنة من جبال ووديان، وبدا لي الدّير الذي يشكّل بانوراما فنّيّة تشكيليّة، فيبدو لوحة يراها النّاظر بصورة مختلفة كلّما دار إلى الجهات الأربعة. والدّير الذي يحيط به سور عظيم لا يستطيع أحد تسلّقه وتخطّيه.

قصر البنات:

وعلى بعد أكثر من مئة متر من جهة دير مارسابا الغربيّة يقوم بناء قديم مكوّن من خمسة طوابق يتبع الدّير، عرفت أنّ هذا البناء اسمه "قصر البنات" وهو مخصّص للرّاهبات والبنات اللواتي يزرن الدّير، الذي يحرّم دخول النّساء إليه.

نزلت من الهضبة المرتفعة ناويا التّوجّه إلى بوابّات الدّير، حيث يوجد ساحة واسعة، محاطة بالصّخور الطّبيعيّة المرتفعة، حيث كان العشرات من السّيّاح يتواجدون، ويلتقطون الصّور، كانت غالبيّتهم من النّساء اللواتي لا يسمح لهنّ بدخول الدّير، بينما الرّجال كانوا داخل الدّير، وفجأة ظهر أمامي خلف العبيدي الذي كان يقوم برياضته المعتادة على ظهر حصان، طرحت عليه التّحيّة، فانتبه لي وترجّل عن حصانه وصافحني، ولمّا عرف سبب وجودي، أعطى الحصان لشابّ يعرفه من العبيديّة؛ ليعيده إلى الحظيرة في وادي حجر، ورافقني، وعرض عليّ أن يريني المنطقة الغربيّة خلف "قصر البنات" وهي منطقة لم أكن أعرف عنها شيئا، ومشى أمامي في قناة الآبار، فلا يوجد طرق غيرها، مررنا من أمام "قصر البنات" وكان مغلقا، ويبدو أن لا أحد فيه، ومن أمامه التفتنا إلى دير مار سابا، فبدا لنا مقطع طولي له من الجهة الغربيّة، وفيها ثلاث قباب دائريّة، إحداها يزيد قطرها عن عشرة أمتار، وعلى مقربة منها غربها هناك قبّة يبدو قطرها حوالي مترين، وإلى الشّمال منهما وعلى بعد أكثر من خمسين مترا، هناك قبّة صغيرة أخرى ترتفع على سطح غرفتين، وبينها يعلو علم اليونان يتوسّطه صليب باللون الأحمر، واصلنا مسيرنا غربا على شكل نصف دائرة، فأطلّينا على واد شديد الانحدار، طوله حوالي 200 متر، يحيط به جانبان صخريّان شديدا الوعورة، وفيه عدّة كهوف، بعضها مبنيّ على واجهتها الأماميّة جدران حجريّة، وهناك أدراج تصل تلك الكهوف تبدأ من قاع الوادي، حيث توجد طرق للمشاة تصل إلى الدّير، وفي رأس هذا الوادي المخيف وتحت الانجراف الصّخري الذي يبدو كشلّال هناك بسطات صخريّة، قال خلف العبيدي أنّ أسرته لجأت من ضمن من لجأوا في ذلك المكان في حرب حزيران 1967. وينتهي الوادي بالالتقاء مع وادي النّار، حيث تبدو المنطقة المقام عليها "قصر البنات" كمثلثّ بين واديين، يربض على الجهة الغربيّة من دير مارسابا، مع التّأكيد أنّ "قصر البنات" جزء من دير مار سابا مع أنّه يقع خارج أسواره.

مطار حسين

وفوق الشّلال هناك مساحة منبسطة من الصّخور الملساء يسمّيها العامّة "مطار حسين" فتساءلت عن سبب التّسميّة، ومن هو حسين هذا؟

فأجاب خلف: الاسم الحقيقي لهذا المكان هو "مدبّ أو مقتل مطر الحسين، وهو شخص من العبيديّة، سقط في ذلك المكان ومات في بدايات القرن العشرين، فأطلقوا عليه "مدبّ مطر الحسين"، وبعدها بدأ تحريف الاسم حتّى أصبح الاسم المتداول له هو "مطار حسين".

من مقام النّبي موسى إلى الفريديس

وعندما عدنا طريقنا ظهر لنا على الامتداد الجبليّ المقابل للدّير من الجهة الشّرقيّة مجموعة سيّارات دفع رباعي، وبجانبها عدّة أشخاص يلتقطون الصّور للدّير، فتساءلت عن كيفيّة وصولهم للمكان، وما هي الشّوارع الموصلة إليه، فأجابني خلف:

هؤلاء يصلون من الطريق الترابيّ حيث مقام النّبي موسى بين القدس وأريحا، ويمرّون ببقيعة السّواحرة، ويعبرون وادي النّار إلى بقيع العبيديّة، ثمّ يتّجهون شمالا، حيث يصلون إلى تلك المنطقة، ومن جنوب ذلك المرتفع يواصل الطريق التّرابيّ امتداده إلى العبيديّة، ومن ثمّ إلى بيت ساحور وبيت لحم، وأضاف العبيدي أنّ هناك طريقا ترابيّا آخر يأتي من منطقة الخان الأحمر، ويواصل امتداده مرورا بأراضي الزّرّاعة في براري السّواحرة، ويمرّ أمام الكعب الغربيّ لجبل المنطار، ثمّ ينحدر جنوبا، إلى العبيديّة، ويواصل امتداده إلى "جبل هيروديون أو جبل فريديس أو جبل الإفرنج، وهو مرتفع صناعيّ مخروطيّ الشكل كالبركان، قطره 100م، يقع شرقي مدينة بيت لحم، يبلغ ارتفاعه (830) عن سطح البحر، وهو يشرف على مدينة القدس، ومنطقة الأغوار وما حولها، ويبعد عن بيت لحم 6 كم، أقامه هيرودوس الكبير (72 – 4 ق.م )، أواخر القرن الأوّل قبل الميلاد، وجعله حصنا منيعا محاطا بخندق يملأ بالماء، ووراء الخندق سور مستدير حول المنطقة، بني بالحجارة الضخمة، وأقيمت فيه أبراج للمراقبة، وبنى حوله مدينة أطلق عليها اسم (هيروديا)، وزيّنها بعدد من الحدائق وبرك السباحة."