عواءُ الرّيحِ في القريةِ الضائعة

، بقلم جورج سلوم

فعلاً.... لقد كانتِ الرّيحُ تعوي عندهم كذئبةٍ مفجوعة...وتلهث.. وكان وقعُ شهيقها و زفيرها على سطحِ ذلك المستوصفِ الريفي (حيث أقيم) يبعث الرّعدة والرّعشة في القلوب.. أشبه بالفحيح على لوح الصفيح.. أما شجرة الصفصاف فقد انحنت تقبّل الأرض بين يديّ الريح طالبة الصّفح...

وضعتُ كأس الشاي على الطاولة ونظرتُ إلى الأب الملهوف:

- خيراً إنشاء الله

- ابني...ابني يا دكتور بين الحياة والموت

وسرْنا....وكانت تطنّ في أذنيّ موسيقا القدر..... لكنّ حجارة الطريق كانت واجمةً...أو ربما كانت متضايقة من حذائي الثقيل الذي ينهب الأرض بنهمٍ باتجاه المنزل.

الأم كانت أصواتاً فقط تنطلق بحدّةٍ وقسوة فتجرّح ذلك السّكون الرهيب.... وتعلنُ الرّفضَ لهذا القرار الإلهي.

أما الأب فكان كتلة دموعٍ لكنْ تخجل أن تسيل.... أحدهم نفضَ سيجارته على الأرض ثم انحنى ليلتقط رمادها خجلاً وكأنه ارتكبَ معصية.ً

أغلقتُ حقيبتي الطبّية بسرعة.... وفي الصّباح سلّمت الأب شهادة وفاة...تصريحٌ بالخروج من الحياة الدنيا.

وفي نفسِ اليوم.... ركض حذائي الثّقيل على الطريق عينه و رافقته حجارة الطريق ذاتها ومازالت صامتة.. لكن لونها الكلسيّ الأبيض كان مشوباً بالدم... قتيلٌ في حقله.. مطلوبٌ بثأرٍ قديم...

وفي اليوم التالي أعطيت الأهل شهادة وفاة...وارتفعت شاهدة فوق قبرٍ آخر...

هنا في هذه القرية..الحب كبير..والخيركثير.. والمرضُ مستبطنٌ في الأبدان..وكذلك الشرّ موجودٌ ودفين..بين عائلاتٍ وأفخاذٍ وبطون..

والريح هنا هوجاءَ دائماً.... عويلُها مخلوطٌ بأنّات المرضى... ألم ٌ وآهات وأوجاعٌ... وفقرٌ يعضّ على مواضع الألم.. والطبيب لا يصنع المعجزات.. يكتبُ وصفة ويقترح دواءً ولا يجترح الشفاء...
الله هو الشافي (وإذا مرضت فهو يشفين)..أقولها دائما ً..

قلت لشيخ القرية:

- الريح عاتية ومخيفة عندكم..

قال:

- نحن نردّد صلاة النبي إذا عصفتِ الريح..(اللهمّ إني أسألك خيرَها , وخيرَ ما فيها ,وخير ما أرسِلت به...)

ويأتي الليل..فأنصِت للريح وأتنبأ كيف ستكون ليلتي.. وحيدٌ أنا في عيادتي ومترقب للريح وعويلها...بردٌ وخوف في هذه القرية النائية.

أنا الوحيد الذي سُمح لي أن أدخلَ كلّ بيوت القرية..أعرّي الجميع شيباً وشباناً.. نساءً ورجالاً.. ولكلّ بيت علّة.. كلامي منزلٌ وأمري مطاعٌ..ولكلّ مريضٍ ملفّ عندي.. فذلك الطفل يكبر وأقيس طوله وقطر جمجمته.. وتلك الولودة أعرف متى حملت ومتى ستنجب.. ومختار القرية أعرف كم ينبض قلبه.. وماذا أكل عند العشاء.. وفي ليل الخميس الكثيرون بحاجة للمقوّيات...وفي رمضان يطلبون الفتاوى مني في موانع الصيام... وفي العيد يُتخمون!

حفظتُ أمراض هذه القرية وحتى الوراثية منها... وصرتُ واحداً من أعيانها..وجهدوا لكي أصبح واحداً من أبنائها بالزواج عندهم... استلطفتُ آنذاك سميرة وأميرة وغيرهن ّ..جميلاتٌ بنات وطني وشريفات وعزيزات القلب والنسب..

قلت:

- لكنني عبدٌ للريح..تستنفرني بلهاثها المخيف في لياليكم الباردة..وسوف تقذفني بعيداً عنكم بعد أشهر إلى بلاد الغربة..

الريح هنا تذروكم وتغربلكم يا إخوتي..فمن لم يمتْ بالسّيف مات بغيره... المرض قتّال..والفقر قتّال.. والغربة قاتلةٌ قاتلة... والفتنُ النائمة بينكم قد تصحو أحيانا وتنقلها الرياح...

أحببتكم ورغبتُ بالعيش بين ظهرانيكم... لكنّ قريتكم الجميلة واقعة في مهبّ الريح...ولن تفنى الرياح....

وبعد سنواتٍ طوال من سفري عن تلك القرية... ما زلتُ أتتبع أخبارَها من وراء البحار..مازالت جاثمةً في مهبّ الريح.. وتتناهبها المحن... وتلوكها ألسن الأعداء.... وجسدها مثخنٌ بالجراح.