نبضات ضمير

، بقلم حسن عبادي

المقالة فن أدبي يخدم من يرغب بالتعبير عن ذاته ونشر فِكْرة، وعمرها صغير، وتختلف كُتُب المقالات عن الكتب العاديّة، حيث تكون مجموعة مقالات نُشِرت في الصحف والمواقع الإلكترونيّة وعبر شبكة الإنترنت وجُمعت بين دفتي غلاف دون اعتبار وشروط وتُحسب لكاتبها مؤلّفًا، بذل مجهودًا في إخراجه للنور مما يظلم الكاتب العادي الذي يبذل جلّ جهوده لإصدار نتاجه بعد تعب ومشقّة وسهر ليال.

عنونَت عدلة شداد خشيبون إصدارَها ب"نبضات ضمير"وأنا أراها شذراتٍ أدبية أو خواطرَ وجدانيّة، فكتاباتها عبارة عن مقالات موسميّة بمناسبة عيد المرأة، عيد الأم، الأعياد الدينيّة ويوم الأرض وغيرها من مناسبات كتبتها ونشرتها على مرّ السنين فيبدو أن النصوص كُتِبَت في أزمنة مختلفة ومتباعدة، غلب عليها طابع التكرار وكأنها خرجت من دُرج عدلة للمطبعة مباشرة دون فحص وتحرير وتنضيد وغربلة لتخرج للنور في كتاب جميل مزركش.

يضم"نبضات ضمير"73 نصّا في 120 صفحة وهو صادر عن دار الوسط اليوم للإعلام والنشر، مراجعة وتنقيح الشاعرة آمال عوّاد رضوان، لوحة الغلاف – تطريز الكاتبة عدلة، قدّم له الاستاذ يوسف ناصر وعلقت عليه السيدة دينا سليم حنحن – استراليا ب"مقدّمة"ثانية في آخر الكتاب، ناهيك عن الإهداء المفرط، إضافة إلى كلمة الشكر والتقدير؟!؟ الحافلة بأسماء كل من شجعها في دربها، ولم تنس كاتبتنا"السيرة الذاتيّة"لتعدّد المواقع التي تنشر فيها؟!؟).

كاتبتنا نسويّة بامتياز، كابنة، اخت، حفيدة، أُم وامرأة تصرخ في الثامن من آذار لتعبّر عن حقِّها وتحكي قصّتها مرورًا بميس، سلمى، نيلم، هزار، نورس، سعاد، خولة، بثينة ولبنى. إنها نصيرة المرأة ومتمرّدة على العادات والتقاليد:"لا تتفاوضوا علي بمزاد علني … وتدعون الوطنية … فلي عيون تراكم …."وتحثّ النساء على السعي وراء أحلامهن:"لا تؤجلي حلمك.. فالأحلام المؤجلة بالمرصاد، يقف لها واقع أليم"، تلك المرأة التي لديها ما تقول"والتي لا تنحني، بل تنحني لها كل البطاقات"رافضةً سيادة الرجل فتصرخ:"فلا أنت سيدي، ولا أنا أمَتُكَ"وتنادي نساء العالم قائلةً بأعلى صوتها"لنكن كما نريد أن نكون".

للأم حضور مبارك عبر غالبية النصوص فهي تناجيها"في يومك أماه"قائلة:"ما زالت تسكرني رائحة الهيل.. من قهوة كنت فنّها تتقنين.. ورائحة خبز الصّاج تفوح.. أمّا أقراص الزّعتر.. السّابحة في الزّيت.. فطعمها لن يطغى عليه أي طعم.. أّمّاه".

تبحث عدلة عن ضالتها"نفسي الضالة في ازقة الزمكان"خائفة متوتّرة"أخاف على طائرتي من تحليق بلا هبوط"وغير آمنة"أبحث عن زاوية آمنة.. في عالم تكثر فيه الافاعي.. وتبرعم أغصان الحقد"فتشعر بالوحدة القاتلة، فهي وحيدة في كل زمان ومكان حتى حين تكون محاطة بالأقارب والأصدقاء"فأنا معكم ولست بينكم"وتصرخ بأن أقسى ما تعانيه من اغتراب"اكثر قسوة تلك اللحظات، التي يكون حولك آلاف البشر، ورغم ذلك، قاسية وموحشة وحدتك تكون"فتقول: "فلم أرَ غير ذاتي في المرآة، ولا يظهر وزن غيري على ميزاني"ورغم ذلك تقاوم ولا تيأس ولا تستسلم"أنا لم ارفع شعار الاستسلام بعد. لأن النجم في داخلي، ما زال ينير هذه البؤر المظلمة"فتلبس قبعة"تقي هذا الرأس من عقارب الافكار السامة وأفاعي النوايا السيئة".

عدلة واعظة تنادي بالمحبة والإنسانية وصحوة الضمير للوصول إلى شمس الحريّة رغم قسوة بني البشر وقلوبهم،"أيها الأمل الغافي على كتف حرية الضمير، حان وقتك لتنهض"لأنه حين تنبض الضمائر تنتشر الإنسانية وتسود المحبة بين الناس وهذا هو شعارها وتلك رايتها عبر صفحات الكتاب، الذي عنونته ب"نبضات ضمير"تنبض بقلوب طرّزتها كلوحة نابضة على الغلاف تحوي قلبًا كبيرًا يرسم العنوان وتحيطه قلوب صغيرة.

تنصح قرّائها"لا ترموا حجارة في بئر الذكريات، فقد تشربون منها ذات يوم"، وتضيف"بحر الأحلام بلا منقذ، والعوم في الأعماق على مسؤولية العائم"و"تمتع بالحلم ما دمت في غفلة من اليقظة".

للوطن حضور مكثّف في نصوص عدلة، ولها حرقة على ظواهر سلبية نعاني منها كظاهرة النفاق الذي نعيشه فترة الانتخابات كما جاء في نصها"منافقون حتى النصر"، وللكادحين نصيب من اهتماماتها فتقول:"أين حذائي الذي اهترأ من الغوص في وحل الظلم والاغتياب؟ في السّوق العتيق.. حيث عزف الفقير معزوفة الشّوق.. لحلم رغيف بزيت وزعتر.. وكوب من الشّاي تنبعث منه رائحة نعناع.. بنكهة بستان جدّي.. وينابيع جرت من جبهات الكدّ والعمل.."رافضة للعبودية فتقول:".. أريد أن أصرخ.. لا في وجهك.. بل في وجه العبودية الآسرة".

حاولت الكاتبة اللجوء إلى السخرية السوداوية فكتبت:"ديموقراطية بنكهة كرباج معلق على مشجب هوائي.. يلف اعناقنا، فإما أن …. وإلّا …."وكذلك"هنيئا لمن فاز بخسارة، ولمن خسر بفوز ساحق"فتنتقل من التشاؤم إلى الأمل والتفاؤل"أيها الامل الغافي على كتف حرية الضمير! حان وقتك لتنهضَ"وكذلك"وراء كل خريف … ربيع يبتسم".

أعجبني إصرارها ومثابرتها"سنعود قريبا، اجل سنعود، وبأيدينا سعف النخيل واغصان الزيتون، سنزينها لأطفالنا وسيطوفون شوارع المدينة مهللين"، فتحطّ عصى الترحال في"خواطر متشائلة":"عندما اجتمعنا نخبة من الأحبّة.. نودّع سنة عابرة من عمرنا.. ونتأهّب لاستقبال سنة أخرى.. نظرت إلى الجموع بعين ثاقبة.. فكلّ منهم تغافل عن الحضور.. تلهّى بهاتفه الخليويّ.. هذا يسطر عبارة جميلة لمحبوبته.. وتلك تنقل رسالة بحروفها.. توزّعها على معارفها.. وهذا وذاك انشغل بتغيير اللّغة.. لتناسب هاتف صديقه.. وذاك فتح حاسوبه المتنقل..

وأبدع في إرسال الرّسائل الإلكترونيّة.."(ص.78) وتقول بأعلى صوتها:"لا أحب القلائد الضيقة، تخنقني وتبرق في وجوه الآخرين". أوليست القائلة:"ننزع عنها كلّ فكرٍ قديم.. أو ثقيل.. ونمحو بممحاة سحريّة.. كلّ ذكرى مؤلمة.. لنخطّ بحبر سحريّ.. كلّ لحظة سعيدة.."(ص.74)
كاتبتنا مثقّفة ترتكز على التّراث العربيّ، على الحضارة العربيّة وعلى الإنجيل المقدّس، وتعتزّ بنصرانيّتها وكنيستها بعيدًا عن التّعصّب الطّائفيّ فتصلي"أبانا"وصلوات أخرى، وتقرأ المزامير، وتحاول الأخذ بالقرآن الكريم وهنا ألومها لبعض اقتباساتها غير الدقيقة!

تدلّ لغة النصوص على كاتبة متمرّسة ومتمكّنة من اللغة، ولكنها لغة مختزلة جافة ومباشرة تفتقر الى الإحساس الصادق، تشكو من التكلّس والمعدنيّة والجفاف، استخدمت كاتبتنا النقطتين المتتاليتين (..) بين العبارات بتكرار محبط أفقد النص جماليته، وأجهض شاعريته وانسيابه ليصبح ثقيلًا مُمِلّا، وأزعجتني الأخطاء النحوية واللغوية والمطبعية مما ظلم عدلة، ناهيك عن التصميم الغرافي الغائب عن صفحات الكتاب، وهنا ألقي اللوم على الناشر والمدقّق اللغوي والمراجع المستخف بالقارئ والظالم لعدلة فلم ينبّهها لتلك الأخطاء.