صفحات من سيرتي الذاتية

، بقلم جميل السلحوت

هذه صفحات من سيرتي الذّاتيّة"أشواك البراري"، التي ستصدر في العام القادم 2018 بعد أن أنتهي من كتابتها.

ولادتي:

أمّا أنا فقد أنجبتني أمّي بعد أحد عشر شهرا من ولادتها لشقيقي ابراهيم، وهذا يعني أنّني ولدت في الثّلث الأوّل من شهر آذار –مارس- 1949، لكنّني أحمل شهادة ميلاد مكتوب فيها أنّني مولود في 5 حزيران-يونيو- 1949، حسب تقدير طبيب الصّحة الذي قدّر عمري عند دخولي المدرسة في العام الدّراسي 1955—1956. وليته اختار يوما غير هذا اليوم، الذي أصبح لاحقا في عام 1967 ذكرى هزيمة ماحقة، وما ترتّب عليها من مآسي واحتلال أهلك البشر والشّجر والحجر، وبولادتي كنت الابن السّابع لأبي، خمسة أبناء أنجبتهم زوجة أبي وواحد أنجبته أمّي، في حين لم تنجب أيّ منهما أيّ بنت وقتئذ، ولاحقا أنجبت زوجة أبي ابنتين، وأنجبت أمّي سبع بنات؛ لتكون خلفة أبي 21 شخصا، 12 ابنا، و 9 بنات.

أنجبتني أمّي التي كانت "حردانة" في مغارة عند بداية منطقة الحرذان، حيث كان يسكن والداها في خشّبيّتين مسقوفتين بألواح الزّينكو، أمام حاجب حجري، حفر فيه جدّي لأمّي كهفا له مدخل طويل منحدر كرقبة جمل هرم، وعندما أنجبتني كان والداها وبعض أخواتها وبقرة في المغارة. ولمّا خرجت إلى الحياة وأطلقت صرختي الأولى، فرحت بذلك جدّتي لأمّي كافية حميدان حسن شقير وقالت –كما روت لي أمّي-: "ولد يا أمينة ريته مبروك"، في حين عقّب جدّي "الله لا يردّك ولا يردّه".

ولم تكن الولادة في المستشفيات معروفة بين الأهالي، وحتّى الدّاية القانونيّة لم تكن معروفة أيضا، وكانت بعض المسنّات يساعدن النّساء في المخاض، حيث كانت المرأة في المخاض تجلس القرفصاء على قدميها، تساعدها بعض النّساء الشّابّات قويّات البنية بأن يمسكن تحت إبطيها؛ لتبقى مرتفعة عن الأرض، حتّى تنجب وليدها، وهذه الطّريقة ربّما تتسبّب بسقوط رحمها؛ لتعيش ما تبقّى لها في مأساة! تبدأ بطلاقها، وباستغابتها سوءا من الآخرين رجالا ونساء! ومن تتعسّر ولادتها تموت؛ فترتاح من عذابات الدّنيا، لكنّ اللعنة تطارد وليدها الذي ماتت عند إنجابه! فيصفونه "بقاتل أمّه" ممّا يسبّب له أمراضا نفسيّة تصل إلى درجة الجنون. وفي السّتّينات كانوا يحضرون داية من بيت لحم اسمها "كاترين" للمرأة التي تتعسّر ولادتها، ونادرا ما كانوا ينقلون المرأة متعسّرة الولادة إلى المستشفى الحكومي "الهوسبيس" في القدس.

وعندما علم والدي بأنّ أمّي أنجبت ولدا، أرسل عمّي الأكبر موسى صحبة المختار حسين ابراهيم شقير ليردّاها، غير أنّ جدّي لأمّي أصرّ على عدم ردّها حتّى يحضر زوجها بنفسه، وهذا ما حصل.

وأنا لا أزال أتساءل عن ولادتي وأمّي "حردانة" فهل كان هذا بداية شقاء لي ولوالدتي، أم هي الصّدفة؟

وأبي هو من اختار اسم جميل ليكون اسما لي، وهذا الاسم يحمله قبلي العمّ المرحوم جميل خليل السلحوت، المولود بدايات عشرينات القرن العشرين، ممّا أثار غضب والدته المرحومة عليا حسن مشعل شقيرات، فهدّدت بخنقي حتّى الموت! - لأنّهم كانوا يعتقدون أنّ اطلاق اسم على مولود جديد يحمل اسم ابن سابق في العائلة، يعني أنّ حامل الاسم الأوّل سيموت-. فهل ولادتي جاءت شؤما على العائلة؟

وهل كوني الابن رقم سبعة لأبي، يعني فأل خير، خصوصا وأنّ لهذا الرّقم دلالات دينيّة، ودلالات أخرى في الثّقافة الشّعبيّة؟ لكن بغض النّظر عمّا كان يعتقده جيل الآباء والأجداد فقد عشت طفولة ذبيحة بالمقاييس كلّها، وهذا لم يكن مقصورا عليّ وحدي، بل هذا ما عاشه أبناء جيلي جميعهم، وإن بشكل متفاوت، فقد كان مولد شقيقي ابراهيم الابن البكر لأمّي، والسّادس لأبي مصاحبا لنكبة شعبي الفلسطينيّ في العام 1948، وما صاحب ذلك من تشريد حوالي 800 ألف من أبناء هذا الشّعب من ديارهم هربا من ويلات الحرب، وما صاحبها من مجازر ارتكبت بدم بارد وبتخطيط من العصابات الصّهيونيّة، كمجازر دير ياسين، الطنطورة، الدّوايمة وغيرها، وجزء منهم لجأ إلى ما بات يعرف لاحقا بالضّفّة الغربيّة. وهذه المناطق كانت تعيش على الاقتصاد العفويّ، المتمثّل بالزّراعة البعليّة التي تعتمد على مياه الأمطار، ومعروف أنّ دول شرق المتوسّط تحظى بمياه الأمطار التي تكفي للزّراعة بمعدّل سنة من كلّ أربع سنوات.

وصاحب النّكبة أربع سنوات محل متتالية، 1948-1952م، ممّا جعل النّاس في ضائقة من العيش، ولولا مساعدات وكالة غوث اللاجئين U.R.w.A. والتّمور العراقيّة، حيث أنّ العراق ألغى تصدير التّمور، وحوّل انتاجه منها إلى مخيّمات اللاجئين، وما بات يعرف بمناطق الخطوط الأماميّة، أي المحاذية لحدود دولة اسرائيل التي قامت في 15 أيّار –مايو-1948 على 78% من مساحة فلسطين التّاريخيّة؛ لحصلت مجاعات أهلكت البشر.

وأنا ولدت بعد تلك النّكبة بعام واحد، أي في الأزمة الاقتصاديّة التي عمّت المنطقة. مع التّأكيد أن أسرتنا كانت ميسورة قياسا بالآخرين، فوالدي كان يملك أموالا وفّرها من عمليّات التّهريب بين الأردنّ وفلسطين زمن الانتداب، كما كان يملك مخزونا من القمح يكفي أسرتنا لأكثر من خمس سنوات، إضافة إلى قطيع من الأغنام الحلوب، كان عدده يتراوح بين 150-250 رأس غنم.

أيتام في حياة الوالدين

ونظرا لسنوات المحل المتلاحقة، فقد رحل مربّو الأغنام من عرب السّواحرة ومن ضمنهم أبي بأغنامهم إلى منطقة الكرك عام 1951، وبنوا خيامهم بجانب سيل ماء قرب مضارب قبيلة الحمايدة الأردنيّة المعروفة، واصطحب والدي والدتي معه، وتركوني أنا وشقيقي ابراهيم برعاية زوجة أبي-رحمها الله-، تركوني وأنا لم أكمل السّنة الثّانية من عمري، وشقيقي ابراهيم ابن السّنوات الثّلاثة، تركونا بلا والدين. وأنجبت أمّي شقيقتي جميلة هناك، وعندما اغتيل العاهل الأردنيّ الملك عبدالله الأوّل في ساحات المسجد الأقصى في 20 تموز -يوليو-1951، عادوا إلى البلاد بعد مضايقات من أبناء المنطقة؛ بسبب اغتيال الملك. وكما أخبرني والداي لاحقا فقد تركونا من باب الحرص علينا! كي لا نتحمّل مشاق السّفر مشيا على الأقدام لمسافات بعيدة، ولكونهم لا يعرفون أين سيكون المستقرّ! فهم بدو رحّل يتنقلون من مكان لآخر طلبا للعشب والماء.

ولكم أن تتصوّروا حياة طفلين بهذا العمر يتركان كالأيتام لا أب وأمّ، صحيح أنّ زوجة أبي رعتنا لكن لا أحد يغني طفلا عن حضن والدته.

رعاية الأطفال:

لم تكن أيّ رعاية للأطفال وقتذاك يمكن ذكرها، وكان "السماط" ظاهرا على من كانوا لا يستطيعون قضاء حاجتهم خارجا، وعلاج السماط كان عبارة عن تراب أحمر ناعم بدل البودرة، وكان التراب يلتصق بجلودهم الغضّة فيسلخها دون رحمة.

ومن الغريب أنّهم كانوا يلفّون الطفل الوليد بقطعة قماش "لفاع" يثبّتونها بقماط يلفّونه على الطفل، ولا يتركون من جسده ما يظهر أو يتحرّك سوى رأسه، ويستمر على هذا الحال حتّى يحبو وينجو بنفسه. كانوا يعتقدون أنّ الطفل الذي لا يطوى بهذا "اللفاع" سيكبر برجلين معوجّتين.

أمّا علاج من يمرض من الأطفال فكان يتراوح بين الجعدة المغليّة وهي نبتة شديدة المرارة، وبين الكيّ بالنّار على البطن. وبطني لا يزال مليئا ببقايا تلك النّيران التي عولجت بها.

ومن الأمور التي لا تصدّق أنّهم كانوا يكوون الطفل الرّضيع على نافوخه، عند الحدّ الفاصل بين عظم الجمجمة وعظم الرّأس، حيث لا يكونان متّصلين عند الولادة، وكانوا يعتقدون أنّ هذا الفراغ لا يلتحم إلّا بالكيّ! وكان أخي طه-رحمه الله- وهو الابن الخامس لأبي آخر من كووه على نافوخه في الأسرة، ومن حظّ البنات أنّهنّ لم يخضعن للكيّ على النّافوخ، ولا أعلم كيف انتهت تلك العادة.

كما كانوا يكوون الطفل بمسلّة حديديّة تحت لسانه، ويعتقدون أنّ من لا يكوى سيكبر أخرسا! وقد حميت أبنائي من "اللفاع" ومن الكيّ تحت اللسان أو على أيّ مكان في الجسم، وخاصمتني والدتي -رحمها الله- بسبب ذلك، وكلّهم كانوا ينتظرون أنّ ابني البكر المولود في 20-7-1984 سيكبر بساقين معوجّتين، وأخرس أيضا، وقد بدأ قيس الكلام وهو في شهره الرّابع، ثمّ حبا في الشّهر السّادس، ومشى بعد أن أنهى عامه الأوّل، وقلّدني كثيرون بعد ذلك، حتّى انتفت هذه العادة بشكل شبه كامل مع بدايات القرن الحادي والعشرين.

ومن عادات تلك المرحلة هي "تبخير" الأطفال الذّكور لحمايتهم من العين الحاسدة! أمّا البنات فإنّهنّ لا يتعرّضن للحسد! وكانت الأمّهات والجدّات تملأ الواحدة منهنّ يدها بالملح، وتحوم بها حول الطفل وهي تردّد تعويذات معيّنة، ومن تلك التّعويذات التي كنت أسمعها من والدتي وجدّتي:

"مين دار لك باله، يشغل باله في حاله، كرشته غطا عينيه، مانيش أقدر من ربّي عليه، عين الحسود فيها عود، وبكره ياكلها الدّود، دخيلك يا ربّي."

لم يكن حليب الأطفال معروفا لدى الأهالي في تلك المرحلة، وكذلك "الحفّاظات"، ومن لم يكن يرتوي من حليب أمّه كانوا يسقونه من حليب الأغنام. وتطعيم الأطفال ضدّ الأمراض الشّائعة أيضا ما كانوا يعرفونه أيضا، لذا فنسبة الوفيات كانت مرتفعة بين الأطفال، وكذلك كانت هناك حالات شلل بين الأطفال، ويبدو أنّ فاقد الشّيء لا يعطيه، فلم تكن هناك رعاية صحّيّة لا للكبار ولا للصّغار، ومن يموت في أيّ مرحلة عمريّة، يردّون سبب وفاته للعين الحاسدة! وكانت هناك ظاهرة "الطّبّ الشّعبيّ" حيث وُجد من كانوا يجبّرون الأغنام التي تكسر إحدى قوائمها، وهؤلاء من كانوا يجبّرون الأطفال الذين تكسر إحدى أيديهم أو أرجلهم، بطريقة تجبير الأغنام نفسها، وقد تسبّب ذلك بأن خسر البعض يده أو رجله بالبتر على أيدي الأطبّاء في المستشفى الحكومي"الهوسبيس" عندما ينقلونه إليه بعد أن يصاب "بالغرغرينا"، ويشرف على الهلاك. والبعض كان يموت دون أن يصل إلى المستشفى، ولا مكان للتّشكيك بقدرات "المجبّر" الذي يشهدون له بالقدرات الخارقة!

وقد شاهدت بأمّ عيني في طفولتي عمليّة خصي لجحش وليد كانوا يريدون تربيته ليكون "قائدا" لقطيع الغنم مع "المرياع" المخصي أيضا. فقد بطحوا الجحش الذي لم يتجاوز عمره أسبوعين، وثبّتوه ثمّ ربط "الطّبيب" خيطا صوفيّا على خصيتيه اللتين ضغطهما حتّى النّهاية، ثمّ فرزهما بشفرة حلاقة صدئة استعملت عشرات المرّات، وفرز كيس الصّفن واستخرج الخصيتين! والجحش يئنّ ألما، ولمّا انتهوا من ذلك، أوقفوه على قوائمه، وبقي واقفا مكانه دون حراك لعدّة أيّام دون أن يستطيع رضاعة أمّه، حتّى خرّ صريعا!

وممّا شاهدته في طفولتي أنّهم كانوا يكوون من يشكو من البالغين وجعا في بطنه، بمنجل على كعبي قدميه على شكل صليب، بعد أن يضعوا المنجل في النّار حتّى الاحمرار. كما شاهدتهم يكوون من يشكوا آلما في مفاصله أو في عموده الفقريّ، يكوونه بعشبة جافّة يسمّونها "القَدْحة"، يضغطون أوراقها المبلولة ببصاق أحدهم على شكل مخروط بارتفاع يصل إلى 2 سم، ثمّ يشعلونها فتشتعل ببطء كما السّيجارة، حتّى تنتهي بعد ما لا يقل عن ربع ساعة، وتحفر في نهايتها جلده، وتتقرّح لأيّام عديدة، حتّى يجفّ مكان الحرق دون علاج، وليبقى مكانها ظاهرا على جسده مدى حياته.

النّظافة

كانت النّظافة معدومة، والمثل الشّعبيّ "صابون العرب لحاها" كان سائدا، وبعضهم كان يغسل يديه بعد أكل المنسف بأن يفركها بالتّراب، والمحزن أنّهم كانوا يغسلون الخضار المرويّة بمياه واد الدّيماس كالفجل، بمياه المجاري السّائبة في الوادي؛ ليزيلوا الوحل الملتصق بها، ثمّ يأكلونها ويطعمون الأطفال منها، وكانت معداتهم وأمعاؤهم تمتلئ بالدّيدان، ممّا يستدعي أن يتوجّهوا إلى بناية في الشّيخ جرّاح قريبة من "الكولونيّة الأمريكيّة" حيث كانت تعمل ممرّضات أجنبيّات؛ ليشربوا زيت الخروع، مضافا إليه بعض القطرات، فتنزل منهم عشرات أو مئات من الدّيدان الطويلة "الاسكارس" التي يتراوح طول الواحدة منها بين 10-20سم. أمّا الخضار الأخرى التي تنمو فوق سطح الأرض كالقرنبيط، الباذنجان والخيار فلا داعي لغسلها!

ومن المحزن أنّ الأطفال كانوا يلتقطون" Male condom "بالونات الواقي الذّكري من مياه واد النّار، وينفخونها ويلعبون بها أمام الكبار، ظّنّا من الكبار والصّغار أنّها بلالين سقطت من أطفال المدينة في المجاري.


جميل السلحوت

كاتب فلسطيني

من نفس المؤلف