جريمة على قطار الشرق السريع

، بقلم مهند النابلسي

يقول المحقق البلجيكي الشهير "بوارو" مادحا نفسه بأنه ربما أفضل تحري في العالم:
"أرى الشر على متن هذا القطار"!

*ميشيل فيفر تظهر هنا كأرملة ثرية تبحث عن رجل غني جديد كزوج مقبل...و"ديريك جاكوبي وجوش جاد" يتآمران كخدم ومرافقين لديب "ذي الندبة على وجهه"، اما الحوارات الاخرى فهي غامضة ولا تشي حقيقة بطبيعة الشخصيات ودوافعها، ومنها "اوليفيا كولمان" مرافقة الأميرة الروسية "دينيش".

*ولكن كل هذه التلميحات تشير لشبهات محجبة لحادث خطف جرى في العام 1932 لطفلة الطيار الشهير "تشارلز ليندبيرغ". وتظهر براعة الممثل "براناة" كممثل منفصلة تماما عن اداءه كمخرج، كما أن الكاميرا تخدعنا طوال الوقت بمشاهد افقية ورأسية وجانبية مع تحرك القطار.
*هل هو فيلم جيد؟ تظهر مهارات الاخراج الكلاسيكي هنا بتحويل جريمة القتل القديمة الغامضة هذه الى متعة بصرية خالصة ذات مظهر انيق وشيق، وبراناة يمثل هذا الدور بشغف "شكسبيري- عاطفي" مع تفهم كبير للشخصية البوليسية المغرورة والكاريزمية في آن واحد ومع قدرة على الاحساس العميق بالمعاناة والألم الانساني.

*لكن الامور تتحول بسرعة لاجراءآت روتينية، وذلك عندما تنكشف خفايا الركاب وتظهر اقنعتهم، بما في ذلك دايزي ريدلي (استيقاظ القوة في حرب النجوم)، او مع صديقته "ليزلي اودم" الابنة، وذلك عندما يكشف الطبيب "الهندي" الماهر القناع ويكشف حبه وتورطه كما يفصح عن علاقته مع الطيار الراحل ليندنبيرغ الذي مول دراسته الجامعية ومنحه الفرصة الذهبية.
*كل هذه الشخصيات والخفايا اربكت المحقق بوارو ووضعته في أزمة وجودية فريدة، عندما يكتشف جثة ميتة مع عشر طعنات على متن القطار، انها قاطرة السفر السريعة عبر اوروبا المتوجهة من اسطنبول الى كاليه، وبعد أن تتوقف الرحلة لحوالي النصف ساعة لمعالجة خروج القطار عن السكة بسبب انهيار ثلجي فجائي، ينتقل بوارو لسلسلة متواصلة لاهثة ومتداخلة من الاستجوابات البوليسية الغامضة والمثيرة والشيقة في كل مرافق القطار (الكابينات والمطعم والمداخل والممرات واخيرا في الخارج اسفل النفق).

*بالفعل فقد صح حدس "بوارو" وقتل شخص ما: "راتشيت" تحديدا، ويتوجب على بوارو أن يحقق مع اثنا عشر شخصا من المشتبه بهم، وأن يستجوبهم واحدا تلو الآخر،بما فيهم سكرتير راتشيت (جوش جاد) ومرافقه "ديريك جاكوبي"، كما سيدة المجتمع الأرملة الثرية "ميشيل فايفر" (التي قادت الجريمة)، والأميرة الروسية "جودي دينش" والبروفيسور الألماني "وليم دافوي"، والطبيب "ديزي ريدلي" وصديقته "ليزلي اودوم"، والراهبة المبشرة "بينيلوبي كروز"، ونلاحظ انه كلما تعمق بوارو في مجريات التحقيق كلما ظهرت قرائن جديدة تتناقض مع بعضها البعض، حينئذ ادرك ان هذه القضية الشائكة ستضعه اخيرا في متاهة تجعله يشك في كل ما يعرفه!

*مع ان الفيلم قد صور في مكان واحد هو متن القطار وعرباته ومقصورة الطعام ومداخله، الا ان الكاميرا الذكية تنقلنا باستمرار عبر الممرات والردهات وتركز على الوجه والحركات والسكنات، وتلتقط مشاهد "كلوس آب" وبعيدة واحيانا بانورامية، وتذهب لصور قريبة وافقية وعلوية وجانبية، بغرض احتواء حركات الشخصيات وايماءآتهم ومكنونات ذواتهم، كما يستخدم المصور الفذ ببراعة المرايا والنوافذ والانعكاسات الضوئية، بالاضافة للمشاهد البانورامية للقطار السريع في الأصقاع والتضاريس الثلجية الآخاذة، لذا فقد لعبت هذه الكاميرا الفريدة دورا مساندا رئيسيا للمحقق في مهمته الشائكة(استخدمت العدسة 65 ملم الفريدة في هذا التصوير)...

*يبدأ الفيلم بمشاهد اكتشاف "بوارو" للغز قضية سرقة غامضة في حائط المبكى بالقدس الفلسطينية في ثلاثينات القرن الماضي، ويرغب بعد ذلك بالذهاب لعطلة قبل أن يطلب منه متابعة قضية عاجلة في لندن، حيث عليه أن يحجزفي اسطنبول على متن قطار الشرق السريع، وهناك يرجوه "راتشيت"(جوني ديب بدور لافت) في مطعم القطار أن يتولى امر حمايته لأنه يتعرض لتهديدات كتابية بالانتقام، نتيجة لخداعه بعض الأشخاص المتنفذين وبيعه لهم تحفا فنية مقلدة، ولكنه يرفض باصرار.

*هناك مشاعر قوية متنوعة تظهر على الشاشة، فالفيلم يكتشف الحواس الجماعية والذاتية في حالات الحزن والخسارة والندم والانكسار، كما يوجد العديد من العروض الجميلة والأداء التمثيلي الساحر ببعده المعقد والمبهج، يتطابق مستوى هذا الفيلم مع تحفة لوميت العتيقة(1974)، على الرغم من أن تقمص ديب للشخصية الشريرة يتماثل كثيرا مع صورة رجل العصابات الكاريكاتوري (ربما يقلد الصورة في فيلم بالب فيكشن الشهير)، ولكن يلاحظ أن "ديب وفايفر" فقط قد حظيا بنصيب الأسد من المشاهد، ربما لدورهما المحوري، فيما لم يعطى المجال تماما لكل من: "جودي دينش، بينيلوب كروز، ديريك جاكوبين وليام دافوي، وديزلي ريدلي" لاستعراض كافة قدراتهم التمثيلية البراقة.

*وبعد فالفيلم يذهلنا بدقة المتابعة والانغماس بالتفاصيل، ويتمتع بتصوير سينمائي ملحمي مذهل، وفيه الكثير من "البذخ والفخامة وروح العصر"، ويدخلنا بحالات متتابعة من التوتر التشويقي ثم يخرجنا منها بدون ان نشعر، ونلاحظ ان "بوارو" يكتشف اسرار الجريمة تدريجيا وباسلوب منطقي صارم كما لو انه يعرض حلا طويلا متسلسلا لمسالة رياضية شائكة، حيث ينجح تماما في رحلته لينتهي مع مغادرته القطار وقد تفهم أسباب الجريمة (أخلاقيا)، كما غطى عليها عندما أفاد للشرطة اليوغوسلافية بأن الجريمة فردية وبأن القاتل قد هرب!

هامش توضيحي: تكرمت علي ادارة "سينما سيتي" في عمان بمنحي "تذكرة دخول مجانية" عندما علموا بشغفي السينمائي وبكوني اكتب في السينما، كما سبق ومنحوني تذكرتين مجانيتين لحضور فيلمي "الصمت لسيكورسيزي ودونكيرك لكريستوفر نولان"، وقد وعدتهم شفويا بالتنويه بهذا التحفيز الرمزي اللافت المكرر، فيما اكتب لأكثر من 15 عاما تقريبا في العديد من المواقع المختلفة ولا ألقى التقدير والعرفان الا ما ندر، وقد استحق الأمرالتنويه والشكر والعرفان لهذا العمل الطيب النموذجي.


مهند النابلسي

عضو رابطة الكتاب الأردنيين- عضو اتحاد الكتاب العرب

من نفس المؤلف