مزبلة الأدب

، بقلم جورج سلوم

كلما رأيتك تكتب لا أسأل عن المحتوى..فهذا شأنك..

لكن أتساءل..لِمَن؟..ولماذا؟..وإلامَ..وحتّامَ..وحتى متى؟

لماذا تهدر وقتك في تسويد أوراقك؟..تعتزل الناس..تخربش كلماتٍ تمحوها وتشطبها..أظنك تحلم بتصفيق الجماهير..وتهافت دور النشر..وتلاسن النقاد في فهم وتقييم السطور وما بينها..أنت تحلم فقط..أو قد تتخيل عروض البيع تتسابق إليك..أو جوائزَ عالمية تنهال على إبداعٍ لم يسبقك أحدٌ إليه..كل ذلك أحلام وأوهام وسراب.

- فعلاً..أنا أكتب أفكاراً تنبع من ذاتي..لكني في قرارة نفسي أشعر أنني قرأتها أو سمعتها في زمنٍ ما..عملياً لا جديد..عبارة عن نظرة أخرى لحدثٍ معروف..مثلاً شمعة مشتعلة..يراها البعض طويلة دائمة الاشتعال.. أو آيلة للاندثار..والبعض يراها تافهة بجانب الأنوار الساطعة..وآخرون يرونها ثورة ضد الظلام..هذا هو الأدب منظورٌ مختلف (وقد يكون خيالياً) لحدثٍ واقعي.
- لكنّ المواطن يريد شراء مايقتات به..ولا يشتري للقراءة إلا كتب المدرسة الإلزامية..وأبسط الناس يرون تلك المناظير التي ذكرتها ويحللونها..وقد تسمع في الشارع تشبيهاتٍ وصوراً بيانية يعجز كبار الأدباء عن الإتيان بمثلها..

- صحيح..ولذلك تراني أختلط بهم وأستقي منهم.

اقترب منه ووضع يده على كتفه بلطف..وقال بما يشبه الهمس:

- أنا كأخ وصديق لك..أعرف وضعك وأرثي لحالك..أتقدّم إليك بنصيحةٍ أرجو أن تقبلها..لماذا لا تنصرف إلى أعمالك وتحصيل قوت عيالك؟..ودع تلك الخزعبلات لشخصٍ يكتب من برجه العاجي..يملأ وقت فراغه بأحبارٍ يدلقها على الورق الذي لا يحسب ثمنه..أنت ياصديقي تكتب على أرغفة أطفالك..تلوّثها..بحبرك الذي تذرفه وجهدك الذي تريقه..والله لو أني وجدت مردوداً لِما تفعل لَما نصحتك..ليس هذا فحسب بل قد تكتب أشياء تنقلب عليك وبالاً في زمن الصمت هذا!

- دعني وشأني..هذه النصوص ليست للبيع..إنها للعرض فقط

أوراقي المكتوبة ليست أرغفة أطفالي..بل هم أطفالي بعينهم..أنا أكتب على
وجوههم..وصدورهم وظهورهم وعيونهم الجافة..أنا أصبغهم بأحباري..ولن أبيع..وهل يبيع المرء اولاده؟

أولادي يعيشون بقلّة؟.. نعم..يكبرون في الظل؟.. نعم..على هامش الحياة؟..أيضاً نعم..قد يسألهم المجتمع أولاد من أنتم؟..لكن لم يسأل أحد عن أسعارهم..يعرفون أنهم ليسوا معروضين للبيع..هذه هي كتاباتي.

- أنت مخطئ.. إن كنت مصرّاً على الكتابة..اكتب شيئاً تبيعه..تقبض ثمنه هلل مع المهللين..أو نُح مع النائحين..حتى الشعراء كانوا يمدحون القرود ليقذفونهم بموزة من أعالي الشجر..لم يسألك أحد عن سعر أولادك..لأن زمن البيع لم يأت عليهم بعد..ستعرضهم في سوق النخاسة عندما تقرضك الفاقة..تعرّيهم..وتصيح..من يشتري؟..فيجد الشاري أجسادهم ملوثة بالحبر فيمتعض..كلنا معروضون للبيع في زمن ما..وحتى بناتك تعلّمهن وتجهّزهن وتجمّلهن..لماذا؟..أليست تلك التحضيرات لرفع أسعارهن بما يُسمى الزواج..ألست تضعهن على (البازار) وتقايض في المهر والصداق وترفض الزيجة لأن الثمن لا يليق بالبضاعة؟
- كلامك قاسٍ وجارحٌ للعواطف..أنا لن أزوّج بناتي أبداً.. لأني أعتقد أن العريس الذي يليق بهنّ..لم ولن يخلق بعد

يضحك الصديق ساخراً ويسترسل:

- وقد تقامر على بيتك وممتلكاتك..وبعضهم يقامر على زوجته

- إنها حالات خاصة وشاذة

- وقد تبيع نفسك وبعض أعضائك عند الحاجة..كلنا معروضون للبيع

- أنا عن نفسي أرفض ذلك المبدأ..وأقدّس ماملكت يميني..لا أبيع شيئاً..قد أشتري نعم..ولكن لاشيئ عندي للبيع..البيع يعني فقدان الشيئ إلى الأبد

أما كتاباتي فهي لي.. مستمر بها..مصرٌّعليها..أعرضها نعم..أحترم نقادها..أصلح هفواتها..قد أنشرها على حسابي لو قدرت.. لكن لن أبيع.

- ههه..أصلاً لن تجد من يشتري..فتقنع نفسك بغلاء ما أبدعت..لأن قيمة السلع يحدّدها الشاري وليس البائع..هو سعر السوق وأنت وكتاباتك خارج العرض ودون الطلب.. أنت تظنّ جسدك غالي الثمن..ولكن الزمن يأكله ويصبح رخيصاً..فيعلوه الصدأ ويشيخ..ثم يبتلعه التراب وتدوسه الأقدام..وهذا ما سيحدث لأوراقك السوداء

أجاب بكبرياء:

- (يقولون مزّق أكباده..ومن مزقٍ صاغ.. كتاباته)إنها ببساطة عصارة افكاري..أستخلصها..أفرزها من خبايا صدري فأرتاح..هذا هو المطلوب..كمريضٍ يرتاح بالإقياء مثلاً..ولا يريد من أحدٍ أن يُجري تحليلاً لمفرزاته بحثاً عن أمراضه.

- طيّب..مادامت إفرازاً فلم لا يكون جميلاً؟..لماذا لا تقلّد النحل الذي يفرز عسلاً وبلسماً للجراح..ولا تقلّد النّعاج التي تفرز حليباً..يتقوّى به الآخرون..وصوفاً يستدفئون به..ولحماً يحيي العظام المتضوّرة..لم لاتكون إفرازاتكَ مفيدة وبناءة..حرامٌ عليك الورق الذي تسوّد وجهه..والأحبار التي تريقها..هل سمعت بعبارة مزبلة التاريخ؟..

سنفرد لثرثرتك مكاناً في (مزبلة الأدب)...هل سمعت بها؟..

ليست كمكبّات القمامة التي يتم حرقها أو إعادة تدويرها..هي أشبه بسلة المحذوفات في الحواسيب الحديثة..تأخذ حيّزاً من الجهاز ولا يحرقها مباشرة إلا إذا سألك وأكّدت له ذلك...
مزبلة الأدب هي ملفات محفوظة لكنها غير ظاهرة مرميّة في الظل..قد يستطيعون استعادتها لإظهارك للنور كنجم..أو للتحقيق معك و اتهامك بأمر جلل..هذا إن ظلت في ذاكرة حاسوبك فقط..أما لو تجاوزْتَ الرقابة ونشرتها في الفضاء الرقمي..فستكون في مزبلة التدوين العالمي..كإرهاصات وخواطر شخصية..تداعياتُ أفكارٍ مسموحٌ بها طالما لا تتجاوز الخطوط الحمراء..و إلا فنصيبها الحظر أو الملاحقة..بتهمٍ مختلفة كمعاداة السامية والأنظمة والأديان والإرهاب..

المطلوب منك أن تسعى لقوتك وقوت عيالك..بكل وقتك وكل قوتك..ثم تنام متعباً..تحلم..تتثاءب..تعطس..وما إلى ذلك..لكن لا تفكر..لا تجتهد..لا تبدع جديداً..لا تخرج عن الصراط..لا تكتب عن الحاضر أو المستقبل..عبر عن رأيك بالماضي فقط بل والماضي البعيد..قارن مثلا بين ابن الفارض وابن المفترض وابن أبي فريضة..

وإلا سيرمونك في مزبلة الأدب..مزبلة الفن..مزبلة الوطن..ومزبلة التاريخ.