أنين الكلمات

، بقلم سلوى أبو مدين

عند ذاك المنعطف كان يقف صبي صغيُر. لا أعلم عمره.. كان أشعث الشعر، أغبر الوجه، مهلهل الثياب.. يقبض بيديه الصغيرتين على قطعة خبز ناشفة.. يتأملها بين الحين والآخر..!
تقدمت تجاهه خطوة.. بل خطوتين.. وفكرت.. ربما سأخيفه.. وما أن رآني حتى انكمش في زاوية المنعطف..

سألته: من أنت..؟

أجاب: ـ من هذا الكون الفسيح..!

قلت: ـ أي هوية تحمل؟

قال: ـ لا مأوى لي.. لا أرض.. والخوف يلفني..!

قلت: ـ أفصح..

قال: ـ فقدت الوالدين..!

قلت: ـ وماذا عنك..؟

قال: ـ أبحث عن وطن يحتويني..!

قلت: ـ كل بلاد العالم العربي وطنك..

قال: ـ لا أعتقد..!

قلت: ـ ماذا تعني.؟

قال: ـ جائع.. محروم.. مسلوب الحرية..!

قلت له: ـ كيف.؟

قال: ـ أعزل..! قتلوا أبرياء بلا تعليل.. ثقبوا الفضاء منذ قليل، حجروا الأفكار. مارسوا الدمار، يَئِدُونَ الصغار.. فهل من وسيلة لنعيد الاختيار!؟

قلت: ـ حروفك تحمل أوجاعاً وأنينا..!؟

قال: ـ هذا العالم وما يحدث فيه بأسره.. فأين الأمان..؟!

قلت: ـ ثمّ الأمان ولكن لنبحث عنه..؟

قال: ـ أريد الاتحاد.. ففيه القوة..!

قلت: ـ نعم أصبت.. ولكن كيف أنت هنا..؟

أجاب: ـ مثل أي طفل رمت به الظروف إلى وطن معدم، وسُلب كل شيء.. وها أنا أحمل قلباً مليئاً بالحب والكراهية..!

سألته: ـ كيف؟

قال: ـ نعم أحمل حقدأ للمعتدين، للسالبين.. لمن حرمونا الراحة وطغوا في أرضنا أحمل حقدا لمن مارسوا علينا قهرا واضطهادا، للطاغيين المعتدين للذين فقدوا الضمير.. للذين هُزموا من صلاح الدين.. وسأحمل حجرا من سجيل وأكيدُ به الغاشمين!

أعر فت الآن هويتي..؟!

هذا جرحي.. وهذا ألمي.. حتى أملي أضحي سراباً!

قلت: ـ لا.. مازال النصر حليف المؤمنين بقوة إيمانهم والأمل معقود في الغد بإذن الواحد الأحد فاصطبر..!

قال: ـ انظري إلى عيني..إ نها تحمل خارطة الوطن العربي أجمع!

ألا تقرئين ذلك.؟

أجبت: ـ نعم أقرأه بوضوح.. ولكن كيف لي بمساعدتك..؟

قال: ـ العودة.. أريد العودة.. ولن أبرح أرض أبي وأمي، ومحمد الدرة.!؟

قلت: ـ سأفعل ما بوسعي..؟

قال: ـ اكتبي حكايتي.. ربما يوماً ستذكرينني..يوم أحمل على الأكتاف أو تشاهدين صورتي بين جموع الضحايا.! يومها أطلقي الحمام الأبيض وتذكري غصن الزيتون.!

هذه رسالتي أخبري عنها.. واذكريني بها.إن هناك صبياً.. وقف يحمل ألم السنين.. سلبت أرضه، وفَقَد أمه وأباه وأخته وأخاه، وأضحى يتيماً..!

اكتبي.. ولا تنسي.. وصيتي..!

قلت: ـ سأكتب.. أيها البطل.. سأكتب يا بطل القدس..!

حمل قطعة صغيرة من رغيف بابس وحفنة من تراب أرضي، قبض عليها بكلتا يديه الصغيرتين.. وتوارى عن الأنظار …!!!


سلوى أبو مدين

كاتبة وشاعرة

من نفس المؤلف