من ذاكرة مرحلة الدراسة

المتوسطة في حمام العليل

، بقلم نايف عبوش

بينما كنت أقلّب أرشيف ما بحوزتي من صور قديمة في لحظة تأمل حالمة مع الماضي، تطلّعت منها مليّا بتلك الصورة لسفرة طلاب متوسطة حمام العليل الى منطقة اثار النمرود في ربيع العام 1962، حيث اثارت الصورة اشجاني حقا، وحفزت ذاكرتي لاسترجاع ذكريات مرحلة الدراسة المتوسطة، وسرد انثيالاتها الحلوة على قسوة المعاناة التي واجهناها، يوم كنّا من بين طلاب ذلك الجيل الاول الرائد في الديرة، ممن واظب على الدراسة بجد، وأكمل تحصيله الدراسي بعد عناء طويل.

فبعد ان انهينا دراستنا الابتدائية في مدرسة القرية في عام (19599) كأول دفعة تتخرج منها، انتقلنا الى مرحلة الدراسة المتوسطة في (متوسطة حمام العليل للبنين) في اوائل ستينات القرن الماضي، حيث كانت هي المتوسطة الوحيدة في منطقة اطراف جنوب الموصل حتى تخوم الشرقاط على ضفتي نهر دجلة يوم ذاك ، فكنّا الوجبة الثانية فيها، ولما يمض على فتحها بعد، سوى عام دراسي واحد فقط، اذ كانت الوجبة الاولى (من طلاب الصف الثاني متوسط) قد سبقتنا للدراسة فيها بعام، ومن زملاء الوجبة الأولى التي سبقتنا لا ازال أتذكر عبد الوهاب العطالله،علي عجاج، يوسف احمد ،غانم علي الداوود، فرحان حسين غرب، محمد حسين ابراهيم، دشتي بايز عزيز، جهاد العباسي، محمد جاسم المولى، احمد ابراهيم، عطية عكلة، وعمر القزملي، في حين اتذكر من وجبتنا (الصف الاول متوسط) عاصي علي الضاحي، مجيد سنجار، صالح حسن عطية، رشيد سنجار، حسين عبيد، مجيد علي، خضر جاسم خلف، حسين محمد علي (الشايب)، علي عبيدالله، صالح حسين علي، محمد عبادي حوار، حسين حسن حوار، عبد العزيز العطالله، جاسم محمد العبيدي، حازم سعيد، سالم احمد، شيت محمد شاحوذ، محمد جارعمير، فرج لطيف، صالح علي، علي خلف، محسن مطلك، فرحان مطلك، حسين مطلك، عبدالله سليمان، عبدالرزاق روضان، علي محمد خلف، خضير جاسم دعيس، خالد سليمان، ابراهيم علي، عبدالرزاق عطية، خلف حسن، زاير محمد ساير،عبدالجبار مطلك، شلاش خلف، عطاالله ايوب، خلف يوسف منصور، فرحان خلف، جهاد حسن عطية، مربط علي، نواف خلف، هويدي محمد، محمود احمد حمدي، علي محمد خلف.

ومن وجبتنا ايضا اتذكر بعض الزميلات الرائدات حقا ومنهن: عليّة خضر، كتبية خضر، نازك حمدون شكر، عايشة محمد خلف، وربما كنّ اول من دخلن المتوسطة في ريف اطراف جنوب الموصل من العنصر النسوي على حد علمي.

كما لا ازال اتذكر من الوجبة التي تلتنا الزملاء: شاكر محمود عطية، عماش حسين علوك، عبود هلال حمدي، وسردار بايز عزيز. ولعل من قبيل التوافيق الحسنة آنذاك، ان نتتلمذ على ايدي اساتذة كبار في تلك المتوسطة، حيث كان اهتمامهم منصبا على تدريس المادة بعلمية صارمة، وحريصين على ايصالها الى ذهن الطالب بأيسر الطرق، في مقابل تنافس علمي جاد بين الطلاب للحصول على افضل علامات النجاح، وبالتالي فلا عجب ان ترى منهم طالبا متفوقا في الرياضيات مثلا، لتجده في نفس الوقت نابها في مادة اللغة العربية، ونابغا في مادة التاريخ، ومجيدا في مادة الرسم ، ولاعبا رياضيا مقتدرا في العاب الساحة والميدان. ومن اؤلئك الاساتذة الافاضل أتذكر الاستاذ حكمت البزاز مدير المتوسطة، والأساتذة اسماعيل ابراهيم، وخالد القطان، وزهير جلميران، والفنان الكبير نجيب يونس، وابراهيم خضر، وابراهيم حقي، وغيرهم آخرين من الاساتذة الذين استعصى على الذاكرة تذكر اسمائهم لطول الفترة التي مرت على الاستذكار. وتجدر الاشارة الى ان معاناة ابن الريف في التعليم في تلك الفترة كانت قاسية للغاية، لأسباب كثيرة في مقدمتها الجهل، والتخلف الاجتماعي في النظرة الى التعليم، وعدم توفر المدارس، وشحة وسائل النقل، وغيرها..وتزداد تلك المعاناة قسوة عندما كان التلميذ ينتقل الى مرحلة الدراسة المتوسطة، والاعدادية..حيث كان عليه يوم ذاك ان يفارق أهله،و يغادر منطقة سكنه،ليبدأ رحلة مشقة الاياب الى الاهل يوم الخميس في عطلة نهاية الاسبوع،ومشقة الذهاب الى مكان اقامته الجديد عصر الجمعة،لاستئناف الدراسة، وتأمين الحضور في المتوسطة صباح يوم السبت، بسبب شحة وسائط النقل. وتتضاعف معاناة من كان منهم يسكن قرى ريف الساحل الايسر من نهر دجلة، حيث كان عليه ان يعبر النهر بالعبارة الوحيدة في اطراف جنوب الموصل (الدوبة) في قرية السفينة ذهابا وايابا، او ان يعبر النهر بالزورق، في حين يضطر في احيان اخرى ان يعبر النهر سباحة، اوعلى الجراب، اذا ما صادف ان كانت الدوبة عاطلة، او في الاستراحة الليلية، ولا يوجد بلاّم في تلك اللحظة ليعبره النهر. وكان عليه ان يعاني بالإضافة الى ذلك مرارة قساوة البرد في الشتاء، والبلل في زوابع المطر في الربيع، وهو يغذ السير راجلا في طريق موحل من تلك المثابات، الى بيت اهله وبالعكس. لقد كان ذلك الجيل بما عاناه من مشقة في مواصلة التعليم، جيلا رائدا بحق، حيث نحت مستقبله بأظفاره بجدارة، وترك بصمة واضحة من التأثير بالإشعاع على من تلاه، فاستحق ان يشار اليه بالبنان، كطليعة رائدة للتنوير، ومثالا قياسيا للتأسي، لمن خلفهم من الاجيال اللاحقة، ممن تخرج من بعدهم من الأطباء، والمهندسين، والمعلمين، والعسكريين، والكوادر العلمية، والأدباء، والكتاب، الذين زخرت بطاقاتهم الابداعية والعلمية، الساحة الوطنية في كل المجالات


نايف عبوش

كاتب عراقي

من نفس المؤلف