قراءة في قصة المطر للأديب وهيب نديم وهبة

، بقلم سهيل عيساوى

قصة المطر، تأليف الكاتب المبدع وهيب نديم وهبة، القصة معدة للفتيان، تقع في 96 صفحة من الحجم الكبير، إصدار دار الهدى للطباعة والنشر كريم، صدرت عام 2015، ترجمت للغة العبرية ونشرت ضمن كتاب واحد، على يد المترجمة البارعة بروريا هورفيتس،
تزين القصة رسومات الفنانة، سهاد عنتير – طربية، غلاف سميك ومقوى.

قام الكاتب بتقديم النص العربي على النص العبري، وهذه خطوة حسنة، المنطقي تقديم النص الأصلي على الترجمة، وكون الجمهور الأساسي، ناطق باللغة العربية، لكن الفكرة جميلة إصدار كتاب يحمل في طياته لغتين، هي رسالة مباشرة للتحاور والتبادل الفكري والثقافي والأدبي.

عنوان القصة:

اختار لنا الكاتب عنوان "المطر "، كلمة واحدة لكنها تحمل في طياتها الكثير من الإيحاءات الإيجابية، التفاؤل، الخير، البركة، الأمل، رياح التغيير، فكل الكائنات الحية تفرح للمطر، الماء سر الحياة، وعماد الوجود الإنساني، وكانت أهمية كبيرة للماء عند العرب، وخاصة في شبه الجزيرة العربية، فكان الماء سببا للترحال والخصام، كذلك ذكر الماء في عدة آيات في القران الكريم، نذكر منها:

وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴿١٦٤ البقرة﴾

أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴿١٧ الرعد﴾

وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ﴿١٨ المؤمنون﴾

وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴿30 الأنبياء﴾

كذلك ذكر الشعراء العرب المطر وتفنوا في وصفه: نذكر لكم ما قاله الشاعر أبو فراس الحمداني في قصيدة "أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ"

معللتي بالوصلِ، والموتُ دونهُ، إذا مِتّ ظَمْآنًا فَلا نَزَل القَطْرُ

اما نازك الملائكة فتقول في قصيدة "على وقع المطر"

"أيُّها الأمطارُ قد ناداك قلبي البَشريُّ
يسألُ الأمطار: ما أنتِ؟ وما سرُّ الحياةِ؟
أيُّها الأمطارُ ما ماضيكِ؟ من أينَ نبعتِ؟
ابنةُ البحرِ أم السُحْبِ أم الأجواءِ أنتِ؟

يمكننا القول أن الكاتب وفق في اختيار عنوان قصته، لان العنوان هو عتبة الكتاب الأولى، إما أن تجذب القارئ وإما أن تنفره، إما أن تصده، وإما أن تستدرجه إلى خبايا النص.

القصة:

القصة تحدث عن الخيال العلمي، بأسلوب شيق ولغة رشيقة، منسوجة على أنغام مدرسة "جبران خليل جبران"، تروي لنا القصة عن طفلة اسمها "سارة " ابنة طبيب معروف، على وقع المطر، يطرق بابه رجل غريب، يلح عليه أن يرافقه لعلاج أبيه، رغم أن الليل بسط سلطانه على الكون، وابنته سارة نائمة، بعد توسل وإلحاح وافق الطبيب، لكن العقبة الوحيدة أن أبنته سارة تغط في سبات عميق، وهي وحيدة في البيت، كيف يتركها، يخاف أن تستيقظ، أخيرا كتب لها رسالة شرح لها إلى أين هو ذاهب، بعد مغادرة الطبيب في مهمته الإنسانية، يدخل رجل غريب الأطوار يشبه هيكل الإنسان، قادم من الفضاء الخارجي، يحمل رسالة عاجلة إلى سارة، يحثها على مرافقته إلى العالم الخارجي، لإنقاذ كوكب الأرض، والبشرية، من الحرب العالمية القادمة.

جاء إلينا "رجل الفضاء" من بلاد لا تعرف الحرب ولا القتل ولا الشر، من خلال الرحلة الشيقة التي تشبه السحر الممتع، تطرح سارة أسئلة فلسفية عميقة وجودية، حول الكون ومشاكله، الحرب، والسلام، التلوث البيئي، انتشار الأمراض الفتاكة، الحقد والحسد، وعن أهمية إحداث تغيير في تفكير الإنسان، تنتقل سارة والرجل الطائر، القادم من الفضاء، بين الكواكب.. وتشاهد بأم عينيها الخراب والحروب في الكون، وتقتنع إلى وجوب التغيير، لان الإنسان يحلم بحياة أخرى على كواكب أخرى ولا يفكر إلا بتدمير الأرض وجعلها خرابا، القتل والدمار من صناعة الإنسان، وفي نهاية القصة "يشير الآن بيده إلى جمال الطبيعة، ويخرج من هناك ملايين الأطفال، يحملون تاج الشمس ومنارة المستقبل وأغصان السلام ورايات الفرح" والمفاجأة كانت عند عودة الطبيب من مهمته، يجد ابنته سارة ما تزال تغط في سبات عميق، تحلم وترسم الحلم الجميل للبشرية.

تقنية الحلم:

نجح الكاتب في استغلال تقنية الحلم لإيصال أفكاره التي يؤمن بها، وفي نسج قصة جميلة، تحمل في طياتها رسائل كبيرة عبر الخيال العلمي، لان الحلم يمكن الكاتب من الإبحار بعيدًا والتوغل في عالم الأدب لأبعد الحدود كاسرا أغلظ القيود.

رسالة الكاتب:

أراد الكاتب وهيب نديم وهبة إيصال حزمة من الرسائل الهامة للمجتمع وللأطفال وللبشرية:
- الدعوة للسلام، أفضل الطرق واقصرها، من اجل وقف حمامات الدم والكراهية.
- الحلم ببناء عالم جديد، يقوم على أساس العدل، السلام، الحرية، المحبة، للأطفال دور كبير، هم جيل المستقبل، حملة شعلة الخير، "هم أشجار المحبة، الذين يبنون العالم الجديد" ص 42، "هم الصغار الذين يبنون العالم الجديد، بالنسل الجديد، النسل الجديد الذي يبني الحضارة، ويأتي بالحب، والإنسانية، بالعدل والسلام والحرية، النفوس الآن اعتادت على البغضاء والحقد، العالم بحاجة ماسة، إلى زراعة الثقافة الجديدة، بزهرة الحب والقلب، وبعدها السفر إلى منطقة أشجار المحبة" ص 32

- الدعوة للمحافظة على كوكب الأرض من التلوث البيئي، تلويث المصانع الذي يفتك بالبشر والشجر.

- تشجيع القراءة والتمسك بمتعة ملامسة الكتاب، وقد ورد ذكر المطالعة وأهمية المكتبة مرتين في القصة، فوالد سارة طبيب مثقف يملك مكتبة بيتيه غنية فيها الكتب النادرة والحديثة، وسارة تحب القراءة.

- دعوة مفتوحة للعطاء، من أجل الإنسان الساكن فينا، الطبيب، قام بالمخاطرة بحياته وحياة ابنته من أجل إنقاذ إنسان لا يعرفه، "أن تأخذ دون أن تعطي، جريمة، كأنك نصف إنسان" ص 38، هنا يذم الكاتب الإنسان الأناني الذي لا يمد يد العون لأخيه الإنسان.

- ضرورة تنشئة الأطفال وتربيتهم وسط بيئة سليمة، تلك مسئولية يتقاسمها الأب والأم.

- يخرج الكاتب ضد استغلال الشعوب، من قبل دول مهيمنة، تقوم بسلب ثروات وخيرات الأمم، فهنالك ضرورة لإرساء الحق والعدل وإذابة الغبن الحاصل.

- ضرورة تقبل الآخر، وسماع المختلف عنا واحترامه، لأن احترام الآخر يقرب السلام بيننا، ويدحر الشر.
- الإنسان ترك الجمال والفكر والحب والرومانسية، وأخذ يلهث خلف المادة التي تجره نحو الهاوية.

- انتقاد لاذع لسباق التسلح بين الدول والجماعات، هذه الأسلحة تفتك بالبشرية وتدمر الكون، بيد الإنسان.

- تأثير الإشعاعات القوية، وقواعد الاتصال على البشر، فهي أحد أسباب انتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة، أمام عجز الطب عن مواجهة ضحايا التكنولوجيا.

- دعوة للكتاب إلى انتهاج نهج الكاتب في طرق باب الخيال العلمي، لأهمية الموضوع في جذب الطفل إلى عالم الأدب والقصة، وتوسيع أفاقه وفكره، كذلك هنالك علاقة وطيدة بين العلم والتكنولوجيا وعالم الاختراعات، وأدب الخيال العلمي، فالكثير من المخترعين والباحثين، يستلهمون أفكارهم من قصص الخيال العلمي، وما كان أسطورة قبل مئات السنين أصبح حقيقة لا تقبل الشك.

- الاهتمام برعاية الطفل اليتيم، الطفلة سارة ابنة العاشرة، يتيمة الأم، والأب يرعاها برفق وحنية، ويسهر على احتياجاتها.

- قدسية مهنة الطبيب، يشير الكاتب إلى أهمية هذه المهنة، وخاصة في ظل انتشار الحروب والمعارك في أجزاء كثيرة من المعمورة، وانتشار الأمراض الفتاكة.

- يؤمن الكاتب بإمكانية التعايش بين الشعوب، كما سمح هو لأكثر من لغة في العيش بحرية على صفحات كتابه "المطر"، لكنه يقرن الإيمان بالعمل "الحياة لا تتوقف عند حدود التفاؤل، بل عند الرغبة المطلقة في العمل" ص33 .

- دعوة لوقف القتل والحروب، جو من اللامبالاة من قبل البشر والساسة كأننا في مسرحية وتمثيلية، "أني أشاهد على مرمى بصري، عشرات القتلى والدمار وهدم المنازل والطائرات تقصف بلا رحمة، وتحرق الأرض، كأنما نعيش في عالم من كرتون وليس من إنسان" ص37.

- ضرورة احترام حقوق الأطفال، وفق العقود والمواثيق الدولية.

مكان القصة:

الكاتب لا يشير إلى مكان وقوع أحداث القصة على الأرض، لكنه في موضوع واحد بإشارة ذكية يذكر "كي يهبط السلام من السماء في بلاد الأنبياء" ص 34، هي إشارة إلى بلادنا.

لغة القصة:

الكاتب وهيب نديم وهبة، بارع في تطويع اللغة، لتصبح مثل قطعة حلوى لذيذة على كل لسان يتذوق أدبه، يوظف اللغة الشعرية إلى أقصى الحدود، من تشبيه واستعارة، وبناء جمل جديدة بكريه مبتكرة، لا تخلو صفحة من الكتاب، من جمل منسوجة بذكاء وتمرس، مجبولة بأصابع الإبداع والذوق الرفيع. وهيب وهبة، رائد في تقديم لغة جميلة لأطفالنا، يخدم اللغة العربية، ويثري قاموس القارئ.

من الجمل الرائعة في القصة:

- "ما أجمل الصباح الذي فتح عينيه على نشيد السماء" ص 9

- "السماء تحتفل بثورة الأرض وتبديل أثواب الطبيعة" ص 9

- "الصخور العالية تغتسل الآن " ص 9

- "السهول تحتضن الماء" ص 9

- "تعانق المطر في رقصة الريح" ص 9

- "الليل الموحش، العاصف والقاصف بالرعود والمطر" ص11

- "ينهض كمثل السهم مسرعا" ص 11

- "تتماوج مثل راقصة الباليه" ص 13

- "الظلام يكتب بالحبر الأسود.. لون المكان" ص 14

- " الشجر الباسق المتسلق كمثل خيالات الأفاعي في الظلام" ص 17

- "يعصف الشجر من حولنا" ص 19

- "نعلو ونمشي فوق الغيم" ص 19

- "حزمة من الشعاع البراق، الشفاف الجميل" ص 22

- "يشرق وجهها أمام لوحة سماوية" ص 25

- "الصخور المسننة كحد الخناجر" ص 29

- "الوجوه الكالحة الصامتة" ص 31

- "سارة تغازل جمال القلعة" ص 35

- "ما بين التربة والتربية" ص 36

- "تسمع سارة صوتا قويا يهز أركان السماء" ص 36

- "نرصد حقدكم في الاستيلاء والاستعلاء" ص 36

- "يعتريها الخوف والفزع" ص 37

- "القمر الذي ينام الآن على شرفة الأفق" ص37

- "تسحر العين، وتسرق القلب من بين الضلوع" ص 37

- "يقبل جبين البحر وينام بين يديه" ص 37

- " هي الآن تستوطن تحت يدي" ص 39

- "يهبط السلام من السماء" ص 39

- "سرق قلب سارة وأدخله داخل صندوق الفرح" ص 40

- "غابة المحبة قادمة إلينا" ص 40

خلاصة:

قصة جميلة مثقلة بالحكمة والفلسفة، والخيال العلمي، مغموسة بالفكر العميق، تحمل في طياتها رسالة، قوية للبشرية، من أجل الإيمان بقيم عليا، لنبذ العنف، الحروب الأحقاد، التمسك بالسلام والحوار أو احترام الآخر، كنهج حياة، من أجل أطفالنا ومستقبلنا، ومستقبل كوكب الأرض الجميل، لكن بسبب سوء تفكيرنا، تنتشر الحروب، الأحقاد، لكن الكاتب يؤمن بالجيل الجديد، بعالم جديد، يحترم الإنسان، وحقوقه، وحرياته وفكره.

البطلة سارة تجسد الجيل المرتقب، لعله يفلح في إحداث تغيير عميق في تصرفات الإنسان التي تعود عليه بالشر. وقد نجح الكاتب في بناء قصة متينة من حيث اللغة ومن حيث البناء القصصي، الكاتب نجح عبر أدبه في الوصول إلى العالمية، وحصد العديد من الجوائز ، وقد ترجمت بعض أعماله إلى لغات أجنبية عديدة.


سهيل عيساوى

كاتب من فلسطين

من نفس المؤلف