مطَرٌ لنيسانٍ وَلود

، بقلم صالح أحمد كناعنة

لا شيء يذكرني،
ذكرتُ مواجِعي..
فنَما شِراعٌ بينَ أغنِيَتي وأمنِيَتي، وحاصَرَني السُّؤال:
هل كانَ للمطعونِ أن يحيا ولم يطعَن عَذابَه؟
كانَ المَساءُ مطَأطِئًا..
وعيونُهُ اختَزَنَت دهورًا مِن ضَبابٍ...
في غَياهِبَ مِن جُمود.
كانَ الغروبُ يطيلُ آثارَ الذّهولْ
والصَّوتُ بئرٌ تستَقي لُجَجَ الخَفاءْ
ياللعطاء!
البئرُ أنثى تعصرُ الأحداثُ نهدَيها...
وتُهديها أحاديث الحيارى والسُّكارى والبُغاة...
يبقى المَساءُ مطَأطِئًا...
ولَدَيهِ مِن سَكَراتِهِ ما يَشتَهي عُهرًا فلاسِفَةُ الكَلام.
نَسِيَ الزِّمامُ هنا مَحاوِرَهُ، ونام...
وسَيَكتُبُ التاريخَ مَقلوبًا، ويعتَذِرُ النِّيام.
لَبِسَ الزِّحامُ جُنونَهُ،
ومَضى، وكانَ الطَّقسُ أعذارًا مُكَدَّسَةً...
وكانَ الحُبُّ يُلقِمُ حُزنَهُ ثديَ الحَنينِ إلى ترابٍ لم يَزَل
يحتاجُنا لُغَةً، ونَسقيهِ احتِقانا.
مَن يا تُرى نَقَشوا على شَفَقِ السَّرابِ
نشيدَ مفتونٍ بِزَخرَفَةِ الكلامْ؟
أيَمامَةٌ هَدَلَت بِحِضنِ مُخَيَّمٍ
صوتُ ابنِ مَريَمَ لونُهُ، وصلاةُ أحمَد؟
أم غيمَةٌ نَزَفَت ثقيلَ همومِها
أملا، لتحيا طَفلَةٌ ألِفَ الغُزاةُ حصارَ دُميَتِها، وكسرَةَ خُبزِها؟
أم ذاكَ إيقاعُ الرّتابَةْ؟
يعلو على وقعِ الزّواحِفِ تقتَفي ذُلًا سَرابَه!
أم ذي دَياجي العابراتِ منَ الحروفِ
الملقياتِ على مِنَصّاتِ المَهاوي القارِحَةْ؟
لا شيءَ يَمنَحُ غابِرٌ زُوَّارَهُ.
المَجدُ في الماضي صُوَر.
قُم واهدِني نورًا لنَخرُجَ مِن دياجي الحُلمِ،
مِن وَهمِ الرُّكونِ إلى الفراغْ.
لا شَيءَ يَذكُرُني
ذَكَرتُ مَصارِعي!
والوَهمُ يسكُنُني، ويَخنُقُني البُرودْ.
كانَ الظَّلامُ عُيونَنا
ملْءُ المَكانِ شُرودُنا
أشواقُنا ما فارَقَت أعناقَنا
ثَكلى، تَموتُ على شِفاهِ جُمودِنا...
هل كلُّ هذا الموتِ يا أعرافُ مَوت؟!
عادَ المَساءُ مُطَأطِئًا
وقوافِلُ الأحلامِ توغِلُ في غَياهِبِنا عُيونًا مِن جُحودْ.
رَبَضَ الجنونُ على سَوادِ عيونِنا؟
أم نَحنُ مَن لَبِسَ الغُموضْ؟
أفنى الشِّمالَ مَعَ اليَمينِ رُقودُنا..
الكَلبُ دومًا بالوَصيدْ
أنّاتُنا...
هل تَشتَهي الأصفادَ في ليلِ المَواجِعِ..
أم تَخَطّي السَّكرَةِ المُزجاةِ في ظلِّ التّمني،
وافتراءات الشُّرود؟
لا شيْءَ يذكُرُني
ذَكَرتُ مَرارَتي
فنَما جَناحٌ،
ضَمَّ ملهاتي لمأساتي لتَهزِمَني هُنالِكَ شَهوَتي
وعلى مداخِلِ سَكرَتي شغَفًا ليصلبَني الجُمود!
كانَ الغروبُ تَثاقُلًا يجتاحُني
وأنا أسيرُ مَخاوِفي..
مازِلتُ مِن عَبَثِ المنالِ أضيعُ في لُجَجِ المُحالْ.
وعَشِقتُ فيما قَد عَشِقتُ ملامِحي
ترتاحُ في مرآةِ ليلي طِفلَةً
تَهوى تَهاليل الظّلامِ، تَضُمُّها،
صوتًا ولونًا ضاعَ في حِبرِ الكَلامِ...
وَلَن يَعود!
لو كانَ يَذكُرُني الغروبُ أمَدَّني
لونًا لأعلِنَ للرّياحِ مَداخِلي
لتَرى يَدي مبتورَةً مصلوبَةً،
والنَّخلُ يَشرَبُ نَزفَها، ليعودَ لي
وأعودُ أحلامًا ترى إنسانَها
صوتًا يُعيرُ الكونَ روحَ تأمُّلي
لا حُزنَ يا أرضي سيَبقى حينَ
يجمَعُنا الوِصالُ بلا حدود
وتعودُ لمعَةُ خاطري تروي غَدي
شوقًا، ونبضُ القلبِ جود
وتعودُ لي نفسي، وتُشعِلُني رؤًى
شَبَّت، بنيسانٍ وَلود
وأعيشُ روحَ مُرابِطٍ فوقَ المدى
ونَداهُ للأرضِ الوقود


صالح أحمد كناعنة

قاص وشاعر فلسطيني

من نفس المؤلف