أشجان مقدسية

، بقلم إبراهيم مشارة

قرار الرئيس الأمريكي وإعلانه بنقل سفارة بلده إلى القدس بعد الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل لم يكن مفاجئا لكثير من المثقفين ولا السياسيين العرب، فالمتتبع للرجل في حملاته الانتخابية وسخريته من العرب وعن قراره بضم الأموال العربية إلى الخزانة الأمريكية في حالة وصوله إلى السلطة وعن الغطرسة والخيلاء والاختيال في حركات يديه وجسمه أثناء الحديث عن ذلك يدرك لا محالة أن الرجل جاد - بلا تهور- فالخطوات محسوبة مسبقا جرى الإعداد لها منذ عقود فتكليف السعودية بتمثيل الضمير الديني بوهابيتها المرتدة إلى الماضي ومحاربتها وتبديعها لكل ثقافة تنويرية أصيلة ثم حماية المنظمات الجهادية كالقاعدة وداعش إلى حين الفراغ من مهامها ثم الفوضى الخلاقة والربيع العربي الكاذب وقبل ذلك تدمير العراق وتقسيم السودان وإشعال الحرب في سوريا وتعميق الخلاف السني الشيعي مسارات مفروض لها أن تؤدي إلى الضعف والتشرذم إلى الحد الذي لم يعد لفلسطين بواكي لها اللهم إلا انفعالات جماهيرية في الشوارع وعقب صلاة الجمعة وهي حيلة من حيلة له فالمشاعر الجماهيرية صادقة ورافضة للقرار الأمريكي ولكنها لن تؤثر فيه ولا في تداعياته، وسيستمر التغول الأمريكي في المنطقة إلى حدود لا تعرف توقفا وأخشى ما نخشاه أن يصل الحد إلى التطاول على رمزية القدس والمتمثلة في المسجد الأقصى فيقام الهيكل مكانه، فرجال السياسة اليهود والأمريكيون يعرفون القيمة الرمزية للأقصى وما تمثله من رأسمال رمزي ومن قوة تعبئة مستقبلية للأجيال القادمة فتعبث تلك القوة طائر العنقاء من رماده ولو بعد ألف عام إحقاقا للحق وإبطالا للباطل لذا يتخوف الساسة اليهود والأمريكيون من رمزانية الأقصى ويدفعون بالمنطقة إلى مزيد من الاحتراب والتشرذم والوهن وتكريس الخلافات المذهبية والطائفية والإثنية إلى الحد الذي يستباح الأقصى في حالة شلل وعطالة من أهله ويحقق المتطرفون اليهود حلمهم في إعادة بناء هيكل سليمان.

ماذا فعلت بلاد العرب لتفادي هذه اللحظة التاريخية المحرجة والمخزية للعرب جميعا؟

ونبدأ بالسلطة الفلسطينية هل كانت سلطة ديمقراطية تؤمن بالتداول على السلطة وتكرسها وتكرس الشفافية؟

وعطفا على ذلك هل الأنظمة العربية أنظمة ديمقراطية تعترف بها شعوبها حتى تعترف بها الإدارة الأمريكية وتحسب لها حسابا؟ وهل الأنظمة العربية شفافة ونظيفة اليد، بشهادة المنظمات الدولية غير الحكومية؟

إن فلسطين وكغيرها من البلاد العربية ستواصل دفع ثمن لا شرعية الأنظمة العربية وإصرارها على البقاء في السلطة مهما كان الثمن!

وستواصل تلك الأنظمة خدمة مصالحها الضيقة ومصالح الإمبريالية العالمية في استباحة خيرات البلاد العربية وثرواتها لصالح الكارتل والتروست..

إن الصراع العربي الإسرائيلي لا يواجه بتنديدات محتشمة من قبل الجامعة العربية ولا بانفعالات جماهيرية في الشوارع - مع احترامنا لها وعلمنا أنها أقصى ما يستطيعه مواطنون عرب هدهم القهر- ولكنها أكثر صدقا وإخلاصا من أنظمة بلدانهم.

إن مواجهة إسرائيل ومحاولتها تهويد القدس ومواجهة الإمبريالية العالمية واستباحتها لخيرات البلدان العربية لا يتحقق إلا عبر:

1- قيام قيام أنظمة عربية وليدة الصندوق معترف بها من قبل شعوبها وتكريس مبدأ التداول على السلطة والعمل بمقتضاها وسيادة القانون ،إن إسرائيل التي تستبيح القدس وتعبث وتظلم هي نفسها إسرائيل التي تضع رئيس وزرائها السابق في السجن بسب الفساد!

2- تأسيس دولة العلم وليس دولة الولاءات الحزبية، والشعبوية والانتهازية ..... فالجامعات العربية هي الأضعف عالميا في البحث العلمي والاختراع والإبداع-اللهم إلا الألقاب الطنانة الرنانة- بينما للأسف الشديد الجامعات الإسرائيلية أكثر تفوقا وإبداعا. وحتى الكفاءات العربية التي برزت إنما برزت في الغرب وبفضل المختبرات الغربية..

3-الإيمان بحتمية الدولة المدنية التي يعيش جميع أبناء الوطن الواحد فيها متساوين بغض النظر عن انتماءاتهم القبلية والدينية والطائفية دولة تؤمن مبدأ تكافؤ الفرص وحقوق المواطنة والعدل والمساواة والكرامة البشرية للإنسان العربي المهدور كرامته وحقوقة وإنسانيته من قبل الاستعمار أولا ومن قبل أنظمة بلدانه ثانيا.

ولقد أثبت التاريخ والواقع أن اللغة والدين لا يكفيان لوحدهما من أجل وحدة عربية فالعامل الحاسم هو العامل الاقتصادي إن السوق العربية المشتركة والمصلحة الاقتصادية المشتركة هي الإسمنت الذي الذي يشد لبنة الدين ولبنة اللغة وبغير العامل الاقتصادي تبقى الوحدة العربية مجرد شعارات لا غير نذكر بحالة الاتحاد الأروبي وانخراط الأروبيين فيه بالرغم من اختلافاتهم الدينية والإثنية واللغوية لكن المصلحة الاقتصادية واحدة..

ولأن الغرب يعرف أن هذه الحتميات لقيام دول عربية حقيقية تحظى بالاحترام من قبل شعوبها ومن قبل المجتمع الدولي غائبة سيعمل على تغييبها ومنع تحققها استمرارا للهيمنة الإمبريالية والنفوذ الخارجي على أكتاف أنظمة استبدادية غير شفافة وغير ديمقراطية تعمل كسادن للمصالح الإمبريالية مقابل بقائها في السلطة.

إن الإنجاز الوحيد الذي حققته الأنظمة العربية هي تكريس الخوف والرعب في نفسية المواطن العربي فماذا تفعل شعوب خائفة مرعوبة؟ فقيرة شبه متعلمة؟ مريضة، مستعبدة غير حرة؟
يحسن بنا أن نقرا هذا المقطع لمظفر النواب ففيه عزاء لمن لا عزاء له:

القدس عروس عروبتكم
فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها ؟؟
وسحبتم كل خناجركم
وتنافختم شرفا
وصرختم فيها أن تسكت صونا للعرض
فما أشرفكم
أصرخ فيكم
أصرخ أين شهامتكم..؟
إن كنتم عربا.. بشرا.. حيوانات
فالذئبة.. حتى الذئبة تحرس نطفتها
و الكلبة تحرس نطفتها
و النملة تعتز بثقب الأرض
وأما أنتم فالقدس عروس عروبتكم
أهلا..
القدس عروس عروبتكم
فلماذا أدخلتم كل السيلانات إلى حجرتها
ووقفتم تسترقون السمع وراء الأبواب
لصرخات بكارتها
وسحبتم كل خناجركم
وتنافختم شرفا
وصرختم فيها أن تسكت صونا للعرض

وفي انتظار بشارة حمل من رحم الغيب باسبارتكوس عربي ينتصف للعبيد من السادة، وشرارة أمل تنقدح من صوان الأبدية بفارس عربي سنظل نصرخ: واعمراه! وامعتصماه واصلاح الدين!...... لكن الكثبان الرملية والعباءات العربية والخناجر القبلية تمزق رجع الصدى في ليلنا العربي المظلم وللأمل فسحة....


إبراهيم مشارة

- ماجستير، قسم اللغة العربية والأدب العربي

من نفس المؤلف