حوار مع الهايكيست المغربي سامح درويش

، بقلم عبد الله المتقي

الهايكو هو في العمق صلاة في الهواء الطلق

بمناسبة الملتقى الأول لشعراء الهايكو بالمغرب الذي سينظمه بيت الشعر بالمغرب بمدينة إفران يومي و 31 دجنبر 2017 تحت شعار:""الهايكو... مغربي أيضا"، وبالتعاون مع عدة مؤسسات محلية وبدعم من نُخبة من شعراء وشواعر الهايكو الذين سيحجّون لأول عرس شعري وثقافي ينظم ببلادنا تقديرا لهذا اللون الشّعري الذي أضحى اليوم يُكتب بكل لغات العالم، كان لنا هذا الحوار مع الهاكيست"سامح درويش":

1 - ما أخبار قصيدة الهايكو؟

قصيدة الهايكو اليوم هي جزء من المشهد الشعري العربي، وقد بدأت تحقق نوعا من التراكم في منجزها الكمي والكيفي معا، بحيث بدأنا نقرأ هنا وهناك أخبار صدور دواوين هايكو تحمل الاسم صراحة، وبدأنا نقرأ دراسات وبحوثا أكاديمية ومقالات إعلامية تتناول نصوص الهايكو بالدرس والتحليل والتقديم، كما أخذنا نشهد فعاليات وأنشطة وملتقيات حول الهايكو في المشرق والمغرب معا، كما أن الإعلام العربي قد بدأ يهتم بهذا اللون الشعري الذي أخذ يخلق جمهوره، بل وأخذ يستعيد للشعر العربي جمهوره المفقود.. نعم هناك من سيقول إن هناك استسهالا للهايكو حتى أخذ يكتبه كل من هب ودبّ، لأقول إن هذا مصدر سعادة، إذ ما المانع أن يكتب كل الناس الشعر أو الهايكو، إنه نطاق للتربية الجمالية و خلق الذوق الجماعي، أما الفرز والغربلة فهي من أدوار النقد والنقاد ,, لذلك أقول للشباب أكتبوا الهايكو ,, أكتبوا الشعر، إنه ملكية عمومية وليس حكرا على من له باع في الكتابة الأدبية بمتطلباتها التقليدية.

2- وماذا عن آخر ترتيبات ملتقى شعراء الهايكو في المغرب بمدينة إفران؟

نعم.. إنه أول ملتقى وطني لشعراء وشاعرات الهايكو بالمغرب، والحقيقة أن الفكرة جاءت نتيجة ذلك التفاعل الإلكتروني بين المهتمين بالهايكو العربي باعتباره اقتراحا جماليا يثري المشهد الشعري العربي، ويساهم في طرح أسئلة جوهرية عليه، وبوصفه أيضا أفقا ممكنا للمساهمة في إثراء الشعرية العربية وتحريرها من قبضة القوالب الفنية الجاهزة، والتخلص بمقدار من أصباغ البديع وأثقال البيان لصالح زوايا جمالية جديدة تنبثق من فلسفة إعادة مساءلة زوايا النظر إلى القضايا والأشياء والموجودات، وتستمد بناءها من عناصر المشهدية الحية والبساطة المدهشة، بعيدا عن أثقال المجاز وقعقعة آلة البلاغة، واستراتيجيات التنميق اللغوي التي صنعت باقتدار النموذج الشعري العربي التقليدي، وجعلت منه معمارا فنيا مكتملا ومستنفذا لإمكانات تطوره إلا من خلال تطلع جمالي جديد. فالهايكو بالرغم من منشئه الياباني قد أضحى يشكل اليوم جسرا لحوار الشعريات والثقافات الإنسانية عبر العالم، باعتباره التقاطة شعرية تجعلنا نعيد اكتشاف ما كنا نعرفه ونتلقاه سابقا من غير أن نوليه العمق الكافي.

ولعل أن يكون احتضان بيت الشعر في المغرب لهذا الملتقى وإتيانه مبادرة تنظيمه التفاتة في إبانها لهذه الحركية على اعتبار أن هذا اللون الشعري هو مظهر من مظاهر الشعر المغربي المعاصر وملمح من ملامح التنوع الفني، إذ أن تنظيم ملتقى من هذا النوع يمكن أن يطرح أسئلة على الأداء الشعري المغربي برمته، ويمكن أن يثير عددا من القضايا التي من شأنها أن تخدم وتطور الشعر المغربي، وأن تشكل قيمة مضافة لمنجزه الشعري المشجع. مما سيمهد الطريق للهايكو العربي - ومنه المغربي- للتفاعل والتواصل بشكل منتج وفعال مع نظرائه في الشعريات واللغات الأخرى عبر العالم، و مما سيساهم - أيضا - في تجويد أداء الهايكو العربي في المحافل والمنتديات الشعرية الدولية باعتبارها واجهة ملائمة لديبلوماسية ثقافية ناجعة.. لذلك فإن شعراء الهايكو في المغرب مطمئنون لسير التحضير للملتقى بإشراف بيت الشعر الذي راكم خبرة مهمة في تنظيم مثل هذه المحافل والفعاليات.

3- ما حكاية هذا الاختيار لمدينة إفران كعبة لشعراء الهايكو؟

الهايكو هو في العمق صلاة في الهواء الطلق، و أكاد أقول إنه الشعر البيولوجي، الشعر الذي يحتفي بالطبيعة في صفائها، لذلك تم اختيار مدينة إفران لاحتضان الملتقى الأول لشعراء الهايكو في المغرب، فهي تتميز بجمال طبيعتها وبفضاءاتها المفتوحة على مناظر الأطلس الساحرة..كما تم اختيار رأس السنة موعدا لهذا الملتقى نظرا لما يحمله هذا الموسم من دلالة في الهايكو، فرأس السنة هو الفصل الخامس في ما يسمى بالـ"كيغو"في الهايكو، أي الزمن الذي يكتب فيه الهايكو.. كما أن اختيار مدينة إفران هو اختيار بيت الشعر في المغرب للانفتاح على فضاءات جديدة لأنشطته، وبالتالي المساهمة في التنشيط الثقافي لبعض المدن المغربية التي تستحق مثل هذه الالتفاتة، إذ نتوق إلى تمليك مدينة إفران الجميلة مهرجانا سنويا للهايكو الذي أضحى واجهة حقيقية للدبلوماسية الثقافية أيضا.

4 – ما جديد هذا الملتقى؟

الجديد أن هناك تفاعلا واسعا من طرف شعراء وشاعرات الهايكو في المغرب وفي الدول العربية الأخرى، وهناك ترحيب واسع بالمبادرة من طرف فئات عريضة من مبدعي المغرب ومثقفيه، وهناك احتضان متزايد للحدث من طرف شركاء وفي مقدمتهم وزارة الثقافة والاتصال ووزارة الشبيبة والرياضة، وغيرهما من الشركاء الذين يعرفون مصداقية بيت الشعر في المغرب ونوعية أنشطته، وقدرته على اقتراح مواعيد وتظاهرات ثقافية من العيار الرفيع.

5 - وماذا عن معرض فن"الهايغا"المصاحب لهذا المحفل الشعري؟

معلوم أن فن الهايكو قد ارتبط منذ زمان برسومات تحاول مصاحبته في قوته وبساطته في آن، مما جعل هذا الفن يكتسب هويته الفنية والجمالية الخاصة، وأضحى يحمل اسم"الهايغا /Haiga"، هذا اللون التشكيلي والكاليغرافي والفوتوغرافي الذي أصبح يعرف حضورا متزايدا إلى جانب قصائد الهايكو، وقد برع فيه فنانون يابانيون و روس و إيطاليون وغيرهم من جنسيات مختلفة، يمكن أن نذكر هنا منهم أحد أكبر فناني الهايغا عالميا، الياباني كونيهارو شيميزو/ kuniharu Shimizu-1949، الذي يكتب أيضا الهايكو والهايبون إلى جانب اشتغاله على فن الهايغاو.. وتفاعلا مع تجربة الهايكو في بعدها العالمي بدأ عدد من الفنانين المغاربة ينفتحون على فن"الهايغا"، وفي هذا السياق سيقدم فنانون ينتمون إلى"نادي الضفادع"بمدينة وجدة أول أعمالهم في فن"الهايغا"في أول معرض لهذا الفن بالمغرب في مصاحبة أكثر من 30 قصيدة هايكو لشاعرات وشعراء هايكو مغاربة في أول ملتقى لهم بمدينة إفران المغربية التي استحقت لجمالها احتضان هذين الحدثين غير المسبوقين معا في الوقت نفسه.. لذلك فستكون أول فرصة للجمهور المغربي للتعرف على هذا الفن من خلال المعرض الذي سيحتضنه بهو قاعة بلدية إفران يومي 30 و31 من دجنبر الجاري.

6 – عبد اللطيف اللعبي لا يكتب الهايكو لأنه ليس يابانيا.. ما تعليقك؟

أولا يسرني أن أرفع تحية شعرية عالية لشاعرنا الكبير عبد اللطيف اللعبي على منجزه الشعري المميز وتجربته الفنية المتفردة، هذا الشاعر الذي أعتبره قد بنى صرحه الشعري على تخوم الهايكو، نظرا لما يتميز به نصه الشعري من خصوصية تقربه كثيرا من الهايكو بالرغم من أنه لم يكتب الهايكو كما هو متعارف عليه فنيا، إلا أن هذا لا يمنع من أن يطرق اللعبي باب الهايكو على غرار عدد من الشعراء العالميين الكبار، وأن هذا اللون الشعري لم يعد يابانيا محضا، بل أصبح مفتوحا على التفاعل بين الثقافات والشعريات المختلفة على الصعيد العالمي، حتى إننا يمكننا أن نقول إن الهايكو قد أصبح اليوم إرثا شعريا إنسانيا يكتب بجميع لغات الأرض، أكيد أن الشاعر عبد اللطيف اللعبي يقصد أنه لن يكتب الهايكو بقالبه وجمالياته اليابانية، وذلك هو بالضبط تطلع الهايكو العربي - اليوم - الذي لا يمكن أن يكون له موقع ولا معنى ما لم يمتح من ثقافتنا وأرصدة شعوبنا الرمزية والفنية ليلتحم بالثقافة الإنسانية ليس كنسخة مكرورة، بل كاقتراح جمالي من ثقافة لها خصوصياتها وصبغياتها الروحية والمعرفية والجمالية، مع الإبقاء على روح الهايكو المتمثلة في البساطة والآنية والتحلل من زخارف البديع دون إهمال أيضا لروح البلاغة المتجددة (الأمر الذي يتجلى في المنجز الشعري للعبي بشكل ملحوظ)، وذلك حفاظا على هوية الهايكو التعبيرية بالجوار من أشكال شعرية متاخمة لكنها مختلفة مثل الومضة والشذرة الشعريتين.

7- كلمة أخيرة؟

في الأخير أتوجه بشكر خاص لبيت الشعر في المغرب الذي احتضن أول ملتقى لشعراء الهايكو المغاربة، وتجشم أعباء التنظيم بروح عالية تؤكد ذلك الانفتاح الواعي على مختلف التجارب الشعرية المغربية، كما لا يفوتني أن أشكر كل الشعراء والشركاء والباحثين الذي تفاعلوا بشكل إيجابي مع هذه المبادرة في نسختها الأولى على أمل أن يتم تبنيها من المؤسسات الثقافية الرسمية بوصفها موعدا شعريا سنويا نعمل يدا في يد من أجل تكريسه في المشهد الثقافي المغربي، كما آمل أن يكبر هذا الموعد في اتجاه البعدين العربي والعالمي، وان تتم مصاحبته بعدد من الإصدارات الإبداعية والنقدية التي تقدم هذا اللون الشعري للقارئ المغربي والعربي بما يمكن أن يصاحب ذلك من أسئلة ومطارحة في قضايا تهم الشعر المغربي برمته.. ولا أنسى أن أشكرك ذ عبد المتقى أديبا وشاعرا على مصاحبتك الإعلامية و النقدية لتجربة الهايكو المغربية، وأن أهنئك على صدور مجموعتك في الهايكو التي عنونتها ب"على عجل"، وما هي كذلك.


عبد الله المتقي

قاص وشاعر مغربي

من نفس المؤلف