قتلتُ أبي

، بقلم حسن عبادي

سِفاح المحارم هو أي علاقة جنسية كاملة بين شخصين تربطهما قرابة تمنع العلاقة الجنسية بينهما طبقاً لمعايير دينية أو ثقافية، بغضّ النظر إذا كان اغتصابًا أو بالاتفاق، وبغضّ النظر مَن المُبادر لهذه العلاقة، وعليه يعتبر ما فعله الأب بابنته مريم حين سافحها... سفاحًا محرّمًا، الظاهرة منتشرة عالميًّا، حيث أن غالبيّة الاعتداءات الجنسيّة تحصل داخل العائلة والجاني قريب الضحيّة.!!

كتبت لي حين أهدتني روايتها: "من حسن ظني به اعتقدت أن القارب المثقوب يبتلع البحر"، فأبحرتُ في الرواية وبحرها ووجدت ذلك القارب المثقوب.

قرأتُ رواية "أَغْوَيتُ أَبِي" للروائية الفلسطينية سهام أبو عوّاد، الصّادرة عن "دار دجلة ناشرون وموزعون"عمان، في 206 صفحات، وصمّم الغلاف الفنّان الشاعر محمد خضير، وكان أن صدرت لسهام رواية سابقة بعنوان "مقاش".

تدور أحداث الرواية حول اغتصاب "مريم" فتاة فلسطينيّة من قبل والدها فتهرب من البيت "هي الهاربة التي يسمونها المفقودة، فرق كبير بينهما" (ص. 18) وتقرّر ألّا تُجهض فتلد ابنا لوالدها/جدّه "جسدها المغتصب ما زال يرتعش كوريد ذُبح للتو، يشهق تحت الغطاء الذي جلّلوه ليستر خطيئةً صارت حَدَبةً في أحشائها فبُعثت جنينًا، تململَ للتو باكيًا" (ص. 21) وتتخفّى باسم "أوجينا" (اسم يوناني قديم يعني سليلة السُّموّ) حتى يجدها أخوها ويعيدها للبيت لقتلِها.

تم التعرض لموضوع الاعتداءات الجنسية داخل العائلة كثيرًا في الأدب المحلي والعربي، فقد تطرقت الكاتبة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان في روايتها " رائحة الزمن العاري" لمحاولة انتهاك الجسد من قبل العم، أما الدكتورة كلارا سروجي- شجراوي فتطرقت لاغتصاب الأب لابنته في قصة "ارتداد" (مجموعة "طواف" خربشات قصصية بحجم راحةِ اليد):"هناك، في غرفتهما قبّلها في فمها. أبعدته عنها، لكنّه ألقاها على السّرير وانتزع ثيابها. حاولت أن تصرخ، فوضع يده على فمها. حاولت أن تبعد جسده عنها لكنّه كان أقوى منها. بابا، لا تفعل بي ذلك، لكنّه لم يسمع توسّلاتها، ولا رأى الدّموع في عينيها"، والكاتب سعيد نفاع تطرّق إلى اغتصاب الخال لابنة أخته جوليا في روانصّيته "وطني يكشف عُرْيِي" أما الروائي سامح خضر فتحدّث عن اغتصاب "حياة" -الفتاة الفلسطينيّة- من قبل جدّها المختار في روايته "الموتى لا ينتحرون"، كذلك رأينا الأخ يعتدي على براءة أخته الطفلة يتيمة الأب تغريد ابنة الصف التاسع مستغلاً سلطته الذكورية بعد وفاة الأب، ثم يقتلها بداعي الشرف بعد أن اغتصبها مراراً، عندما تجرأت وأخبرت والدتها بما فعل (رواية "شرفة العار" لإبراهيم نصرالله).

أما سهام أبو عوّاد فخطت خطوة جريئة حينما قرّرت أن تولّد مريم ولا تقبل بالإجهاض فذكّرتني برواية "لقيطة استانبول" للكاتبة إليف شافاق (أسيا اللقيطة تكتشف أنها ابنة خالها مصطفى الذي اغتصب أخته/إمها زليخة التي رفضت أن تجهض)، فَ "لا ذنب للرضيع" (ص. 22) ولكنها رفضت منحه شهادة ميلاد أو ورقة ثبوتية أو حتى اسم ولكنها تتخبّط "لو كان الأمر بيدي لمنحته اسم والدي مكررًا...لا أستطيع... فلو كان بيدي لمسحت اسم والدي مِن ملامحي وعمري وأوراقي" (ص. 24)

صوّرت الكاتبة مشهد اغتصاب الأب لابنته (ص. 160-161) تصويرًا فاضحًا تقشعر له الأبدان، "وحيرتُها تمنعها حتى مِن صفعهِ، تمنعها من الصراخ والاستجداء، كلَّما لثَمها بفمِهِ، انهمرت دموعها لتغسلَ بقاياه" وصوتها المبحوح خَجَلًا يناديه:"توقَّف يا أبي، أنا مريم يا أبي"! وتصرخ به "توقف، أتوسل إليك يا أبي، أرجوك أن تتوقف"!

تحمل في قلبها الحسرة والوجع، عادت إلى جلد ذاتها من جديد، ففي قلبها شكٌّ قليل بأنها ساهمت في كل ما حلَّ بها، "كانت من حُسن ظنها بعائلتها تعتقدُ أنَّ القاربَ المثقوب يبتلعُ البحر وليس العكس!" (ص. 85) دون أن تدري أن الأمان يتحول إلى غول يبتلع صغاره، ووالدها تحوّل إلى وحش بذَرَ فيها عاره، فتهاوت حين أدركت معنى كلمة حبلى ومِمّن؟ من والدها! فصارت مصيبتها بألف مصيبة.

لكنها تصحو لتنتقم لروحها " هي ليست هاربة، بل انعتقت، حين فُضّتْ بكارتها في طَبقٍ ما/فَم ما! هاي هي تدورُ وتدورُ كبوصلةٍ معطّلةٍ لا شرقَ لها" (ص. 164)

قرّرت أن تكتب رسالة لوالدها حين سنحت لها الفرصة في سِجنها فكانت لائحة إتهام مجلجلة (ص. 196-197)، ولكن سهام لم تخط الخطوة الضروريّة فلم تُحاسب والدها الجاني بمقاضاته وجعلته يفلت من العقاب الدنيوي:"آه يا أبي... محال أن أدعوك لنزال أمام القضاء، محال أن أخرج بريئة وفي عنقي جريمة قتل أمي وأخي، لن يردعك السجن الذي سيكون حكمًا عليهم، يكفيهم هذا الدمار الذي تسببت أنت به" (ص. 199)

تصل الرواية ذروتها حين تنجح الكاتبة بلمّ شمل مريم وأبيها ويلتقيا في سجنها بالقبو فتواجهه بجرأة، وكأنّي بها تقف على خشبة مسرح وتخاطب أمها، أخاها ومجتمعنا الذكوري، لتنتقم فتخاطبه:"لماذا أتيت؟ أأتيت لتعتذر؟ أم لتطلب العفو كي تموت بسلام؟... تشق عباءتها السوداء... أُنظر، متّع عينيك بما هو محرَّم عليك...! كنتُ أتمنى لو كنتَ مخمورًا فأجد لك عذرًا... هل تعلم أنكَ اغتصبت أيامي كلّها لحظة بلحظة قبل أن تغتصب جسدي... ما أبشعك... هنا غرستَ شيطانك فأنجبْتهُ طفلًا أبكم... تركت فيه دمكَ ليكون نصلك في نسلِك!!" (ص. 203-204) وتصرخ بفم الرعد وهي تبتلع صوته:

"قتلتُ أبي
قتلتُ أبي
قتلتُ أبي"

للأم دور سلبي جدّا، فقد صمتت وتكتّمت، واكتفت بتحذيرها، وألقت عليها النصيحة واللوم، واخترعت الكذب كي تبرّر غياب ابنتها بحجّة السفر إلى الخارج لتبرِّر الغياب وتملأ مساحاته بحضور زائف "فبعد المعركة يحصي الجنود كلَّ شيءٍ إلّا عددَ الرصاصات الفارغة على الرغم مِن أنها كلُّ الحكاية" (ص. 79)، لم تنتبه ولم تُنبّهها رغم كل الدلائل والمؤشرات حين "ابتاع لها الأشياء الجميلة، والثياب المباحة وغير المباحة" (ص. 54) واختبأت حين "قدَّم لها عقد ناعم مِن الماس" (ص.145) وخرست حين كان يمازحها: هذه الفتاة لن أزوجها أبدًا، سوف أبقيها لأشكر الله في كلِّ لحظة على نعمته، فأنا لا أجد مَن يستحق كلَّ هذا الجمال"(ص. 149) وحين جثت عند قدمي ولدها ترجوه حبسها للأبد قائلة:"دعها تموت قهرًا في القبو".

وكذلك دور الأخ النمطي التقليدي: "سوف أنتقم لنا جميعًا، هي لا تستحق الحياة، انتهى الخوف الآن، سوف أدفنها بعارها ولتنتهِ حكايتها للأبد، هي مَن اختار المصير يا أبي، هي مَن اختار".(ص. 139)

لفت انتباهي سالم الفدائي، ابن تاجر هُجّر من فلسطين برفقة زوجته، رضع التهجير والقهر، درس الهندسة الكيميائية وانخرط في حركات المقاومة السرية وفقد ساقه في عملية عسكرية ضد المحتل وسُجِن عدة سنوات فنذّرَ روحه لقضيته و"لا يخشى على الوطن إلا مِن الذين خذلوه"، "مَن يمكنه أن لا يقف منتصبًا لصوت رفرفة علم بلادهِ وهو يطبطب على خدِّ السماء؟" (ص.33) وتساءلت: هل مريم هي فلسطين المنتكبة والمغتصبة؟ هل أعمار شخصيات الرواية ليست بصدفة لتجمع النكبة بالنكسة باغتصاب فلسطين؟ "يضيف إلى التسعة عشرة عامًا ثلاثة شهور هي عمر رضيع يحبو نحو عمرها"(ص.122) فالبيت على تلة مرتفعة... يطلُّ على مساحات شاهقة من الأراضي الزراعية، ومن الشرق بيوت بسيطة بناها أصحابها كبيوت مؤقتة طمعًا في العودة إلى ديارهم التي طُردوا منها" (ص. 136) وسالم يقف في منفاه ينظر نحو وطنه... محتل... يحتاج إلى أكثر من ثورة لاسترجاعه، مستعبد بالظلم ومنعوت بكل الأسماء المستعارة و"صار برتقاليًا ككروم يافا في الربيع" (ص. 184). هل هو إقحام أم بُعد آخر للرواية؟ هل مريم هي فلسطين وفلسطين هي مريم؟ وكلتاهما مُغتصَبات! تناولت الراوية بامتياز قضيّة إنسانيّة وراودني الشك للحظة أنها أقحمت سالم والمقاومة خوفًا من اتهامها بالتخلّي عن القضيّة والمقاومة لصالح "هيك موضوع"! ولم تكن لديها الجرأة الكافية للالتحاق بالمدرسة الدرويشية في مراحلها المتقدّمة بتناولها قضيّة إنسانيّة عالميّة؟!؟

تتمتع الكاتبة بحسّ طبقي عال فهي تصوّر الوضع الاجتماعي والاقتصادي بحنكة وحبكة "الفقر أحيانًا يعلمنا الصبرَ والقبول بنصف ما نستحق... ليس لأننا لا نجيد فنَّ الحياة، بل لأن الحياة لا تقبل فنَّ صبرنا في تفصيلها كما نشاء" (ص. 46) فالحكايات تبني بيوتها بكلِّ اللهجات، لتجد راويًا يجيد السرد، ومظلومًا يجيد الصبر.

وتحافظ على تلاحم أبناء الشعب الواحد رغم محاولات التفريق لطوائف، فأم كمال المسيحيّة تحتضن مريم وتنشلها، صدوقة للجميع، وخادمة للمقاومة ورجالها عن طيبة قلب حتى أنه عند موتها كان من البديهي أن "جنازة أم كمال سوف تخرج من مشرحة المشفى إلى كنيسة المدينة ثم سيعودون بها إلى مسجد القرية حتى يتسنى للجميع المشاركة في دفنها" (ص. 114).

تميّزت الرواية بلغة جميلة شاعريّة وانسيابية، كذلك تحرُريّة كاتبتها وجرأتها اللا متناهية، ولأبعد الحدود لتكسر تابوهات محرّمة وأبحرَتْ في ذلك القارب المثقوب... وابتلعَتْ البحر.

تشكّل الرواية صرخة مدوية في مجتمع ما زال يجترّ عادات وتقاليد قسمت الحياة إلى قسطاسين: الحلال والحرام دون الأخذ بعين الاعتبار المشاعر السامية التي تعطينا صفة البشر!

تهدي أبو عوّاد الرواية "إلى إناثٍ كثيرات، حملنَ سفاحًا، فَدخلْنَ مُدنَ الخوفِ عبرَ بوّابةِ الأمان..."أوجينا" وأسْماء أخرى". رواية جديرة بالقراءة، ولكن سهام لم تصرخ صرخة الضحيّة ولم تخط الخطوة الضروريّة فلم تُحاسب الجاني بمقاضاته أمام العدالة ليكون عبرة لمن اعتبر، وجعلته يفلت من العقاب الدنيوي...مات رجمًا بضميره وعاره... مات قهرًا وندمًا!

تصدّر صحيفة المدينة الحيفاوية صبيحة الجمعة قصّة اغتصاب الخال لبنت أخته من جيل 5 سنوات لمدة 12 سنة وكانت جريئة بملاحقته ومقاضاته جنائيًا، وكانت لديه الوقاحة بأن يتساءل أمام المحكمة كأغلبية الناس: لماذا المشتكية لم تضع حدودًا؟؟؟ "ليش ما وقّفَت التحرش؟؟؟" هل بنت الخامسة أغوت خالها المجرم؟؟ والأنكى من ذلك أن كاهنًا شهِدَ لصالح ذلك المجرم طالبًا تخفيف حُكمِه!

فلنلاحق الجاني حتى يُعاقَب ولا يفلت من العقاب.... كفى!!!!!


حسن عبادي

كاتب، ومحام فلسطيني مقيم في حيفا

من نفس المؤلف