اسطاع و استطاع

، بقلم فاروق مواسي

مما يحذف من الفعل تخفيفًا التاء من الفعل (استطاع)، وقد ذكر الزمَخْشَري في كتابه (المفصل في صنعة الإعراب)- ص 557، تحت عنوان "العدول عن الإدغام إلى الحذف"، فقال:
"وقد عدلوا في بعض ملاقي المثلين أو المتقاربين لإعواز الإدغام إلى الحذف، فقالوا في (ظللت) - (ظِلْتَ)...ومن قولهم (يسطيع) بحذف التاء، وقولهم (يستيع) بحذف الطاء".

أثيرت مسألة حذف تاء الافتعال وإثباتها في (استطاع) بالذات، بسبب ورودها في سورة الكهف:

قال الله تعالى: فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا- (آية 97).

وقد جاء مثل ذلك أيضا في السورة نفسها في قوله تعالى:

سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا(78) وكذلك: ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)، وقَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75)

يقال : (استطاعوا) و(اسطاعوا) بالتاء وحذفها، وهما بمعنى واحد.

ذكر بعض المفسرين أن الفائدة من هذا التغاير هي فائدة لفظية، وأن هذا هو مقتضى الفصاحة.

وذهب آخرون إلى أن الفائدة من التغاير فائدة معنوية، وهي أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فزيادة حرف (التاء) في إحدى الكلمتين تدل على أن الاستطاعة فيها أشد من الكلمة التي حذفت منها التاء، فعند المقابلة بين أمرين، يقال في الأشد منهما: (استطاع) بالتاء، ويقال في الأخف: (اسطاع) بحذف التاء.

ومن هؤلاء المفسرين ابن كثير، حيث يرى في هذا الحذف:

"فما اسطاعوا أن يظهروه، وهو الصعود إلى أعلاه- أي أعلى السد، وما استطاعوا له نقبا، وهو أشق من ذلك، فقابل كلا بما يناسبه لفظا ومعنى، والله أعلم".

تفسير ابن كثير (5/188).

ثم إن فاضل السامرائي توسع في ذلك، وهو يعلل في شريط له على اليوتيوب- قائلاً:

في قصة موسى مع الخضر، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا فالاستطاعة هنا أشد لأن موسى عليه السلام لم يكن علِم سبب فعل الخضر ما فعل.

فلما أخبره بذلك قال: ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا، لأن الأمر هنا صار أخف.

وكذلك في الموضع الثاني، وهي قصة ذي القرنين، فصعودهم على السد أقل صعوبة من نقبه، ولذلك جاء في الأول بحذف التاء فما اسطاعوا أن يظهروه وجاء في الثاني بالتاء وما استطاعوا له نقبا.

لا شك أن هذا اجتهاد هام حرص فيه السامرائي كعادته أن يبين أن كل حرف في القرآن هو موظف لغاية، وفي رأيي أنه أجهد نفسه في ذلك، فلا ينقص القرآن قدر ذرة من معناه بحذف التاء أو بقائها.

وكان السامرائي قد تناول مسألة قصر لفظ (الريح) في القرآن على كل سوء، وتخصيص لفظ (الرياح) للخير، وكان أن بينت – في حلقة سابقة- من خلال عشرات النماذج في الشعر الجاهلي بما ورد في الصورتين خيرًا وشرًا لهذه الكلمة ولتلك.

إنني أرى في استخدام (اسطاع) و (استطاع) و (تسطيع) و (تستطيع) تلوينًا فنيًا، وهو نوع من المخالفة اللفظية تجنبًا للتكرير. إنه نوع من التخفيف، وكم بالحري وأن (اسطاع، يسطيع) واردتان في لغة العرب جنبًا إلى جنب مع (يستطيع ويسطيع).

إضافة إلى ذلك فقد قرأت في كتاب (حُجّة القراءات) لابن زَنْجلة أن حمزة قرأ فما اسطّاعوا - بتشديد الطاء، وحجته قراءة الأعمش "فما استطاعوا أن يظهروه" بالتاء، "وقرأ الباقون "فما اسْطاعوا" بتخفيف الطاء، والأصل "فما استطاعوا" فحذفوا التاء كراهة الإدغام والجمع بين حرفين متقاربين في المخرج".

وهكذا تلتقي قراءة من قرأ بحذف التاء مع ما ذكره الزمخشري أعلاه.

كما وجدت في شرح الآية في تفسير القرطبي ( الجامع لأحكام القرآن):

"ما لم تسطع عليه صبرا- قرأت فرقة: "تستطيع".

وفي رأيي أن القراءات المتباينة تخفف من تكلف الشروح أحيانًا.

سأقوم معكم بجولة في الشعر الجاهلي وهو ما وصل إلينا قبل القرآن، وسنرى أن الحذف قائم في الكلمة حتى لو تم للضرورة الشعرية:

طرفة:

لعمرك ما الأيام إلا معارة
فما اسطعت من معروفها فتزود
فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي
فدعني أبادرْها بما ملكت يدي

عَديّ بن زيد:

فلا تُقصِرَنْ عن سعي من قد ورثتَه
فما اسطعت من خير لنفسك فازدد

أبو نُخيلة:

لولا أبو الفضل ولولا فضله
ما اسطيع بابٌ لا يُسنّى قُفله

وغير ذلك كثير!


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف