دعابة ساخرة للبهاء زهير

، بقلم فاروق مواسي

هل قرأتم قصيدة "البغلة- للبهاء زهير؟

إليكم:

لكَ يا صديقي بغلة
ليست تساوي خردله
تمشي فتحسبها العيو (م) ن على الطريق مُشكَّله

وَتُخالُ مُدْبِرَة ً إذا
ما أقبلتْ مستعجله

مِقدارُ خَطوَتِها الطّويـ (م) ـلَة ِ حينَ تُسرِعُ أُنْمُلَهْ

تهتزّ وهيَ مكانها
فكأنّمَا هيَ زَلزَلَهْ

أشبَهْتَها بَلْ أشْبَهَتْـ (م) كَ كأنّ بينكما صِلهْ
تحكي خِصالك في الثقا (م) لة ِ والمهانة ِ والبلَهْ

(ديوان البهاء زهير، ص 227- دار المعارف)

بهاء الدين زهير ولد في مكة، وسكن مصر، حيث اتصل بالملك الصالح نجم الدين أيوب.
عايش الحروب الصليبية ردَحًا من الزمن، وكتب عنها.

توفي سنة 1258 وهي السنة التي خرب التتار فيها بغداد.

سأصحبكم مع الشاعر الذي أحببت شعره وأوزانه الرشيقة، وتلمست فكاهته وخفة روحه.

القصيدة تسخرمن صديق له هو شهاب الدين القوصي، وذلك من خلال بغلته التي لا تساوي حبة خردل (تعبير قرآني)، وهي بطيئة في مشيتها وكأنها مربوطة بعقال، بل يحسبها الناس مدبرة لا مقبلة، هذا إذا كانت في خطواتها مستعجلة، فمقدار خطوتها أنملة، بل كأنها تتحرك مكانها، وهي تهتز وكأنها زلزلة.

لاحظنا أن هذه الدعابة قامت على المبالغة والخروج عن المألوف (خردلة، أنملة، وتحسبها مدبرة في إقبالها، زلزلة في تحركها "الثابت"، وهي قاسية لأنها ارتبطت بصاحبها.

لم يكتف بوصف البغلة بهذا الكاريكاتير اللغوي، بل عقد صلة بين بغلته وبين صديقه (أي صديق هذا؟ ولماذا يسميه صديقًا؟)، وأشار بصريح العبارة أن "صديقه" شبيه بالبغلة، ثم صعد درجة ساخرة أعلى في استخدامه حرف الإضراب (بل)، وماذا بعد (بل)؟

البغلة هي التي أشبهت صاحبها- فهي أشبهتك يا "صديقي"، فكانت مثلك، تقلد صفاتك، وكان الجامع بينكما ثقل الظل، والمهانة والحمق.

فماذا بقي؟

لو جمعنا صفات البغلة لوجدنا صفات طبيعية- هي البطء، وأن ليس لها أدنى نفع، ووجدنا الصفات المكتسبة من صاحبها- هي ثقل الظل والحمق والمذلة.

من شعر الهجاء للبغلة قرأت لشاعر يدعى القيراطي- أديب مصري، ت. 1379 م:

لي بغلة قد أتعبت راحتي
والرِّجلَ من فخذي إلى كعبي
طباعها خارجةٌ كلها
وقطُّ لا تمشي على الضرب

يبدو لي أن البغلة في ذلك الزمان كالسيارة في زماننا، ففي العصر الحديث هجا شوقي في (محجوبياته- الشوقيات، ج4، ص 148) سيارة صاحبه مكسويني، ويقول إنها تسير وكأنها لا تتحرك؟

وهي قصيدة دعابية تحت عنوان "بين مَكْسُويني والأوتومبيل"، أختار منها:

لكم في الخطِّ سيَّارَهْ
حديثُ الجارِ والجارهْ
إذا حركها مالتْ
على الجنبين منهاره
ولا تشبعها عينٌ
مِنَ البِنزين فوَّارَهْ
ولا تُروى من الزيت
وإن عامتْ به الفاره
فقد تمشي متى شاءتْ
وقد ترجع مختاره

هل من يضيف قصيدة عن سيارة متخَلّعة كما وصفت فيروز السيارة التي لا تسير، وذلك في مسرحية (ميس الريم)، وهي من كلمات الأخوين رحباني:

هالسيارة مش عم تمشي
بدنا حدا يدفشها دفشة
يحكو عن ورشة تصليح
وما عرفنا وين هي الورشة.


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف