أُمنِياتٌ حَزِينةٌ

، بقلم رامز محيي الدين علي

إنَّ الجديدَ جميلٌ في جِدَّته، إنْ كان يحملُ في طيَّاتِه خيراً وحبَّاً وتفاؤلاً وسعادةً وطمأنينةً، لكنَّه قبيحٌ، إذا كان يتَّشِحُ بالشرِّ والبغضاءِ والتَّشاؤمِ والشَّقاءِ والقلقِ واليأسِ والحروبِ والدَّمارِ وصراعِ المصالحِ والنُّفوذِ، وقد لا يختلفُ عمَّا قبلَه وعمَّا بعدَه في نظرِ أناسٍ ديدنُهم الرَّتابةُ والنَّظرةُ السَّطحيةُ إلى الحياةِ ومضامينِها!

ساعاتٌ قليلةٌ والعالمُ يستعدُّ لاستقالِ عامٍ جديدٍ دونَ أن يودِّع عامَه الذي يلفظُ أنفاسَه الأخيرةَ، وكأنَّه يعبِّر عن حالِ السِّياسةِ التي تطبِّل وتزمِّرُ للقائدِ الظَّافرِ في الانتخاباتِ أو على ظهورِ الدبَّابات أو بين أوراقِ التَّزويرِ، رامياً بقوَّادِه السَّابقين في مجاهلِ القبورِ أو السُّجونِ أو دفاترِ النِّسيانِ والتَّناسي!

ساعاتٌ قليلةٌ والعالمُ الأبلهُ ينهضُ من سُباتِه، وينتفضُ انتفاضةَ السَّكرانِ، يستعرضُ عضلاتِه وكأنَّه قد تخلَّصَ من همومِه وأوجاعِه وذلِّه وعارِه، ويُطلقُ نيرانَه شُهباً تضيءُ السَّماءَ؛ وكأنَّه انتصرَ على جهلِه وأسقامِه وشهواتِه ونزواتِه، وصار عالماً ملائكيَّاً على أبوابِ الجنَّةِ الموعودةِ.
والأنْكى من كلِّ هذا وذاك أنَّ صراصِيرَه التي ليس لها في مِضمارِ الصِّراعِ العالميِّ غيرُ الصَّريرِ والعَريرِ، وليس لها في موازينِ القِوى شيءٌ من عضلاتِ عنترةَ ولا بريقِ لمعانِ اليمانيِّ بين يديْه، سوفَ تتراقصُ طرباً، وهي ترتدي أبْهى أزيائِها وكأنَّها مسرحُ حضاراتِ العالمِ، وفي الحقيقةِ ليس عندَها سوى سكراتِ الموتِ التي تقضُّ مضاجِعَها ألماً، وتنهشُ أوصالهَا حقداً، وتكسِرُ عظامَها المتداخِلة بنياناً، وتجترُّ لحومَها اجتراراً، وتمتصُّ دماءَها امتصاصاً!

ساعاتٌ قليلةٌ، ويعلنُ العالمُ انتصارَه الوهميَّ على جهلِه وجهالتِه، وفقرِه ومجاعتِه، وشذوذِه الأخلاقيِّ، وبُعدِه عن قيمِ الحقِّ والخيرِ والجمالِ والعدلِ والمساواةِ، فيُطلقُ ألعابَه الناريَّةَ الجنونيَّةَ في الفضاءِ؛ وكأنَّه غسَلَ أثوابَه الملطَّخةَ بالدِّماءِ، ونفضَ عنها أدرانَ قذارتِه وبشاعتِه، ووُلدَ من جديدٍ بأثوابِ الطَّهارةِ والإيمانِ والورع والتَّقوى ، وينْسى أنَّه يدفنُ صراعاتِه السِّياسيةَ والاقتصاديَّةَ والاجتماعيَّةَ والبيئيَّةَ والخلقيَّةَ والدِّينيةَ والفلسفيَّةَ في ظلماتِ نفسِه المجبولةِ على الظُّلمِ والاضطهادِ وغلبةِ المستبدِّينَ على الضعفاءِ وسيطرةِ الكهنوتاتِ السَّياسيَّةِ والدِّينيةِ والقبليَّةِ والشُّعوبيةِ والعرقيَّةِ على سائرِ قطعانِه البشريَّةِ!

ساعاتٌ قليلةٌ ويستعرِضُ كلُّ جزءٍ من هذا العالمِ الأحمقِ شعاراتِه في السَّعادةِ والتَّفاؤلِ والمحبَّةِ والمساواةِ ومحاربةِ التَّمييزِ العنصريِّ والقضاءِ على الفقرِ وتحريرِ الإنسانِ، من خلالِ بهارجِه المزيَّفةِ بالألوانِ النَّاريةِ التي يُواري في حقيقتِها مستنقعاتٍ من الجهلِ واليأسِ والشَّقاءِ والعُنصريَّةِ بأبشعِ مضامينِها والاستبدادِ بأقذرِ أشكالِه وألوانِه!

ساعاتٌ قادمةٌ، والعالمُ يُعلنُ عن انطلاقِ كرنفالِه الزَّائفِ، وينتفضُ بكلِّ أجزائِه العُظمى والصُّغرى، وأجزائِه التي لا تُشبِهُ الأجزاءَ؛ ليعبِّر عن جنونِه الأسطوريِّ، ومشاهدُ التَّناقضِ تُضحكُني وتُبكِيني، حينما أشاهِدُ أجزاءَه الممزَّقةَ تتراقصُ كالطَّاووسِ مستعرِضةً جمالَها المزيَّفَ، نافجةً ريشَها، شامخةً بأنفِها إلى الجوزاءِ!

مشاهدُ التَّناقضِ التي ستمرُّ أمامَ ناظريَّ تذكِّرُني ببُغاثِ الطَّيرِ، حينَما يستعرِضُ قواهُ وينفجُ ريشَه متحدِّياً صقورَ الجبالِ، لكنَّه في الحقيقةِ لا يملكُ سوى عُشٍّ يبيضُ فيه، فتنقضُّ عليه النُّسورُ وتحرمُه من حرارةِ احتضانِ بيوضِه!

ساعاتٌ، ويُخرِجُ بداةُ العالمِ عصيَّهُم وعباءاتِهم المزركشَةَ بشتَّى أنواعِ الدِّيباجِ والحريرِ والدِّمقسِ، ويُعلنونَ بطولةَ قبائلِهم وفضلَهم على التَّاريخِ وسائرِ الأممِ!

ساعاتٌ، ويعودُ المشرَّدون بفعلِ الحروبِ الظَّالمةِ إلى أوطانِهم!

ساعاتٌ، وتُبنَى الأوطانُ التي دمَّرها العالمُ بتآمرِه عليها من أجلِ مصالحهِ وتحقيقِ الأمنِ لشعبِ الله المختارِ!
ساعاتٌ، ويُطلق الأحرارُ من زنزاناتِهم وسجونِهم؛ ليُودِع مجرمي الحروبِ في نارِ جهنَّمَ!
ساعاتٌ، ويُعلنُ العالمُ نهايةَ إسرائيلَ، والقدسَ عاصمةً لفلسطينَ المحتلَّةَ!

ساعاتٌ، ويُساقُ قادةُ العالمِ، صُنَّاعُ الحروبِ والمجاعةِ والفقرِ، إلى زنزاناتٍ منفردةٍ، وتُحوِّلُ أرصدتَهم السِّرَّيةَ والجهريةَ إلى خزائنِ الشُّعوبِ!

ساعاتٌ، وتتحرَّرُ الأممُ المتَّحدةُ من فيتو الدُّولِ الاستعماريَّةِ الكُبرى!

ساعاتٌ، ويُرفرِفُ علمُ العروبةِ خفَّاقاً في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها، وتُعلَنُ العربيَّةُ الُّلغةَ الرَّسميَّةَ للعالمِ، أسوةً بلغةِ أهلِ الجنَّةِ!

ساعاتٌ، ويُعتَرفُ بالإنسانِ العربيِّ إنساناً في أروقةِ منظَّماتِ حقوقِ الإنسانِ والحيوانِ!

ساعاتٌ، وتُلغَى أحكامُ سيوفِ الجزَّارينَ، وتُرفعُ المقصَّات بشتَّى أنواعِها عن الألسِنةِ!

ساعاتٌ، ويُوضَعُ ميثاقٌ لحمايةِ الإنسانِ من الإبادةِ الجماعيَّةِ يُساوي المواثيقَ الدوليَّةَ لحمايةِ الحيوانِ ورعايتِه الصحِّيةِ وضمانِ بقائِه!

ساعاتٌ، وتُرفعُ جميعُ القوانينِ والتَّشريعاتِ والمراسيمِ التي تحلِّلُ امتصاصَ الدِّماءِ والسَّكرِ بعرقِ الأجسادِ!

ساعاتٌ، ويتَساوى الجميعُ أمامَ القانونِ، وتُعطَى الحقوقُ كلٌّ حسْبَ جَهدِه وخبرتِه، لا جنسِه وعِرْقِه ومذهبِه وقبيلتِه وموطِنه!

ساعاتٌ، ويهبِطُ السيِّد المسيحُ من سماواتِه إلى أرضِه التي صلبَتْه وتبرَّأَتْ من دمِه؛ لينشُرَ العدلَ ويحارِبَ الظُّلمَ!

ساعاتٌ، ويظهرُ المهديُّ، وينتقمُ من الظَّالمينَ، وينشرُ المحبَّةَ والسَّلامَ!

ساعاتٌ، وينهزِمُ الأعورُ الدَّجَّالُ الذي ظهرَ في مكانٍ ما على سطحِ الأرضِ، ويخرجُ المُخلِّصُ الأمينُ من سردابِه السرِّي الذي لا يعلمُ بوجودِه أحدٌ!

ساعاتٌ، وتنشقُّ السمَّاءُ؛ لتبتلعَ جميعَ الطُّغاةِ والمجرمينَ، وتُمِطرَ الأرضَ قادةً من الملائكةِ تُقيمُ العدلَ وتنشرُ المحبَّةَ والسَّلامَ!

ساعاتٌ، وينفلقُ البحرُ ويبتلعُ حيتانَه وتماسيحَه البشريَّةَ التي حَرَمت الفقراءَ من لقمةِ العيشِ!
ساعاتٌ، ويصبحُ العالمُ جمهوريَّةَ أفلاطونَ، ترفرفُ العدالةُ بأجنحتِها بين جنباتِها، وترفُلُ السَّعادةُ في أفئدةِ سكَّانِها، وتُوزَّع الثَّرواتُ بالقيراطِ بين سكَّانِها دونَ ضرائبَ إضافيَّةٍ ودونَ رسومٍ على معاملاتِها!

ساعاتٌ، ويتنازلُ ملوكُ الأرضِ وأمراؤُها بالوراثةِ عن ملكِهم في السَّماءِ والأرضِ وتحتَ الأرضِ!
ساعاتٌ، وتتجاوزُ شُهُبُ السَّماءِ شياطينَها التي تسترِقُ السَّمعَ؛ لتُصيبَ شياطينَ الإنسِ، فتُريحُ الكرَةَ الأرضيَّةَ من شرورِهم!

ساعاتٌ، وساعاتٌ، وساعاتٌ... ونحنُ بانتظارِ الأملِ!

وينسى العالمُ الذي يحتفلُ بميلادِ السَّيِّدِ المسيحِ الذي جاء ليخلِّصَ البشريَّةَ من آلامِها وأوجاعِها، وينشرَ العدلَ والمحبَّةَ والسَّلامَ، أنَّه يحتفلُ بجهلِهِ المقدَّسِ النَّاضبِ من كلِّ مشاعرِ الإنسانيَّةِ النَّبيلةِ!

إنَّهُ عالمٌ لا إنسانيٌّ يحتفلُ بقربِ نهايتِه، لا بولادةِ فجرِ المسيحِ! إنَّه يسحقُ كلَّ يومٍ تعاليمَ الأديانِ السَّماويةِ والأرضيَّةِ، ويرتدي أثوابَ خداعِه مُعلناً ولادتَه من جديدٍ، رافعاً إلى السمَّاءِ أكفَّ الضَّراعةِ والتَّوسُّلِ كي يَرْضى عنهُ ربُّ السَّماءِ!

عامٌ جديدٌ وعالمٌ قديمٌ! عامٌ جديدٌ بتاريخِه، وقديمٌ بعالمَهِ الذي لا يبشِّرُ بخيرٍ، ولا يُكحِّلُ العيونَ بأملٍ، إنَّهُ عامٌ يُماثلُ غيرَه من الأعوامِ والأعيادِ، كما عبَّر عن ذلك أبو الطيِّبِ المتنبي:

عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ

ويظلُّ السُّؤالُ على فمِ الأيَّامِ: هلْ من جديدٍ سِوى الفروقِ الشَّاسعةِ بين القويِّ والضَّعيفِ والغنيِّ والفقيرِ والملوكِ والعبيدِ، لكنَّنا سنظلُّ نحلمُ ونحلمُ ونحلمُ، ونسعى بكلِّ إيمانِنا وإرادتِنا إلى ذلك الحلمِ الإنسانيِّ الذي بشَّرَ بهِ المسيحُ عليه السَّلامُ، وسَعى إلى تحقيقِه محمَّدٌ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ!

وكلَّ عامٍ والبشريَّةُ بخيرٍ والإنسانيَّةُ بمنأىً عن وحوشِها المفترسةِ!!


رامز محيي الدين علي

كاتب سوري مقيم في الإمارات

من نفس المؤلف