الأربعاء ٣ كانون الثاني (يناير) ٢٠١٨
بقلم عصام شرتح

إثارة المستوى التركيبي في شعر وهيب عجمي

لاشك في أن للمستوى التركيبي أهميته في الكشف عن شعرية الشاعر، ومؤثراته الإبداعية، وأساليبه الشعرية، هذا المستوى تكمن قدرة الشاعر الإبداعية من خلال براعته النسقية في التشكيل والتركيب، ذلك" أن إبداع الشاعر لايعزى إلى الكلمات فحسب،وإنما إلى نظم الكلمات وترتيبها واستغلال خواصها الصوتية والصرفية في سبيل تنسيقها في تراكيب متجانسة يضفي عليها الشاعر الكثير من مشاعره؛وهاهنا تتحقق جمالية النظم عن طريق التلاحم القائم بين التركيب المبدع والشعور الخاص، أي بين الوسيلة الفنية والرؤية الداخلية لدى الشاعر. وعلى هذا الأساس فإن الشاعر لايعتمد في بناء قصيدته على انتقاء المفردات واختيار الأساليب النحوية الملائمة بقدر ما يركز على الناحية الفنية، والإيحاءات الفكرية،ووقع الكلمات موسيقياً؛ فهناك مفردات تأتلف مع مفردات من دون غيرها،وهناك أساليب لغوية تتجاوز العرف الشائع إلى الإبداع الخاص. وهذا كله يحتاج إلى مقدرة إبداعية يمكنها تركيب المفردات والتنسيق فيما بينها. فلغة الشعر أغنى وأعمق لا بالكلمات فحسب؛ بل في الصياغات وطرق التركيب، فكل عنصر لغوي في الشعر يستخدم في تطوير قدرة العنصر الآخر،ومن هنا تقوم لغة الشعر على أساس تنظيمي يشارك فيه الشكل الشعري المعنى الشعري في انسجام لاقرين له خارج الشعر"(1).

وهذا يعني أن المستوى التركيبي يكشف مدى براعة الشاعر الشعرية وحذاقته الفنية في تشكيل النص الشعري المؤثر، وكشف مغرياته الجمالية،"وهنا تكمن عبقرية الشعراء الأفذاذ في استيلاد الكلمات معاني جديدة لم تكن لها قبل أن توضع في هذه التراكيب التي يختارونها(2).

ولعل أبرز ما يدل على جمالية التركيب: 1) أيقاع الجملة. 2) إيقاع المقطع.

جمالية الجملة:

ما من شك في أن للجملة الشعرية جمالياتها الخلاقة- في النص الشعري المبدع، ولطريقة بنائها أهمية في استثارة النسق الشعري جمالياً؛ وهذا يعني أن بناء الجملة" هو الذي يكشف عبقرية الشاعر، ويظهر تفرده وامتيازه. إن الشاعر الفرد عليه أن يشق طريقه المتميز من خلال كم المفردات الهائل الذي استخدمه قبله مئات الشعراء؛ ومن خلال الأنظمة النحوية المحدودة؛ وعليه أن يختاربينها ما يجعله فريداً متميزا،ويعطيه تأشيرة الرحلة عبر العصور والأجيال. وكم من الكلمات تستعمل عند عدد لابأس به من الشعراء؛ ولكنها في بعض الشعر تكون متلألئة، مشعة مشحونة بالدلالات لأنها صادفت بناء دقيقا وموقعاً نحوياً سليماً. وتكون هي نفسها في بعض الشعر الآخر قاتمة منطفئة غير موحية ولا نافذة لأنها لم تصادف موقعها الملائم،ولا بناءها المناسب؛ فليست القيمة في المفردات في ذاتها؛ ومن حيث هي ذلك. ولا في النظام النحوي في ذاته، ومن حيث هو كذلك، ولكنها في الاختيار الدقيق بين المفردات والنظام النحوي" (3).
ومن يطلع على تجربة الشاعر اللبناني المتميز وهيب عجمي يدرك أن الشاعر يهندس جمله بفنية آسرة، فهو يشتغل على الجملة الشاعرة،والمعنى البليغ والرؤيا الخلاقة، لدرجة أن الأبيات الشعرية تسير في قصائده متلاحمة السبك قوية المعنى، شاعرية في إيقاعها وموسقتها، فهو ينوع في أشكال الجمل لإبراز شعريتها، وللتدليل على هذه القيمة الجمالية في التشكيل نأخذ قوله من قصيدة (الأرض روحي) ما يلي:

أفصحت عن شعري المتيم بالثرى
فنما على زهر الرياض فصيحي
ولحمتُ شرياني بحبل وريدها
حتى أداوي جرحها بجروحي
لازال قلبي في هواها مولعاً
ليفيضَ في وصفِ الحبيبِ قريحي
فيها أبي في الحربِ هبَّ لنصرها
وكذا فأمي أقبلت كالريح
عصفورةٌ فيها تغرد للضحى
ويمامةٌ قد عشعشت بسطوحي
وغداً أكونُ جنينها في بطنها
وتصير أمي في الترابِ ضريحي"(4).

إن الممعن في هذه الأبيات يدرك بلاغة الشاعر في إصابة المعنى البليغ من خلال جمالية التراكيب التي تظهرها الجمل الشعرية في توزيعها الإيقاعي المموسق النشط، ففي قوله:

"أفصحت عن شعري المتيم بالثرى"

فنما على زهر الرياض فصيحي"يلحظ القارئ بلاغة عميقة في إصابة المعنى العميق من خلال بلاغة الصورة(نما على زهر الرياض فصيحي)، ذلك أن انزياح التركيب الشعري وفق هذه الاستعارة الخلاقة أدى إلى إبراز فواعل الرؤيا الشعرية البليغة التي يمتاز بها الشاعر، محققاً قيمة جمالية عظمى،فالنمو للشيء الحي وليس للشيء الميت،وعندما جعل الشاعر النمو للقريض حصراً وليس للنبات خلق نوسة تشكيلية في النسق الشعري،وهذه النوسة زادت من درجة إثارة الصورة،وكأن الشاعر أراد أن يقول لنا: أن فصيحه يزداد اخضراراً كلما باح شعره بهيامه بثرى الوطن والانتماء إليه.وهذه البلاغة والقوة في تشكيل الجمل ولدت بلاغة وقوة وفصاحة في المعنى، وهذه النقطة الأولى في مثيرات البنية التركيبية في قصائد وهيب عجمي، فهو شاعر مبدع يدرك وقع الكلمة جمالياً في النسق الذي تدخله.فهو يشكل الصورة بحساسية جمالية مرهفة لاتكلف ولا تجيير ولا تصنيع عبثي للدلالات، وهذا يعني أن القيمة الجمالية لقصائده تتلون بالرؤى والدلالات والمؤشرات البليغة، فهو وإن اعتمد الشكل الكلاسيكي في التشكيل فهو شاعر حداثوي في الرؤيا ومنتوجها الشاعري البليغ، وهذا ما ينطبق على الصور ومؤشراتها البليغة في النسق، فثمة رؤيا تكاملية نلحظها في تشكيل قصائده تبدأ من الجملة وصولاً إلى الشطر وصولاً إلى البيت ،وصولاً إلى المقطع الشعري بكليته، وهذا يعني أن ثمة هندسة تكاملية في تشكيل قصائده تظهر على مستوى الأشطر الشعرية،وصولاً إلى المقطع. وللتدليل على ذلك نأخذ قوله:

"روحي هنا في الأرضِ فاحفظها ولا
تبعِ الترابَ لأنه في روحي
أشجارها ارتفعت تناجي ربها
سرحت بسهلٍ مثمر وفسيح
ألصقتُ شرياني بحبلِ وريدها
حتى أداوي جرحَها بجروحي
دوَّنتُ فيها قصتي بقصيدتي
أنشدتُها في صوتي المبحوحِ
وغرستُ فيها من فؤادي وردةً
أنعشتُها من جرحيَ المفتوحِ
وشرحتُ للأجيالِ كيف نصونها
أبداً فطارتْ في البلادِ شروحي

ومدحتُ أهلي المبدعينَ وفنهم فغدا لأرضي والجمالِ مديحي"(5).

هنا، يلحظ القارئ القيم الجمالية العليا في التشكيل من خلال حساسية الجملة، وبلاغتها ومثيرها الفني، ذلك أن الشاعر هنا ابتدأ بشعرية اللغة والتعبير العميق عن الدلالات،والمشاعر الانتمائية الحبية بالوطن والأرض والوجود، ولعل بلاغة الجملة ومثيرها الفني المؤثر يظهر في قوله:

"ألصقتُ شرياني بحبلِ وريدها
حتى أداوي جرحَها بجروحي"

إن الممعن في هاتين الجملتين يدرك شعرية الجملة وقيمتها البليغة، كما في قوله:["ألصقتُ شرياني بحبلِ وريدها_ حتى أداوي جرحها بجروحي]؛ فالقارئ يلحظ ثمة قلقلة في نسق الصورة وهذه القلقلة هي التي أكسبت الصورة قيمتها البلاغية المؤثرة؛ وكأن الشاعر أراد أن يخلق نوسة تشكيلية مثيرة، تؤدي دورها البليغ في الاستثارة والتأثير. وهذا يقودنا إلى القول:
إن للغة الشعر إيقاعها المميز عن لغة النثر، إذ إن لغة الشعر" تتطلب نمطاً معيناً من القول. وإن كانت لاتتطلب مفردات خاصة؛ ولذلك فإنها تصل إلى أرقى الدرجات من خلال استخدام الشاعر جميع وسائل التركيب الممكنة، وهاهنا تعتمد جمالية الأسلوب على طريقة تشكيل المفردات في جمل تدخل في سياق يفصله الشاعر نفسه في أثناء عملية الإبداع الشعري"(6).
ولعل أبرز الظواهر التي نلحظها في شعرية الجملة الشعرية عند الشاعر وهيب عجمي هي
التوازي:

لاشك في أن للتوازي قيمته المؤثرة في شعرية الجملة، لاسيما القصائد التي تعتمد الإيقاعين الداخلي والخارجي في آن معاً، من حيث الكثافة والإيحاء والشاعرية،ذلك أن الشاعر العربي الحديث اهتم منذ البداية بتشكيلات الجملة الشعرية في قصيدته التي بدت منظمة تنظيماً جمالياً إبداعياً،مما يعد إيقاعاً أولياً يراعي حسن تقسيم الجمل وتقديمها في أشكال متنوعة، بحيث لايتكرر التشكيل نفسه مرتين؛لأن لكل قصيدة نموذجها التشكيلي الخاص بها"(7).

والتوازي قيمة جمالية في النصوص الشعرية تحقق فاعليتها في النص الشعري شريطة أن تدخل في صلب الدلالة وصلب إنتاج أو توليد الشعرية؛ وبهذا المعنى المقارب تقول الناقدة خلود ترمانيني" يعد التوازي من أعمق أسس الفاعلية الفكرية في الشعر؛ فهو شكل من أشكال التنظيم النحوي؛ ويتمثل في تقديم البنية اللغوية للجمل الشعرية إلى عناصر متشابهة في الطول والنغمة. فالنص بكليته يتوزع إلى عناصر وأجزاء ترتبط فيما بينها من خلال التناسب بين المقاطع الشعرية التي تتضمن جملاً متوازية؛ وهاهنا تحقق التماثلات النحوية اتساق التوازي في الشعر، ومن ثم توجه حركة الإيقاع في النص الشعري"(8).

وهذا يعني أن التوازي يمثل التطابق التام بين الجمل في الصيغة التركيبية من منظور خلود ترمانيني- وهذا ليس بالضرورة فقد يأتي التوازي في جمل ويغيب في بعضها الآخر، لكنه على المستوى العام يحقق قيمة جمالية ترتبط بالإيقاع تحديداً وإفرازات الدلالة من ناحية أخرى؛ وهذا يؤكد مقولتنا: التوازي قيمة جمالية إن ارتبط بالدلالة، وجاء لغاية جمالية أو فنية، وليس مجرد موسقة أو تنظيم للنص ومحاوره ومقاطعه الارتكازية، فكم من النصوص تغيب عنها هذه الظاهرة وتحقق قيمة تنظيمية جمالية عالية بتقنيات أخرى كالتضاد والتكرار؛ فالقيمة ليست فقط للتوازي النسقي وإنما للرؤيا الشعرية المنظمة للعلائق والأنساق اللغوية المبئرة للحدث والمشهد الشعري؛ وعلى هذا الأساس يقوم الشاعر وهيب عجمي في خلق التوازي الجمالي في قصائده على مستوى الجمل، لتبدو الجمل في قصائده متوازنة إيقاعاً وصوتاً ودلالة، ففي قصيدته الموسومة ب"شمس وثلج" من ديوانه:(الأرض روحي) نلحظ غناها بالمتوازيات الجملية والنسقية والتآلف الصوتي المموسق على مستوى القوافي المتواترة التي تشي بالانتظام والتواشج النصي، على شاكلة قوله:

"وطني بتاجك أرزةٌ خضراءُ
والشمسُ وجهُكَ والثلوجُ رداءُ
والنهرُ يجري فوقَ صدركَ باسماً
في راحتيه لمن هواكَ شفاءُ
والبحرُ ألقى في يديكَ قصيدةً
أبياتُهَا قممٌ علتْ وسماءُ
والفجرُ أيقظَ للسنا أطيارَهُ
وإذا الصباحُ حمائمٌ وغناءُ
وطني جبالٌ عانقتْ أقمارها
ما بينها حبٌّ... صفا ووفاءُ
وطني بلادٌ بالمحبةِ تُوِّجَتْ
والناسُ كلُّهمُ له أبناءُ
وطني نجومٌ في سمانا شعشعتْ
وكواكبٌ سياَّرةٌ عُلماءُ
مهدُ البلاغةِ والفصاحةِ أرضنا
ولحرفنا في العالمينَ ولاءُ
لبنانُ جنتنا وبيتُ قصيدنا
قلبُ السلامِ محبةٌ وإخاءُ"(9).

لابد من الإشارة بداية إلى أن التوازي – في قصائد وهيب عجمي- ليس مقصودا لذاته، أي لا يأتي التوازي لديه مصطنعاً أو زخرفاً أو زينة، إنه يجري في قصائده سلساً دفاقاً يتبع نبضه الشعري ونفسه الشاعري؛ فالعجمي يدرك أن اللعبة الشعرية فن والإيقاع إيقاع روحي، قبل أن يكون نغماً متماوجاً ونسقاً منظماً تشع من خلاله المفردات،فليس التوازي في قصائده لعبة تشكيلية أو قولية لفظية ساذجة وإنما هو فيوضات أحاسيس وإيقاع روحي يتغلغل في القصيدة وكأنه بوحاً وجدياً عما يعتصر قلبه من مشاعر وانفعالات وأحاسيس، أي إن التوازي في قصائده يتغلغل بالدلالة ويسهم في إنتاجها، فهو ينبض من إحساسه ونفسه الشاعري المؤثر؛ولو تأمل القارئ في الأبيات المتوازية بالصيغة (وطني جبالٌ- وطني نجومٌ- وطني بلاد) لأدرك أن التوازي جاء هادفاً للوقوف على المعاني المتتابعة بمشاعر واحدة تصف حالة الهيام والانتماء للوطن نبضاً وروحاً وإحساساً، أي إن الشاعر وقف على المتوازيات ليؤكد لحمة إحساسه ووطنه لحمة تامة لا تنفصل عراها أو تتغير أو تزول، لهذاغ عمد إلى الصيغ المتوازية ليؤكد حالة التلاحم المطلق روحاً وجسداً وانتماءً إلى تراب الوطن لبنان وتمسكه به ،فهو الشعر وهو القصيدة وينوبها العذب الدافق بالمحبة والسلام.

وقد يقوم وهيب العجمي من خلال ظاهرة التوازي بإكساب قصيدته وحدة تكاملية متجانسة تهب نصوصه الشعرية التلاحم والانسجام والتماسك، ذلك أن النص الشعري – عند العجمي- نص انسيابي ترابطي متلاحم الأواصر والعلائق اللغوية، ليتغلغل التوازي في ثناياها بليغاً مسهماً في إنتاج الدلالات وتكثيف مردودها الجمالي على شاكلة قوله من قصيدة( عطاء السماء) المهداة إلى صديقه الشاعر غازي عيسى يقول فيها:

"جئت( غازي) لفؤادي غازياً
كلُّ قلبٍ فيه حبٌّ ووفاء
قلبكَ الأبيضُ دنيا اتسعتْ
مدنٌ فيها كنوزٌ ووفاء
إن دلقتَ الشعرَ سالتْ روحُهُ
وسرى العطرُ بأنفاسِ الحِداءْ
لكَ كرمٌ عششَ الطيرُ به
ملأ الدنيا قصيداً وغناءْ
وجرى دمعُ القوافي في دمي
مثلما تجري بشرياني الدماء
لاتصدق أن للشعر انتهاء عالمُ الفنِ حياةٌ وبقاءْ
ويظلُّ الشعرُ حلماً ساهراً كاشفاً للكونِ أسرارَ الخفاءْ
كل ما في الأرضِ لايرقى إلى
بعض ما أعطتك إياه السماءْ
كرةٌ تلك هي الأرضُ التي
تحت رجليك ومرماك الفضاءْ"(10).

لابد من الإشارة بداية إلى أن التوازي – في الكثير من قصائد العجمي- يعتمد على دهشة الترابط والانسجام والتماسك الذي يربط الجمل والصور ويوحد صيرورة الدلالات باتجاه البؤرة النصية، وهذا يعني أن التوازي منطلقه إحساس الشاعر الوجودي المتوازن وتأملاته العميقة ولغته المموسقة الموزونة إيقاعاً ودلالات، فهو ليس من الشعراء المتصنعين الذين يأخذون التوازي مطية لتزيين قصائدهم دون أن يكون ثمة علاقة للتوازي بالدلالة والرؤيا، فيأتي لفظياً لاقيمة له في النسق الشعري المتضمن به.أما عند العجمي لاسيما في هذه القصيدة يأتي عنصراً بليغاً في إصابة المعاني والرؤى والدلالات العميقة،فالشاعر هنا يصف ممدوحه بأوصاف وصفات كمالية فهو الفنان والشاعر والمتأمل والعظيم والمتسامح والنبيل، ما أراد الشاعر أن يعددها تعداداُ وإنما قام بخلق التوازن النصي البليغ في النسق من خلال تقسم الصفات على الأشطر الشعرية؛ ففي كل بيت شعري ثمة صفة ورؤية مدحية، كمافي قوله:

"لكَ كرمٌ عششَ الطيرُ به
ملأ الدنيا قصيداً وغناءْ"

إن التوازي لايقوم لديه على توازي الصيغة، وإنما قد يقوم على التضاد والتقابل كما في قوله:

"لاتصدق أن للشعر انتهاء عالمُ الفنِ حياةٌ وبقاءْ" فالتوازي لم يأت وصفياً وإنما جاء بليغاً يقوم على المقابلة والتضاد (انتهاء/ بقاء)؛ وكأن الشاعر أراد أن يقول: إن الشعر خالد خلود الأبدية فكما أن الجمال لاينفد من الأرض فكذلك الشعر لا ينفد لأنه فن الجمال، بل إنه الفن الأسمى في التعبير عن الجمال.

وقد يتخذ التوازي – في قصائد وهيب عجمي – التوازن في الصيغ في عدد من الأسطر والأبيات الشعرية، كما في قصيدة (وجه أمي) إذ يقول فيها:

"بعيد الأم فتح وردُ قلبي
وفي أرجائها فاح العبيرُ
أتوقُ لطيفها في كل حين
كحاجٍ حول قبلته يدورُ
إذا ابتسمتْ لسانُ الدهر غنى
وإن حزنت فما ابتسمتْ دهورُ
وعاطفةُ الأمِّ كونُ حبٍّ
فلا كرماً تضاهيها البحورُ
على راحاتها ارتفعتْ نجومٌ
وجالت في محياها البدورُ
وقدرتها على الأيام عزمٌ
وأخلاقٌ وإخلاصٌ كبيرُ
وشيمتها العطاءُ بلا حدودٍ
عواطفها يؤججها الشعور"(11).

لابد من التنويه إلى أن التوازي في قصائد العجمي يعتمد الحنكة التشكيلية في إبراز التناغم بين المعنى البليغ واللفظ الجمالي المتناغم مع الموقف والحالة العاطفية، بمعنى أن التوازي في قصائده ليست مجانياً وليس عبثياً وليس تزويقاً للصورة بقدر ما يأتي ملتهب بالدلالة بليغ في إكساب النص الشعري الوحدة الجمالية،وهنا نلحظ أن التوازي جاء في الصيغ لتكون اللحمة العاطفية موحدة بشعور واحد هو تعديد أوصاف الأم وتقديسها واحترام عملها وقلبها المفعم بالحب والوفاء والطيبة والإخلاص، فهي رمز خالد للوفاء والإخلاص والتضحية في سبيل الآخرين،ولهذا جاء التوازي بليغاً في الأبيات التالية:

"على راحاتها ارتفعتْ نجومٌ وجالت في محياها البدورُ
وقدرتها على الأيام عزمٌ وأخلاقٌ وإخلاصٌ كبيرُ
وشيمتها العطاءُ بلا حدودٍ عواطفها يؤججها الشعور"

إن التوازي في الصيغ الاسمية جاء فاعلاً في إبراز محاسن الأم ووفائها، وهذا يدل على أن القصيدة تشكل لحمة متكاملة في قصائد العجمي فلا نلحظ تنافراً أو نشوزاً في تركيبها أو تكلفاً مصطنعاً يودي بانسيابيتها وفطريتها، فهي تجري سلسة منسجمة من أول كلمة في تشكيلها إلى آخر كلمة في نسقها، فالقيمة ليست في التوازي كتقنية فنية جمالية في خلق اللحمة والتماسك النصي،وإنما في إبراز شعرية الدلالات وبلاغة الجمل في نسقها، ومن يطلع على قصائد العجمي بعمق يدرك أن المثير الجمالي في قصائده مثير فني في التشكيل والانسجام والتناغم بين الجمل فلا خلخلة ولا نشوز ولاتنافر بين أجزائها وهذا ما يحسب لها إبداعياً.

وقد تؤدي ظاهرة التوازي- في قصائد العجمي دوراً فنياً مؤثراً من خلال التزام الشاعر بصيغة متواترة أو تراكيب منسجمة تولد نغماً مموسقاً شاعريا كما في قوله:

"هذي بلادي ظلام الجهل يقتلها
أهل الحكومة لاعقلٌ ولا بصرُ
وما استطاعت جيوشُ الغدر تهزمنا
لأننا البرقُ بالغازين ينصهرُ
ونحن قومٌ على آكامنا رُفِعت
بيارقُ النصر يا أبناءنا انتصروا
لا لن يدومَ ظلامٌ بعدما سطعتْ
شمسُ المقاومِ والأبطالُ قد هدروا
هيا اخجلوا ياعبيدَ المالِ ويلكمُ
فثورةُ الشعبِ كالبركانِ تنفجرُ
حالفتم كل أعداء الفدا فشلاً
ولن يعيشَ عدو الأرضِ فاعتبروا
إن العروشَ كما الأوراقُ هاوية
وهبت الريحُ ياظلامنا انتظروا"(12)

إن القارئ هنا يلحظ المتعة الجمالية في هذه الوحدة والانسجام من خلال تواتر النفي الذي جاء محققاَ قيمة موازنة للأبيات لتشي بنفي الظلم وتأكيد أن الغلبة الدائمة ليست للحكام الظالمين وإنما للشعوب المستضعفة،وهنا عمل التوازي عبر المقابلة بين النفي والإثبات دور المفارقة بين الشعوب المستضعفة والحكام الظالمين لإبراز حدة الانفعال والغضب في الأبيات وإعلان احتجاجه صارخا في وجه الظالمين، وهذا يدلنا أن التوازي يتغلغل في صلب الدلالة وبسهم في إنتاجها ،وليس مجرد قوالب متشابهة أو متواترة لاقيمة لها، وإنما يتغلغل في ثنايا القصيدة محققا جمالية خاصة أو بلاغة خاصة ترتبط بجوهر الرؤيا التي تنطوي عليها القصيدة، وهذه الميزة التي جعلت قصائد العجمي غاية في الانفتاح والتماسك والنضج الفني.

وصفوة القول: إن التوازي في قصائد العجمي يهب الجمل الشعرية التماسك والانسجام والموسقة الصوتية التي يرتد أثرها إلى حركة القوافي. ولا يقتصر الأمر على ذلك لدرجة أن التوازي في معظم سياقات قصائده يطال الدلالة ويسهم في إنتاج الرؤيا وتفعيل دورها في النص.

ظاهرة التقديم والتأخير:

لاشك في أن ظاهرة التقديم والتأخير من الظواهر الشعرية التي تغني الجملة الشعرية وتثير بلاغتها، ولهذا اقترنت هذه الظاهرة بالبلاغة ،وهي ظاهرة معروفة منذ القدم في بلاغتنا العربية، و"تهدف ظاهرة التقديم والتأخير إلى تأدية حاجة صوتية وبلاغية في آن معاً، وهذه الحاجة تعبر عن انفعالات الشاعر الوجدانية وما يصحبها من دلالات متناغمة مع السياق الشعري،وما كان لتلك الحالة أن تُلبَّى لو أن الشاعر لم يستعن بظاهرة التقديم والتأخير؛ واكتفى بالترتيب النحوي العرفي. ويسلتزم التقديم تأخيراً بالضرورة؛ فحين يقوم الشاعر بتقديم ما حقه التأخير يكون قد أحدث تغييراً في الموقع يحتاج المتلقي معه إلى استكناه أسباب التقديم ودلالاته،لأن المقدم يحتل مكاناً مرموقاً، فهو أول ما تقع عليه العين،وأول ما تتأثربه؛ ولأنه في غير مكانه الذي تعودنا أن نراه فيه، يحمل المقدم شحنة دلالية هائلة. وفي الوقت نفسه لايمكن النظر إلى ظاهرة التقديم والتأخير على أنها مجرد فصل كلمتين متحدتين نحوياً عن طريق تقديم كلمة وتأخير الأخرى، أو أنها تغير في النظام النحوي النمطي،لأننا غي لغة الشعر نتحدث بمنطق الجمال لا الصواب،وعد الكلام صواباً لايمنحه الجمال أو الشاعرية"(13).
ووفق هذا التصور فإن جمالية الجملة لا تقاس بصوابها أو خطئها ،وإنما بشعريتها وألقها الجمالي، أي بما تستحوذ عليه من بلاغة ولطافة في نقل مغزاها ومقصودها الجمالي للقارئ، وعلى هذا الأساس" يتجاوز الشاعر في إبداعه حاجات اللغة ومنطقها إلى حاجات النفس وروحاتها،ومن خلال تركيب الجمل وترتيبها يرسم الشاعر تجربته الوجدانية التي تشرح دقائق نفسه وتفصيلاتها"(14).

ومن يطلع على قصائد وهيب عجمي يدرك أن التقديم والتأخير قيمة جمالية عالية في تركيبها وبنائها بلاغياً وجمالياً؛ فالشاعر يدرك أن الشعرية في أوج إثارتها ماهي إلا خلق لما هو متغير أسلوبياً وجمالياً، فهو يعي أن قيمة الجملة بما تمثله من رؤى ومؤثرات بلاغية ودلالات مبتكرة، ولهذا نوع في تشكيلات قصائده بما يستثيرها جمالياً، وهذا ما نلحظه في قصيدته الموسومة ب( الخلُّ الوفي)، إذ يقول فيها:

" لكَ الإنسانُ يبسمُ والهضابُ
ويفتحُ في فؤادِ الحبِّ بابُ
لأنكَ في الورى خلٌّ وفيٌّ
خلوقٌ فيكَ يعتزُّ الصِّحابُ
واسمكَ ساكنٌ في كلِّ قلبٍ
مشعٌّ مثلما شعَّ الشهابُ
ففي عينيكَ إنجيلٌ سموحٌ
وفي جنبيك قرآنٌ كتابُ"(15).

بادئ ذي بدء، نشير إلى أن التقديم والتأخير في قصائد وهيب عجمي- يتأسس على وعي جمالي في تقديم ماحقه التقديم، وتأخير ما حقه التأخير، وهو بهذا يدلل على وعيه الجمالي في التشكيل لإبراز شعرية القصيدة؛ ومراعاة العروض والوزن، ومن أجل ذلك احتفت قصائده بأشكال فنية وبلاغية في تقديم ما حقه التقديم وتأخير ما حقه التأخير؛ وهاهنا في الأبيات السابقة نلحظ شعرية التقديم من خلال تقديمه للجار والمجرور (لك) لتخصيص الممدوح بالأهمية، فإليه تتوجه المكارم، والأخلاق الحميدة والتسامح والكرم والوفاء، وفي عينيه إنجيل السماحة، وفي جنبيه قرآن الوفاء والأخلاق الحميدة،وهذا يدلنا على أن للتقديم بلاغته في تعميق الفكرة وتبئير الدلالات، ذلك أن التقديم والتأخير يؤدي وظيفتين إيقاعية لمراعاة الوزن والقافية وتناغم القوافي الداخلية والخارجية، ودلالية تعميق الرؤية وإبراز ناتجها الدلالي وعلى هذا الأساس"فإن طرق ترتيب المفردات ورص الجمل وتواشجها تعد من أهم المصادر الدالة على إيقاع اللغة الشعرية؛ إذ يتجول الشاعر بين مفرداته فيقدم كلمة ويؤخر أخرى ضمن نسق جمالي خاص يفرض على الشاعر نوعاً من الاختيار القهري لتركيب ما يتلاءم مع صميم الموقف الوجداني الذي يعيشه"(16).

ويعد أسلوب التقديم والتأخير من مغريات شعرية وهيب عجمي الشعرية التي تتنوع من قصيدة لأخرى بما يحقق لقصائده الفاعلية والتميز والإيحاء، فالعجمي لا يشكل قصيدته بمنأى عن هذه الظاهرة الجمالية الخلاقة إطلاقاً، فهو يدرك بقرارة أعماقه أن الشعرية الإبداعية الحقيقية "هي شعرية القلقلة والإثارة بالطريقة الإبداعية الخلاقة التي تدفع الشاعر إلى اختيار أسلوب دون آخر، أو طريقة تشكيلية دون أخرى،ولهذا فإن مصادر غنى شعرية العجمي متنوعة بتنوع توجهات شعريته واختلاف مساربها الإبداعية. فعلى سبيل المثال لا الحصر تتجلى ظاهرة التقديم والتأخير في قصيدته" سراب"، وفيها يقدم الشاعر ما حقه التقديم بلاغياً على شاكلة قوله:

"بودي رؤية ِ الأحبابِ دهراً يطولُ وما لآخرهِ حدودُ
لأسعدَ بالحبيبةِ كلَّ عمري
ويسكنُ مهجتي قمري الوحيدُ
فأسقيها وتسقيني شراباً
أجودُ كما على قلبي تجودُ
ولكن كل ما أهوى سرابٌ
وكلي بالذي أهوى شرودُ"(17).

لابد من الإشارة بداية إلى أن التقديم والتأخير في قصائد العتيق- لايأتي اعتباطياً ولا عشوائياً، وإنما يأتي مقوماً جمالياً من مقومات القصيدة، فهو يجري بسلاسة وعمق وفاعلية وإيحاء، لدرجة أن القارئ يدرك انسيابية الجمل وألقها وإيقاعها السلس المنسجم مع توتر الحالة الشعرية وصوتها الانفجاري القارع، فهو من الشعراء المتمردين في صياغة الجملة لتشي بفيوضاتها الشعورية وتواترها المحتدم؛ وهاهنا نلحظ في الأبيات الشعرية السابقة أن الشاعر آخر الفعل (تجود) ليأتي قافية للبيت، ليحقق انسجام الوزن والقافية لتلائم قفلة القصيدة (شرود)، والقارئ الممعن في اللعبة الشعرية المعاصرة يدرك أن الشاعر المبدع بناء أو مهندس تشكيلي يهندس الكلمات لتأتي في موقعها الجمالي المخصص لها وهو ما يهبها الاستثارة والجمال؛ فقارئ قصائد العجمي يدرك أن سر جماليتها سحر البناء وخصوصية الجملة الشعرية فلا نلحظ في قصائده نشوزاً للدلالات وتشويهاً للمعاني وإنما نجد شاعرية منسابة بإيقاع عاطفي غني بالمشاعر والرؤى والأحاسيس المنفتحة على العالم والوجود، وهذا يدلنا على أن لقصائد العجمي نكهتها الجمالية في شكلها البنائي لاسيما في تقديم ما حقه التقديم وتأخير ما حقه التأخير بمنطق جمالي تفرضه الرؤية الشعرية وفن التعبير الجمالي عنها.
وصفوة القول:

إن ظاهرة( التقديم والتأخير) من الظواهر المهمة في إثارة الكثير من الصور والتشكيلات الجمالية في قصائده وللتدليل على ذلك نأخذ الصور التالية:

"ولو نزلت إلى الصحراء أمي
لقامت في صحراء الأرضِ دورُ
وأمطرت السما شهداً ورزقاً
وزهرَ الروضِ.... وانفجر الغديرُ
تمايلتْ السنابلُ مثقلاتٍ
وبالأغصانِ عشعشتِ الطيورُ
صباحٌ مشرقٌ زاهٍ بدفءٍ
وأزهارٍ بها عبقتْ عطورُ
فواحاتٌ تعجُّ بكلِ لونٍ ثغاءاتٌ وقطعانٌ تخورُ"(18).

لابد من الإشارة بداية إلى أن ظاهرة التقديم والتأخير في قصائد وهيب العجمي لاتقتصر على شعرية التركيب فحسب،وإنما ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنواتج الدلالة، وهذا يعني أن القيمة الجمالية لقصائد العجمي تتمحور على كل ما يثيرها جمالياً بمعنى أدق: إن ثمة ارتداداً جمالياً يطال التراكيب الشعرية يقصده العجمي قصداً، سواء بتنوع الرؤى والدلالات عبر التلاعب بالجمل، أم بالتقديم والتأخير والتوليف بين الجمل،وهذا الاشتغال الإبداعي الذي يعتمده العجمي مرده حساسية شعرية وقدرة على تخليق الصورة المؤثرة بفاعلية قصوى من الوعي والإدراك الجمالي.

ولو تأمل القارئ شعرية الأبيات السابقة لأدرك أن ظاهرة التقديم والتأخير من الظواهر المؤثرة في إبراز ناتجها الدلالي الخلاق؛لاسيما في وصف الصفات والمسميات المتعلقة بها،ليأتي التقديم والتأخير مرتكز الصور في إبراز ملامحها ومؤشراتها البليغة، وكأن الشاعر أراد أن يقدم أوصافاً جمة لمشاعره العاطفية المحمومة تجاه أمه، لهذا أراد أن يقدم الموصوفات على الصفات والمضافات على المضافات إليه، لإبراز عمق المشاعر لهذا قدم الجار والمجرزر في الجمل السابقة للتعبير عن حجك عاطفته المستكنة في أعماقه،وتخصص أمه بالكم الهائل من الصفات والمكارم والأخلاق، ومضاعفة مردود الصور إيقاعاً ودلالة ، وهذا يدل على شعرية بناء الأبيات السابقة وانسيابيتها الآسرة وبلاغتها التعبيرية الفريدة.

وصفوة القول: إن تألق الشعرية وتوهجها جمالياً- في قصائد وهيب عجمي لم يأتِ عن عبث وفوضى لاهية في التشكيل ،وإنما جاءت قصائده فاعلة في إثارتها وتموجها الجمالي، فالتقديم لايأتي مجانياً أو شكلياً،وإنما يأتي لغاية بلاغية أو جمالية، وكذلك الأمر في حالة التأخير فإن الشاعر لا يؤخر المتلازمات إلا لحالة بيانية كاشفة عن معنى عميق ودلالة بعيدة الغور والمقصد،وهذا يدلنا على امتلاك الشاعر وهيب العجمي لحساسية جمالية في بناء الجمل وهندسة القصيدة لتحقق مثيرها الفني، وهذا ما يحسب لهذه التقنية في خلق الاستثارة والجمالية في قصائده.

ظاهرة التكرار:

تعد ظاهرة التكرار من الظواهر الأسلوبية المهمة في إثارة الشعرية لاسيما إذا جاء ت هذه التقنية متتابعة في الضغط على صيغة معينة تسهم في تعميق الفكرة وتوكيد الدلالة،والملاحظ أن ظاهرة التكرار" تظهر على مستوى الكلمة والجملة والمقطع الشعري؛ وهي تهدف إلى توكيد الفكرة التي يريد الشاعر تثبيتها في ذهن قارئه لتسجل وقوفاً في خط الزمن الأفقي الممتد. وكذلك تهدف إلى دعم الناحية الإيقاعية عن طريق تقوية الجرس الموسيقي؛لأن التكرار يزيد في إظهار قوة الصوت المراد تثبيته،وهذا كله يشعر المتلقي بالنغم الأساسي في القصيدة"(19).

ووفق هذا التصور، فإن التكرار ليست وسيلة مجانية لإيصال الدلالة،وتعميقها في ذهن المتلقي؛وإنما هو تقنية بارزة تهدف إلى تكثيف الرؤية وتعميق التجربة،وقد تنبني القصيدة في حركتها الشعرية بالارتكاز على كلمة أو عبارة أو جملة ،وتكون رحم الدلالة، بل قد تشكل محرق القصيدة وعنوانها، كما في التكرار الذي نلحظه في قصيدة وهيب عجمي (أعيدوني إلى أمي) المهداة إلى الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وفيها يبدع الشاعر في إبراز المفاصل الحساسة في القصيدة عبر ظاهرة التكرار التي تشكل لازمة شعرية للانتقال من مثير تشكيلي جمالي إلى آخر، كما في قوله:

"أعيدوني إلى أمي
أعيدوني إلى كرمٍٍ بعاطفةٍ
يغطيني
أعيدوني إلى صورٍ معلقةٍ
على خيطانِ آمالي تعزيني
فتغريني
أعيدوني إلى غصني وزيتوني
إلى تيني..
إلى منديلها الفضي ترميه على
جلدي
فيحميني من الأرياحِ من بردٍ
ومن حرٍّ ومما كان يؤذيني
أعيدوني إلى أمي... أعيدوني
أعيدوني لذاكرتي...
لرسمٍ فيه خارطتي
وقنديلٍ له عيني
وأغنيةٍ لحنجرتي
أنا عربي أنا طفلٌ فلسطيني
أعيدوني إلى أمي أعيدوني
أعيدوني لدفتر جدي
المرسوم في فحم الكوانين
لسروالٍ عديم اللونِ
محبوكٍ بدمعٍِ الليلِ
مع آهاتِ تشرين
هناكَ على ضفافِ الحبِّ
تاريخٌ لأكواخِ المساكينِ
تغازلها فتطربها
عصافيرُ الرياحينِ
أعيدوني إلى أمي
أعيدوني"(20).

لابد من الإشارة إلى أن ظاهرة التكرار- في قصائد وهيب عجمي ليست عبثية وليست عبأً عليها، وإنما هي تدخل في بنيتها، لتشكل المحاور المهمة في تشكيلها، فالتكرار قيمة شاعرية في قصائده تدخل في إنتاج الشعرية، بل وفي تكوين الرؤيا الشعرية، وكثيراً ما يؤكد الشاعر ذاته أن التكرار إذا جاء سلساً منسجماً مع إيقاع القصيدة وتيارها الروحي فإنه لامحالة يرقى بالقصيدة لفظاً ودلالة، وهذا ما لا حظناه في قصيدته السابقة (أعيدوني إلى أمي)، إذ إن الشاعر يكرر الجملة الشعرية( أعيدوني إلى أمي) لتشكل شريان القصيدة وقلبها النابض،وقد جاء تكرارها اللزومي باعثاً لتدفق الصور والأحاسيس المتدفقة إزاء صديقه الراحل محمود درويش، فأتى التكرار محركاً للصور، وكاشفاً عن استراتيجيتها الدلالية، ومعناها العميق، كما في قوله:"

هناكَ على ضفافِ الحبِّ
تاريخٌ لأكواخِ المساكينِ
تغازلها فتطربها
عصافيرُ الرياحينِ
أعيدوني إلى أمي

أعيدوني". فالتكرار هنا، شكل محرق الدلالة، وصيرورتها الإيحائية؛ إذ إن الشاعر عمق الدلالات، وحرك الدهشة الجمالية في القصيدة وعمق من نغمتها الصوتية فزاد جرس القصيدة حنواً وإيقاعاً انسيابياً جذاباً،استمر من بداية القصيدة إلى نهايتها ليمنحها الإيقاع والموسقة والانسجام ،وهذا ما يلحظه القارئ بقوة في نهاية القصيدة:

"أعيدوني إلى نبعٍ يشهقُ القهرَ
فوَّاراً على عطشٍ يرويني
ويسكبُ من عيون الجرح آلاماً
بآلامي يواسيني
أعيدوني إلى فجرٍ
تجسَّدَ في مقاومةٍ
تُزيحُ ظلامَ الليلِ عن عيني
وتمسحُ عار أزمانٍ لمأساتي
وتأخذُ من حنينِ القلبِ شلالاً
إلى وطني تدفق من شراييني
وتغرسني فأزهرُ في بساتيني
فتحييني
وترفعُ في سماء القدسِ رايةَ
نصرنا الآتي
وتنشدُ مع جدود المجد أغنيتي
فلسطيني أنا، إني فلسطيني
أعيدوني إلى أمي أعيدوني"(21).

إنه لمن الأهمية بمكان القول: إن وهيب عجمي شاعر حقيقي يوظف معظم التقنيات في قصائده بأسلوب جمالي، فهو لايكرر نفسه في قصائده كعادة الكثير من الشعراء حتى في تكراراته النصية لبعض التراكيب تجد أن تكراره جاء لغاية جمالية أو بلاغية تتطلبها القصيدة، وهاهنا كرر الشاعر (فلسطيني أنا .. إني فلسطيني) لغاية بيانية وهي تأكيد انتمائه وولائه لمواقف الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش القومية والوجودية، التي جعلت منه الشاعر الفلسطيني المقاوم،فالعجمي –شأنه شأن محمود درويش -أعلن في الكثير من قصائده انتماءه لوطنه لبنان في الكم الغفير من قصائده،ولهذا جاء تعبيره بلاغياً في هذه القصيدة، ووظف التكرار كقيمة جمالية في تأكيد مواقف الشاعر محمود درويش البطولية التي جعلته مميزاً على الساحة العربية بهذا النهج المقاوم الذي سار على هديه شاعرنا المتألق وهيب عجمي.

وقد يأتي التكرار في قصائد وهيب عجمي مموسقاً لغاية تجنيسية تزيد إيقاع القصيدة نغماً وموسقة وحركة انسيابية إيحائية نشطة تعضد شعرية القصيدة وتزيدها انسيابية وشاعرية، كما في قصيدة ( حقول الروح) التي يقول فيها:

"شبابيكي أغادرها إلى بستانِ
أحلامي..
أراكِ على مدى الألوانِ
أمكنتي وأزمنتي
فأرسمها بأقلامي
تبادلني معانيها
أبادلها مغانيها
فيفصحُ في ثنايا الغصنِ
برعمُهُ
وتطردُ من حقولِ الروحِ
آلامي.."(22)

لابد من الإشارة إلى أن تقنية التكرار من التقنيات المهمة في تحفيز الدلالة، وإبراز ملمحها الجمالي لاسيما عندما يأتي لتقوية الإيقاع والدلالة والموسقة المنسجمة مع حركة القوافي،على شاكلة قوله( أحلامي- أقلامي- آلامي)، من خلال الجناس الملائم لحركة القوافي وتناغمها: (معانيها= مغانيها) ناهيك عن تكرار ضمير المتكلم( الياء) الذي أعطى نغماً متتابعاً في قوله: [ أمكنتي= أزمنتي= أقلامي= آلامي)،وهذا منح القصيدة انسيابية آسرة تنسجم ووقع الحالة الشعورية، ونبضها الداخلي العميق.

وقد يأتي التكرار في قصائد وهيب عجمي مؤثراً فنياً في توجيه الدلالات والارتقاء بها، أي يأتي التكرار موجها للدلالة،ومنظما لبلاغتها، ومغزاها العميق، كما في قوله:

"احتسي كأس الصبا من عاشقٍ
عتق الحب بأقداحِ السنين
احتسي كأسي وغني فرحتي
وارفعيني من جنون لجنون

أنتِ أشجاري وأثمارُ الهنا
وأنا الغريدُ ما بينَ الغصونْ
أنتِ أحلامي وآمالُ الرجا
أنتِ كنزٌ كل ما فيك ثمين
أنتِ إبداعٌ روحيٌّ منَّزلٌ
أنتِ أرضٌ وسماءٌ وهتونْ
أنتِ حبٌّ أزليٌّ خالدٌ
وجمالٌ لايضاهيهِ قرين
قلتُ للسمارِ أشدو سحراً
أنتِ أم الفن عندي والجنين
فإذا اجتاحت فؤادي غصةٌ
انظريني بحنانٍ ياعيون"(23).

إن القارئ هنا يلحظ أن التكرار يؤدي دوراً فنيا في تعميق الرؤية الغزلية،وعندما يكرر الشاعر الضمير (أنت) فهو يعزز الدلالة والفكرة الشعرية محققاً قيمة جمالية عالية، لاسيما عندما يأتي التكرار مشحوناً بالعاطفة والإحساس، وهذا ما أدى إلى خلق جمالية في المعنى والدلالة لإبراز ألقها الجمالي.

وصفوة القول: إن التكرار – في قصائد العتيق- يخدم الرؤيا والدلالة والإيقاع،ويسهم في خلق الموسقة الجمالية قي قصائده لترقى مستويات من الدهشة والاستثارة والجمال؛ فهو ليس عبثياً أو وصفياً وإنما هو من جوهر خصوبة المعنى وغنى الدلالات؛ وهو ما يحسب لقصائده إبداعياً

التضاد:

تعد ظاهرة (التضاد) من الظواهر الأسلوبية الفاعلة في تعميق الفكرة بنقيضها، وهي تقنية جمالية، تثير المعنى،وتؤكد الدلالة، وهذا يعني" أن التضاد يحمل خصائص معنوية وإيقاعية معاً، فهو مكون من أمرين متناقضين يجسدان حالة الصراع والتناقض في نفس الشاعر، وكشف الائتلاف في الاختلاف، يضم النقيض إلى نقيضه فتتحقق الوحدة التي تقوي الانفعالات، وتثير الدهشة وعدم التوقع، وفي الوقت نفسه تجمع بين عناصر غير مترابطة في ذهن القارئ العادي، وهكذا فإن جمالية الصورة القائمة على الطباق تظهر من خلال التنظيم والتناسب بين العناصر المتباعدة لتأليف شكل إبداعي متكامل. ومن هنا، فإن إيقاع الطباق لايتم من خلال المقارنة بين طرفين متباعدين فحسب، وإنما في تقديم هذين الطرفين في وحدة تامة ليظهرا في لقطة شعرية متميزة"(24).

ومن يطلع على قصائد وهيب عجمي يدرك أن اللعبة الشعرية في قصائده ترتكز على الجمع بين المتضادات لتعميق الرؤية وتحقيق ألقها الجمالي؛ فالعجمي لايتكلف في الجمع بين المتضادات بتقصد وتكلف ضاغط، وإنما تجري المتضادات سلسة في قصائده وكأنها منسابة بأريحية فنية وبلاغية عالية، إذ تجري في نسقها الشعري متوائمة والإيقاع الداخلي للقصيدة، فهو يختار النسق الشعري المتفاعل مع الموقف الشعري وحالة البث الرومانسي الشفيف لمشاعره وأحاسيسه الوجدية، كما في قوله:

"علميني كيف أهوى علمين
فأنا في الحبِّ طفلُ الأربعين
وتلاقينا حبيبين فما
غبت عن قلبي و لا نام الحنين
كلما سافرت في عينيك عدت
من الهجران في ليل الأنين
كم توغلت بأنحائي وكم
غرق الولهان في دنيا الأنين
أقرأ الحسن بوجهٍ مقمر
فهم الألغاز في السر الدفين
يا إلهي كيف أسعى في الكرى
لحبيبٍ في دمي عاش وطين
طائر العشقِ أعدني لعشيق
هدني ما بين شك ويقين
أنت أفراحي وأتراحي معا
لك شأني مثلما شئت يكون"(25).

لابد من الإشارة بداية إلى أن التضاد من مؤثرات الشعرية، ومؤثراً بالغ الأهمية في استثارة قصائد وهيب عجمي جمالياً، ذلك أن التضاد يؤدي دوراً مهماً في بلاغة الجملة، لاسيما عندما يجري تبعاص لمتطلبات الصورة وإيقاعها الجمالي، فالشاعر في قوله:

طائر العشقِ أعدني لعشيق
هدني ما بين شك ويقين

إن القارئ هنا يتحسس اللذة الجمالية بالمقابلة بين (الشك) و (اليقين)،وهذه المقابلة عضدت من شعرية الصورة الغزلية، ثم جاء البيت الآخر بانسيابيته ليعضد شعرية المقابلة في البيت السابق لتكون ناتجاً مهماً من نواتج تفعيل الرؤية الغزلية كما في قوله:

"أنت أفراحي وأتراحي معا
لك شأني مثلما شئت يكون"

إن التناسب الجمالي في حركة المتقابلات (أفراحي) و (أتراحي) حركت الشعرية ورسمت معالم الدهشة الجمالية في الصورة الشعرية، لتكون مشيئة الشاعر رهن مشيئة الحبيبة، وهي من مآثر الرؤية الغزلية الوجدية التي عضدت شعرية المقابلة وأوحت بشعريتها وتناسبها جماليا في موقعها النصي.

وقد يتجاوز التضاد اللفظة أو الاسم في قصائد وهيب العجمي لينطلق إلى الجملة، ويكون بليغاً لاسيما في القصائد الغزلية التي تأتي شعرية في صورها ودلالاتها، وهذا ما نلحظه على سبيل المثال في قصيدة: (الصدفة والكيف)لوهيب عجمي وفيها يقول:

"منذ متى عبرت صدفتنا
هذا الليل لتعبر بي
ماسحةً نتفَ الضوءِ
بمنديل العتمة عن وجهي
وأنا أبكي فرحي
وأضاحك حزني في آن..!!
منذ متى كان الصوت
على شفة النسيان
هو الصمتُ...؟
وكان الهجرُ"(26).

بادئ ذي بدء، نشير إلى أن التضاد – في قصائد وهيب عجمي – يغني الحركة الجمالية، ويزيدها استثارة وفاعلية، وهذا يعني أن شعرية التضاد شعرية جمالية تستقي معالم جماليتها من النسق الجمالي الذي تتموضع فيه ذلك أن التضاد هنا يدخل في صلب الدلالة/بل في تكوين الصورة لتبدو أكثر إشراقاً وخصوبة وحيوية كما في قوله:

(منذ متى عبرت صدفتنا
هذا الليل لتعبر بي
ماسحةً نتفَ الضوءِ

بمنديل العتمة عن وجهي) إن القارئ يدهش من شعرية التضاد الذي جعله الشاعر مكوناً من مكونات الصورة، بل في إنتاج الدلالة الرومانسية الغزلية الشفيفة، ثم اتبعها بالصور المكثفة التالية:[وأنا أبكي فرحي وأضاحك حزني في آن..!!]؛ وكأن الشاعر يعيش في حالة من النشوة والسكر الروحي بين نشوة الأمل ونشوة الفرح في تغيير ظلمة الأحزان من خلال فعل (المضاحكة) لتغيير ظلمة الواقع وتحطيم أبعاده، وصنع الفرح، والأمل، ثم اتبعها بحركة ضدية جمالية في هذا التساؤل المفتوح الذي يقوم على الحركة الضدية،كما في قوله:[ منذ متى كان الصوت على شفة النسيان/هو الصمتُ...؟

وكان الهجرُ]؛ فالقارئ هنا يدرك هذا الإحساس التساؤلي العميق، وكأن الشاعر يرمي كل شيء أمامه ويبني رؤيته من جديد، باعثاً مؤثراتها الخلاقة. وهذا يعني أن التضاد قيمة جمالية في خلق شعرية القصيدة لاسيما عندما تدخل في بناء الصورة وتكون جزءاً من شعريتها.

واللافت أن الشاعر وهيب عجمي يباغت القارئ بالتضاد الجمالي لأنه يأتي سلساً انسيابياً عفو الخاطر،لا يأتي عن لغو أو عبث لفظي تشكيلي،كما في قوله:

لايسعدُ الحبَّ إلا أن تجافيه كالعيد بعد الجفا يحلو تلاقيه
ياسعد يومي إذا ما راح يرهقني
بما يحصل من فيض الجنى فيه
يطيب قمح إذا ما صار يقلبه
خبّازه فوق نيران تناغيه
خبزُ الحياةِ بعيدَ العجن تلهبه
أفران جوعي فيغوى في تعافيه
كم ضاق صدرُ وريقات بكرمتنا
في فصلها عندما طارت لواديه"(27).

لاشك في أن التضاد قيمة جمالية – في قصائد وهيب عجمي لأنه يدخل في تركيبها ، بل يدخل في إنتاج الرؤيا الخلاقة، وهذا يدلنا على حنكة الشاعر الجمالية في تلوين الدلالات، والرؤى بما يخلق مثيرها الجمالي،كما في قوله:

"لايسعدُ الحبَّ إلا أن تجافيه كالعيد بعد الجفا يحلو تلاقيه

إن اللذة الجمالية نلحظها في شعرية التشكيل اللغوي القائم على التضاد بين (الجفا) والتلاقي،أي إن ثمة رغبة جامعة في الانقطاع ليصطهج الحب بالتلاقي بعد غياب،وهذه الرؤيا أججت شعرية الأبيات المتتابعة ورفعت أسهمها جماليا.

وثمة إثارة جمالية مثيرة نلحظها في قصائد وهيب عجمي في دمج المتضادات في بنية الصورة وتشكيلها الإبداعي، كما في قوله:

"ياحياتي إن قلبي في الجوى يتلظى بخلايا العشقِ جمرا
داؤُكَ المرُّ دوائي للشفا ودواءُ الغيرِ قد صار مضرا
في مراياكِ ابتهالٌ سارحٌ يفضحُ الغيبَ لدى رؤياي جهرا
فأرى الله على عرش السما يتجلى فيك إبداعاً وسحراً
ليست الأحلامُ إلا مركباً لخيالٍ عاشٍ في الولهانِ ذكرى"(28).

لابد من التنويه إلى أن التضاد –في قصائد العجمي- يذوب في ثنايا القصيدة، محققاً فاعلية جمالية في الصورة والسياق الذي تدخل في تركيبه،وهاهنا جاءت المقابلة بين(الداء ) و(الدواء) فاعلة في تعميق إثارة الصورة،وتأكيد المعنى البلاغي الشاعري ،كما في قوله: (الغيب- رؤياي)،ثم أثارنا الشاعر بقوله:

" ليست الأحلامُ إلا مركباً لخيالٍ عاشٍ في الولهانِ ذكرى"

ولعل ما يلحظه القارئ هذه المتعة بين( الأحلام/ الذكرى) في تأكيد قوة الرؤية، وتعزيز مردودها الإيحائي.

وصفوة القول: إن تقنية التضاد من التقنيات المؤثرة التي تغني الشعرية، وترفع أسهمها جماليا في قصائد العجمي، ذلك أن التضاد قيمة لا بأس بها في تشعير الدلالات، وتعميق الرؤى الشعرية في قصائده، وكأن الجلالة تتطلب هذه التقنية في الكثير من المواضع النصية.

تقنية المناورة التشكيلية:

لاشك في أن المناورة التشكيلية من مثيرات الشعرية التي تخلق المتعة النصية في القصائد الحداثية، ونقصد ب (المناورة التشكيلية) قدرة الشاعر الإبداعية على التلاعب بالنسق الشعري، بما يحقق المتعة والإثارة الجمالية، عن طريق النسق اللغوي المبتكر، والحساسية اللغوية المرهفة التي ترفع وتيرة الشعري بهذه المناورة التشكيلية المفاجئة أو تلك، وهذا يعني أن شعرية المناورة التشكيلية تتوقف على مهارة الشاعر وحنكته الجمالية التي ترفع من حساسية الشعرية التي تحقق المتعة والإثارة الجمالية.

ومن يطلع على قصائد وهيب عجمي لاسيما ديوانه الموسوم ب (فتاة الضوء) يدرك فنية المناورات التشكيلية في قصائده، من حيث التكثيف والإيحاء والشاعرية والقيمة الجمالية كما في قصيدة(مرآة الخيال)، إذ يقول فيها:

"أبعدتِ عن عينيَّ غاباتِ الأرقْ
فوثبتُ فوق حرائقي نسراً
أفتِّشُ عنكِ ، عن مجدي الكبيرْ
لغتي التي خبَّأتها طفلاً
بذاكرة السريرْ
فتشتُ عن قلبي
ونبضي في بلادي
عن ملاذي،عن عصافيرٍ
بأجنحتي تطير
فوجدتُ ريشَ الصبحِ
محترقاً بألسنة اللهبْ
ورأيتُ غصنَ الفجرِ
منحنياً بوردتهِ على شباكه
فينتشر الشذا شعراً
ويشتعلُ القصب"(29).

لابد من الإشارة إلى أن المناورة التشكيلية – في قصائد وهيب عجمي- تتعلق بالفنية الجمالية للقصائد لإبراز ملمحها الجمالي الخلاق،كما في المناورات التالية:(ريش الصبح- ذاكرة السرير- ألسنة اللهب- يشتعل القصب)، وهذا يعني أن نقطة تمحرق الرؤيا الشعرية ترتكز على مثيرات المناورة التشكيلية البليغة التي تبرز كملامح ومؤشرات بليغة تثير الصورة كما في قوله:[يشتعل القصب] التي تأتي شاعرية في إثارة النسق وتحفيز الدلالات،وإبراز ملمحها المؤثر.

وقد تأتي المناورات التشكيلية- في قصائد وهيب عجمي- شاعرية في إبراز ناتجها الفني ،كما في قوله:

"قلتُ اشتعل يا قلبُ إنك مغرمٌ
والحبُّ دوماً يلهبُ السمارا
يامن أضاءت عتمتي أقمارها
هيا لنجتاحَ الدنى أنوارا
يامن تخبئ ثروتي أستارُها
قومي نمزِّقُ في الهوى الأستارا
لايكبرُ العشاقُ مهما يكبروا
فالحبُّ يبقى للشبابِ شعارا
حبٌّ على كبرٍ كنقشِ حجارةٍ
هبِّي لننقش في المدى الأحجارَ
يامن على عرشِ الفؤاد تربعت
هلاَّ نكملُ في الهوى" المشوارِ)؟"(30).

لابد من الملاحظة أن المناورة التشكيلة في قصائد وهيب العجمي مناورة شعرية تتلاعب بالنسق الشعري الغزلي بما يحقق بلاغة الاستثارة والتأثير،فأغلب مناوراته تأتي سلسة منسجمة في السياق الشعري لا تنافر ولا نشوز، أي ثمة بلاغة في الرؤيا والموقف الشعري والقيمة التي يحققها الشاعر، لذلك فإن دهشة المناورات تأتي منسجمة متلائمة مع الموقف الشعري،وهاهنا جاءت المناورات التشكيلية التالية:[ قومي نمزق في الهوى الأستارا- هبي لننقش في المدى الأحجار] شاعرية في توتير المشهد الغزلي وإكسابه الدهشة والحيوية والعمق.

ومن المناورات التشكيلية في قصائد وهيب عجمي ماتنسجم مع السياق العاطفي،لاسيما في القصائد الغزلية ،كما في قصيدة(قمر المدائن)،وفيها يقول:

"قمر المدائن من جبينك طالعٌ
عيناك دنيا اعشوشبت وجنان
سحر الأنوثة في بهائك مترفٌ
متفرد تحني له التيجان
في ثغرك الكرزي أصغر برعم
للورد إذ تحلو به الألحانُ
بي من عيونك طعنة فتاكة
وقوام قدك سارق فتان
فبداية الحب الكبير دعابة
كأس الهوى يُروى به الظمآن
ونهاية العشاق بركان طغى
تشوى على نيرانه الأبدان"(31).

لابد من التأكيد أن المناورات التشكيلية- في قصائد وهيب عجمي- تتنوع بأساليبها الأسلوبية محققة قيمة عظمى من الفاعلية، والتكثيف ،والإيحاء. وهذا يدلنا على شعرية فائقة في خلق المناورة المؤثرة،وهنا نلحظ في الأبيات السابقة شعرية المناورة التي تعتمد بلاغة الرؤيا وعمق الحس الشاعري المؤثر،كما في قوله:

"قمر المدائن من جبينك طالعٌ
عيناك دنيا اعشوشبت وجنان
سحر الأنوثة في بهائك مترفٌ
متفرد تحني له التيجان"

فالمناورات التشكيلية في قصائد وهيب عجمي متناغمة مع الموقف الوجداني والغزلي الذي تبثه قصائده، ذلك ما يدركه المطلع على قصائده في بوحها الغزلي الشفيف وغناها بالتقنيات المؤثرة، وهذا ما يضمن شعريتها وألقها الجمالي.

وصفوة القول: إن المناورات التشكيلية – في قصائد وهيب عجمي- لاتتوقف على السياقات العاطفية، وإنما تمتد لتشمل تجربته الشعرية كقيمة أسلوبية جمالية تعزز شعرية الجملة،وترفع من خصوبتها وقيمتها جمالياً، فالمناورة البليغة هي التي تأتي مؤثرة في نسقها الشعري الملائم لها تماماً أي تقتضيه رؤية القصيدة محققة أعلى جماليات استثارتها وبلاغتها الخلاقة.
ظاهرة التناوب الشعري بين (الإنشاء والإخبار) و (النفي / والإثبات)، و(الفصل / والوصل):

تعد ظاهرة التناوب بين الصيغ بالانتقال من صيغة إلى أخرى،ومن أسلوب إلى آخر، من مثيرات الشعرية المعاصرة التي تباغت القارئ، وتستجر موحيات القصيدة ومؤثراتها البليغة،و" يتجلي إيقاع الإخبار والإنشاء من خلال ظهورهما معاً في نص شعري واحد، فيكون الانتقال من الإنشاء إلى الإخبار أو بالعكس ذا أثر قوي في رسم مسارات النص الإيقاعية؛ إذ يعد التناوب الإنشائي أو الخبري قناة للإبلاغ والدلالة على مافي النفس. وهذه الدلالة إما أن تراد لذاتها، فيكون الإخبار، أو أن تراد لشيء آخر يوجد في المخاطب فيكون الإنشاء؛ وهاهنا يحقق الانتقال من الإنشاء إلى الإخبار أو بالعكس إيقاعاً يتماوج في حركة تتناغم مع السياق الشعري والموقف الشعوري."(32).

ومن يطلع على قصائد الشاعر وهيب عجمي يدرك أن إيقاع التناوب بين الصيغ بالانتقال من صيغة إلى أخرى، ومن أسلوب إلى آخر من مثيراتها الفنية، ففي قصيدة( غرق البحر) نلحظ إيقاع التناوب بالانتقال من الإنشاء إلى الإخبار أو العكس من مؤثراتها الشعرية الخلاقة، كما في قوله:

"بك مشغولٌ فأشعاري التي
بسمت فيها شفاهُ الزنبق
قد تداعى حولها النحلُ لما
قد جناهُ من أريجِ العبقِ
يافتاةَ الضوءِ مالي لا أرى
غير عينيكِ بوجهٍ مشرقِ
مرَّ بي مليونَ أنثى لم أجد
لكِ أختاً أو شبيهاً صدّقي
فتعلقتُ بأعلى نجمةٍ
كوكباً سرتُ إليها أرتقي
ذوَّبَ القلبُ اشتعالي بالهوى
وأنا ما ذبتُ لو لم تُحرقي
كلُّ حبٍّ يا حياتي باردٌ
هو حبٌ كاذبٌ في منطقي
زورقي الجن ببحرِ هائجٍ
وجميعُ الجن يخشى زورقي
وركبتِ البحرَ إذْ طرتِ به
غرقَ البحرُ ولما تغرقي"(33).

لابد من الإشارة بداية إلى أن التناوب بين الإنشاء والإخبار- في قصائد وهيب عجمي- يشي بجمالية إيقاعية ،تتحرك الرؤى والدلالات في قصائده بانسيابية جمالية وتنغيم إيقاعي مموسق ينعكس على الجمل والمفردات ومؤثراتها الشعرية، ذلك أن الأسلوب الإنشائي يتميز بروح حوارية ترتفع معه النغمة الصوتية المعبرة عن النشاط الانفعالي والنفسي"(34).

وهاهنا يبدأ الشاعر قصيدته بالأسلوب الخبري مستهلاً إياها بالإخبار عبر الصيغ الخبرية ،معبراً عن انشغاله بها،وولعه بجمالها ،ثم انتقل بأسلوب فجائي إلى صيغة الإنشاء من خلال النداء الذي ابتعث إيقاعاً ونغماً عاطفياً جديداً تملك روح الشاعر وأحاسيسه كافة كما في قوله:(يافتاةَ الضوءِ مالي لا أرى غير عينيكِ بوجهٍ مشرقِ)،وهنا عبر الشاعر بأسلوب الإنشاء عن حرصه الشديد على مناداة الحبيبة بأوصاف جمالية تمهد لانتقاله التعبيري الشائق عن حبه وأوصافه وتطلعاته لها،فجاء انتقاله إلى أسلوب الإخبار بعد الإنشاء بمثابة قلقلة رؤيوية تحرك العواطف الجياشة في النفس للتأمل والاستغراق بأوصاف الحبيبة، ومدها التجاذبي،كما في قوله:

"مرَّ بي مليونَ أنثى لم أجد
لكِ أختاً أو شبيهاً صدّقي
فتعلقتُ بأعلى نجمةٍ
كوكباً سرتُ إليها أرتقي
ذوَّبَ القلبُ اشتعالي بالهوى
وأنا ما ذبتُ لو لم تُحرقي"

إن الأسلوب الخبري هنا جاء جياشاً بالمشاعر بين أخذ ورد،ووصف وإخبار،وكأن ثمة إيقاعاً شعرياً نفسياً متأججاً بأعماق أعماقه لم يجد وسيلة لبثه إلا بالتناوب بين الصيغ بالانتقال من الإنشاء إلى الإخبار،ومن الإخبار إلى الإنشاء لخلق موسقة شعورية داخلية انعكست على الصيغ الشعرية بانتقالها من صيغة الإخبار إلى الإنشاء ومن الإنشاء إلى الإخبار لإثارة الشعرية وخلق مؤثرها الجمالي البليغ، ومن هنا بدت الجمل الشعرية بليغة في وقعها من خلال التناوب من الإخبار إلى الإنشاء،لتعبر تعبيرياً جمالياً محكماً عن المعنى الشعري المراد تجسيده وإبرازه كقيمة جمالية تعضد الرؤية وتستثير الدلالة.

وهكذا، تمكن الشاعر من خلال الانتقال من الإنشاء إلى الإخبار؛ وبالعكس من إحداث نوع من التناغم بين الدلالة الصوتية والدلالة المعنوية؛ إذ سجلت الجمل الإنشائية ارتفاعاً في حدة الصوت انعكس على وتيرة الإيقاع في مقابل انخفاض في الصوت ناجم عن استخدام الجمل الخبرية،وما بين ارتفاع صوت الإنشاء وانخفاض صوت الإخبار الممتد على وتيرة واحدة تتشكل حركة النص الإيقاعية المتساوقة مع الموقف الوجداني المراد إيصاله"(35).

ويعد التناوب ذا شعرية بالغة الاستثارة والتأثير، كما في التناوب الجمالي الحاصل في قصيدة (بكاء الورد) التي جاء التناوب فيها بين صيغتي النفي والإثبات، لتحقيق اللذة الجمالية بالانتقال من حالة التفي إلى الإثبات، أو من الإثبات إلى النفي، وهذا له أثره البليغ في الاستثارة والتأثير،كما في قوله:

"بكى صباحُ القرى فالأفقُ مُسوَّدُ
وأحرقَ القلبَ في نيرانه الفقدُ
بكتْ عيونُ السما أعلى كواكبها
والأرضُ تبكي وعطرُ الزهرِ والشهدُ
والغيمُ فوق جبينِ الزهرِ مشتعلٌ
إعصارهُ التيه مجنونٌ ومربدُ
شتاؤهُ لهبٌ والجمرُ أضلعُهُ
فؤاده البرقُ كم دوى به رعدُ
ويخطفُ الدهرُ من أرواحنا مهجاً
تنأى فيلحقنا قهراً بها البعدُ
ماكان مهدٌ تناغى في طفولته
إلا بكاهُ على أنغامه لحدُ
وما لنا غير أن نجثو على ألم
له على الجرح في أعراسنا مدُّ
أشجاره لطيور الحب عاشقةٌ
لها تغني جماعاتٌ وتنشدُ
ما إن تغادرها حتى تعود إليها
فيأنس الطيرُ والأنسامُ والرندُ
أنتَ إليها وكأسُ الشوقِ يدفعها
نادت حبيباً فلا سمعٌ ولا ردُّ
بكت طيورُ الوفا أغصان كرمتها وأحرقت ريشها حتى بكى الورد"(36).

لابد من الإشارة بداية إلى أن التناوب بين الصيغ في قصائد وهيب العجمي، سواء أكان بالانتقال من الإنشاء إلى الإخبار،أم من الإخبار إلى الإنشاء، أم من النفي إلى الإثبات أم من الإثبات إلى النفي، يأتي غالباً لتحقيق قيمة جمالية يظهرها الشاعر بقوة في الكثير من سياقات قصائده الغزلية أم المدحية، أم السياسية، التي تتطلب تنوعاً في الصيغ والرؤى والقيم وتلوناً في المشاعر والمؤثرات الوجودية.

وهاهنا يلحظ القارئ تلوناً في الإيقاع من خلال الانتقال من النفي إلى الإثبات كما في قوله:
" ماكان مهدٌ تناغى في طفولته
إلا بكاهُ على أنغامه لحدُ
وما لنا غير أن نجثو على ألم
له على الجرح في أعراسنا مدُّ"

إن قارئ هذين السطرين يلحظ تلوناً في الدلالات والرؤى المدحية للممدوح، ويلحظ وقع النفي ليأتي الإثبات الذي يليه بليغاً في الرؤية عميقاً في إصابة الدلالات،كما في قوله:

" أشجاره لطيور الحب عاشقةٌ
لها تغني جماعاتٌ وتنشدُ
ما إن تغادرها حتى تعود إليها
فيأنس الطيرُ والأنسامُ والرندُ
أنتَ إليها وكأسُ الشوقِ يدفعها
نادت حبيباً فلا سمعٌ ولا ردُّ
بكت طيورُ الوفا أغصان كرمتها
وأحرقت ريشها حتى بكى الورد

إن القارئ هنا من خلال التناوب بين النفي والإثبات يشعر بإيقاع تشكيلي يعضد صفات الممدوح الإيجابية وينفي عنه الصفات السلبية، واللافت هنا أن الشاعر استجمع كل قواه المدحية لإبراز مآثر الممدوح العظيمة وصفاته الجليلة،والأثر الذي خلفه في النفوس بعد رحيله.
وهذا يدلنا أن لتقنية التناوب بين الصيغ قيمتها في شعرية وهيب عجمي التي تتنوع من صيغة لأخرى، ومن معنى إلى آخر،ومن مؤثر وجودي فني إلى مؤثر آخر أكثر عمقا ودلالة وإثارة.وهذا يدلنا" أن التشكيل الأدائي- بالتناوب بين الصيغ وتلوينها- أشبه بانبثاقات ضوئية قد تتخالف شعاعاتها،وتتعدد لمعاتها غير أن في امتداد فضائها وانفساح أفقها تخلق جدلية وجدانية،وهي – بالتناوب بين الصيغ- أشبه بسمفونية تتعدد نغماتها،ولكنها تتوحد من خلال التعدد،وتتجمع من بين التفرق، لتصبح الكل في واحد."(37).

وثمة شكل من أشكال التناوب – في قصائد وهيب عجمي- تظهر جلية في شعرية قصائده تتمثل في التناوب بين (الفصل/ والوصل)، وتعد هذه الظاهرة من متطلبات السياق الشعري عند وهيب العجمي،وهي ظاهرة " تكشف عن الأسرار البلاغية للغة الشعرية من خلال مقدرتها على إيصال المعنى بصورة واضحة وأسلوب شائق ورشيق؛ وهاهنا يولد الإيقاع المتناغم مع دلالات النص الشعري وإيحاءاته من خلال أسلوب الفصل والفصل معاً"(38).كما في قوله في قصيدة(ربيع نوال)، التي يناوب فيها بين الفصل والوصل لإثبات شعريتها، كما في قوله:

"جنى الأيامِ قهرٌ لادلالُ
وتلك هي الحقيقةُ لا الخيالُ
فأينَ ممالكٌ قد حلَّ فيها
جبابرةٌ بها صالوا وجالوا؟
وكانوا يحسبونَ القوم نعلاً
هم الإنسانُ غيرهمُ النعالُ"(39).

لابد من التنويه بداية إلى أن التناوب بين تقنية الفصل والوصل في قصائد وهيب عجمي تقوي الدلالة ،وتجعل الشاعر يجذب المتلقي إلى المعاني الخلاقة المؤثرة، فهاهنا جاء الوصل المتتابع بحركة العطف كاشفاً عمق المشاعر وكثافة الرؤى البليغة، كما في الوصل التالي:

فلا باقٍ بهذي الأرضِ حيٌّ
ولا السهل استراح ولا الجبالُ
وما بقي الضياءُ على جبينٍ
وللحسناء ماصدقَ الجمالُ
وما للأغنياء يظلُّ ملكٌ
فلا الجاهُ استمرَّ ولا الرجالُ

إن الوصل المتتابع بحركة العطف أدى دوراً في رصد مشاعره المتراكمة فجاءت الأبيات شعلة بالدلالة والرؤيا وبلاغة المؤثرات الجمالية.

وهذا يعني أن التناوب بين الصيغ من المؤثرات الشعرية البليغة التي ترفع أسهم قصائد العجمي جمالياً.

الحيازة الجمالية:

ونقصد ب (الحيازة الجمالية): التشكيلات اللغوية الفاعلة التي تحقق الاستثارة والجمال؛ ذلك أن التشكيلات اللغوية المؤثرة هي التي تستثير القارئ، وتحفز الشعرية؛ وهذا يعني أن شعرية الحيازة الجمالية للأنساق اللغوية المبتكرة تجعل القارئ يتفاعل مع النسق الشعري جالياً
ومن يطلع على قصائد وهيب عجمي يدرك أن شعريتها تتأسس على مرجعية جمالية في التشكيل اللغوي المؤثر،كما في قوله:

"تعالي نسِّقي زهراتِ شعرٍٍ
عيونُ الشعرِ تعشقها الزهورُ
نقلتُ إلى السطورِ نداءَ أنثى
فرقَّ فؤادها تلك السطورُ
قفيرُ الشعر والأطيابُ فيها
الطلاوةُ والطهارةُ والعطورُ
وأغنيتِ الكتابَ بنبعِ وجدٍ
فأمطرتِ العواطفُ والشعورُ
بهِ صورٌ تجلتْ في بيانٍ
رفيعٍ لايدانيه غرورُ
وسبكٌ فيه إيجازٌ ظريف
تمرد واصفاً فغدا يثورُ
كتابٌ فيه نبضٌ من حنينٍ
وأغنيةٌ ترددها الدهورُ"(40).

بادئ ذي بدء، نشير إلى أن الحيازة الجمالية – في قصائد وهيب عجمي- تتأسس على التشكيلات اللغوية البليغة التي تحفز الصورة، وتزيد إيقاعها الجمالي المؤثر، فثمة بلاغة في الصور تتأكد في شعرية التشكيلات المراوغة التي تحتفي بقيمة جمالية عالية، كما في التشكيلات اللغوية التالية: (عيون الشعر- قفير الشعر- أمطرت العواطف والشعور- عيون المها تعشقها الزهور)، وهذا يؤثر في تعميق الرؤيا، ويحقق مرجعيتها الجمالية.

وثمة جمالية نلحظها في الصور المتتابعة التالية كما في قول العجمي في هذه الأبيات التالية:

"كتابٌ فيه نبضٌ من حنينٍ
وأغنيةٌ ترددها الدهورُ
فموسيقاه أعذبُ من خريرٍ
إلى الوديانِ يبعثهُ الغديرُ
على أغصانِ قافيةٍ هديلٌ
وموجُ عبارةٍ فيها هديرُ
هزاراتٌ تزقرقُ في ربيعٍ
على إيقاعها رقصت بدورُ
وسمفونيةٌ حفلتْ بلحنٍ
كما حفلتْ بروضتها الطيورُ"(41)

إن الدهشة الجمالية في بداعة الصور السابقة ترتكز على التشكيلات البليغة التي تحفز النسق الشعري، وترفع سويتها الجمالية، كما في قوله:[ ترددها الدهورُ- يبعثه الغدير- هزاراتٌ تزقزق في ربيع- حفلت بروضتها الطيور]؛ واللافت أن الشاعر حقق بلاغة في الرؤية من خلال جمالية الصورة، الأمر الذي أدى إلى تحفيز الصورة وتناميها جمالياً.

وثمة حيازة جمالية تحفزها قصائده ترتكز على حيز الرؤية،مما يؤدي إلى تفعيل النص، كما في قوله:

"وكيف أعيشُ بعدك ياحبيبي
وحبك كان لي مائي وزادي؟!!
ففي قلبِ التراب سكنت ليلاً
وأنتَ النورُ في عينِ الودادِ
بعينيك البراءةُ بحرُ صيفٍ
سماءٌ يرتوي منها فؤادي
تشدُّ الناسَ حباً واشتياقاً
وفي عينيك طفلٌ لايعادي
بيوتُ المجد ترفعها رجالٌ
أغابوا أم أقاموا في البلاد
تركت الأرض في وطني ولكن
عمرت بيوتها بالاجتهاد"( 42).

لابد من الإشارة إلى أن الحيازة الجمالية التي ترتكز عليها قصائد وهيب عجمي تتمحرق على حيز الرؤيا ومرجعية الدلالة، ممايؤدي إلى تفعيل الدلالات ،وتخليق الرؤية،كما في قوله:

"بعينيك البراءةُ بحرُ صيفٍ
سماءٌ يرتوي منها فؤادي"

فالقارئ يدرك هنا بلاغة الأنساق التشكيلية التي ترتقي بالحدث والموقف الشعري، وكأن الشاعر يرفع وتيرة الصور المدحية بقوة الوعي الجمالي في التشكيل، والحركة التصويرية البليغة.

وصفوة القول: إن شعرية الحيازة الجمالية- في قصائد وهيب عجمي- تتمركز على عمق الرؤيا وبلاغة الموقف،وحساسية الجملة الشعرية المؤثرة التي تثير الصورة، وتحقق بلاغة الرؤيا،وهذا مايحقق شعرية النسق.

8- المرجعية الجمالية:

لاشك في أن لكل تجربة إبداعية مؤثرة مرجعية جمالية فنية تتأتى من أساليب الشاعر الإبداعية في التشكيل، وهذه المرجعية تختلف من تجربة إلى أخرى، تبعاً لمهارة الشاعر وخبرته الإبداعية، ومنطقه في إثارة الرؤى والدلالات،وإنتاج التقنيات البليغة التي تميز تجربته الإبداعية عما سواها، وهذه المرجعية ترتكز بالدرجة الأولى على اللغة، ذلك"أن اللغة أولاً ضربٌ من الموسيقا،وما توجده من آثار جميلة إنما يرجع إلى تركيبها، وإلى كونها تخلع شكلاً غير متوقع على التجربة حينما تتبلور في صور جديدة"(43).

وهذا يعني أن المرجعية الجمالية – بالأساس – مرجعية لغوية تتحدد في شكل اللغة ومحفزاتها،و"لا نعني باللغة الشاعرة ما يوصف أحياناً باللغة الشعرية،فإن الكلمة قد تكون شعرية صالحة للنظم في موقعها من السمع،ولكنها لاتكون مع ذلك جارية مجرى الشعر في نشأتها ووزنها واشتقاقها. بل تكون كأنها الطعام الذي يصلح لتركيب البنية،ولكنه هو في ذاته ليس بالبنية الحية. وليس باللحم والدم الذي يتركب منه أجسام الأحياء"(44).

وهذا يدل أن اللغة الشعرية ليست شعرية إلا بتنظيمها وموسقتها للنسق الشعري، ومن هنا" فإن لغة الشعر تنشأ بين الشاعر وبقية المدركات التي تكون عالمه الشعري ذلك أن اللغة الموجودة خارج الشعر تكون في حالة فوضى لايعثر فيها الإنسان على نفسه،ولكنها حين تدخل في إطار الشعر يصنفها الشاعر وينظمها مخلصاً إياها من الفوضى، ليحقق وجوده من خلال التعبير الفعال لآلية وجودها في العملية الإبداعية"(45).

والمرجعية الجمالية – في قصائد العجمي – متنوعة، منها ما هي مرجعية صوتية –موسيقية،ومنها ما هي مرجعية مشهدية،ومنها ماهي مرجعية شعورية،ومنها ماهي مرجعية تشكيلية،وسندرس تلك المرجعيات بخصوصية وإتقان، على النحو التالي:

المرجعية المشهدية:

لاشك في أن المرجعية المشهدية من المرجعيات المؤثرة في إبراز شعرية الشعر لاسيما إذا كانت المرجعية المشهدية مرجعية تصويرية في إبراز دينامية المشاهد المتحركة ونقلها للقارئ بعدسة مونتاجية أقرب ما تكون إلى حركة المشاهد واللقطات في الكاميرا والسينما ، إذ يقوم الشاعر بتكثيف اللقطات وإبراز حراكها الجمالي،لاسيما عندما يحيط الشاعر بكامل اللقطات القريبة والبعيدة،يقول الشاعر وهيب عجمي" المشهدية في قصائدي بيئية ترصد جزئيات المكان الواقعي والمتخيل بإدراك معرفي توحي به المشاهد والرؤى التي أستشعرها بكل ما يحيط بي من حولي"(46).

ومن يطلع على قصائد وهيب عجمي بعمق يدرك أن الحركة المشهدية من مغرياتها النصية التي تباغت القارئ بالمشاهد المتحركة البليغة،على نحو ما نلحظه في قصيدة(أميرة العشق) إذ يقول فيها:

"طلَّتْ على الأفلاكِ أجملُ نجمةٍ
في وجهها شمسُ الضحى تتوارى
مرَّتْ على خدِّ الضياءِ أميرةٌ
للعاشقينَ حسبتها عشتارا
أحسستُ قلبي في السما متطايراً
فرَّ الفؤادُ من الضلوعِ وطارا
وتجندلَ الأسدُ الهصورُ بمقلةٍ
وهوى صريعاً ما استطاع فرارا
زحفتْ عيونُ المعجبين قوافلاً
نحو التي خطفت لها الأبصارا
يامن أضاءت عتمتي أقمارها
هيا لنجتاح الدنى أنوارا
لايكبرُ العشاقُ مهما يكبروا
فالحب يبقى للشباب شعارا
حبٌّ على كبرٍ كنقش حجارةٍ
هبي لننقش في المدى الأحجارا
يامن على عرش الفؤاد تربعت
هلا نكمّل في الهوى المشوارا"(47)

لابد من الإشارة إلى أن المرجعية المشهدية – في قصائد وهيب عجمي – تتأسس على حراك المشاهد المتحولة التي ترصد الرؤى المباغتة التي تحرك المشهد الشعري، وترصد مدلولاته بقوة، وهاهنا يباغتنا الشاعر وهيب عجمي بصوره المشهدية المتتابعة التي ترصد المشاهد المقترنة بالحبيبة وما يحيط بها من لقطات ومشاهد مشتقة من الطبيعة، كما في الصور التالية: (خد الضياء- عيون المعجبين-في وجهها شمس الضحى تتوارى)، وهذه المرجعية الجمالية في تكثيف المشاهد المتحولة تضفي على النسق الشعري جمالية خاصة،نلحظها في معظم قصائد الغزلية التي يطغى فيها الوصف والمشاهد التشكيلية المقترنة بالطبيعة، كما في قوله:

"كلما أبحرتُ في عينيك شعرا
خلت أني في الهوى أصغر عمرا
ياحياتي، إن قلبي في الجوى
يتلظى في خلايا العشق جمرا
هتفَ الجرحُ صريحاً وشكا
لعيون الصيف لايكتم سرا

لاتقولي "كم نغالي في الهوى" كل جرحٍ بالذي عاناهُ أدرى

فاقطفيني وخذيني حبة
وازرعيني في رياض الحب بدرا
وامطريني بحنان وانثري
ضوءكِ الوهاج فوق الروض نثرا
فغدا يورقُ غصنانا معاً
في ربيعِ الحب أشواقاً وبشرا
نقطفُ الأثمار عنقوداً حلا
من كرومٍ زادها الإنضاجُ قطرا
طهريني... حبك الطهرُ لنا
وبغير الحب لانعرفُ طهرا!"(48).

بادئ ذي نشير إلى أن المرجعية المشهدية من مثيرات قصائد وهيب عجمي الشعرية التي تتلون مشاهده الشعرية تبعاً للرؤى الغزلية التي تبثها بالانتقال من مشهد شعري إلى آخر، وهذا يعني غنى قصائده بالمثيرات المشهدية التي تصف الحبيبة بحساسية جمالية ومرجعية جمالية خلاقة، فقصائده تتلون في مشاهدها كما في الانتقال بين المشاهد التالي:[ازرعيني في رياض الحب-امطريني بحنان-كلما أبحرت في عينيك شعرا- نقطف الأثمار عنقودا حلا-انثري ضوءك الوهاج فوق الروض نثرا]، وهكذا يؤسس الشاعر مرجعيته المشهدية على حراك الصور وبلاغتها وتصويرها المرهف للموقف والحالة الغزلية التي تفوح بالوجد والإحساس الجمالي.
وصفوة القول: إن المرجعية المشهدية – من مثيرات التشكيلات البليغة في قصائد وهيب عجمي التي تستثير الحدث والرؤيا الشعرية؛ ذلك أن المرجعية المشهدية تعد من بنية اللغة الشعرية في تكوين قصائده من مغرياتها الجمالية وحساسيتها النصية العالية
مرجعية عاطفية شعورية:

ونقصد ب (المرجعية الشعورية): الكم الانفعالي من المشاعر في تشكيل الصور وإثارة متغيرها الجمالي.

وتعد المرجعية الشعورية الجياشة من مثيرات قصائد وهيب عجمي التي تتلون دلالاتها ومغرياتها الجمالية، فهو من أبرز الشعراء الأفذاذ الذين ينوعون في رؤيتهم الشعرية لخلق مؤشرها النصي البليغ،ووفق هذا التصور، فإن الحراك الجمالي الذي تشكله قصائد وهيب عجمي يتأسس على مرجعية خلاقة غاية في الفاعلية والاستثارة والتأثير، كما في هذه الصور الجياشة، التي تباغت القارئ،في قوله:

علمتني الحبَّ حتى سالَ في نسغي
روحاً لأنسجتي فيضاً بما سُكِب
أمي أغنيك من قلبٍ يفوحُ شذًى
مثل الربيعِ الذي غناكِ فاختصبا
هزي سريري، أنا ما زلت في صغري
وقد هززتِ بجذع النخلةِ الرُّطبا
يا بلسمَ القلبِ، ما للجرحِ من ألمٍ
إلا إذا كان جرحي عنك مغتربا
ما أروع الشعر هيماناً بمبدعةٍ
باعت أساورها كي تشتري الكتبا
فكي إساري،وضمي لوعتي،وخذي
قلبي الذي من ضنى الأيام ما نضبا
استمطري الغيثَ،واهمي دمعةً وندى
وبللي من هشيم العمر ما جدبا
هاتي يديك على الوجهينِ ألثمها
كلُّ انتماءٍ لغير الأم قد كذبا"(49).

لابد من الإشارة إلى أن المرجعية الشعورية- في قصائد وهيب عجمي- تتمحرق على إثارة الصور الشعرية بحساسية جمالية ورؤية معرفية عالية المستوى والفاعلية والتركيز،وهاهنا بدت المشاعر طاغية على تشكيل الصور؛ وهذا ما أكسبها الفاعلية والإيحاء، كما في قوله:

"يا بلسمَ القلبِ، ما للجرحِ من ألمٍ
إلا إذا كان جرحي عنك مغتربا
ما أروع الشعر هيماناً بمبدعةٍ
باعت أساورها كي تشتري الكتبا
فكي إساري،وضمي لوعتي،وخذي
قلبي الذي من ضنى الأيام ما نضبا
استمطري الغيثَ،واهمي دمعةً وندى
وبللي من هشيم العمر ما جدبا
هاتي يديك على الوجهينِ ألثمها
كلُّ انتماءٍ لغير الأم قد كذبا"

واللافت أن الشاعر خلق بمرجعيته العاطفية الصادقة قيمة جمالية في التشكيل انعكس على بنية الصور العاطفية إزاء أمه، فتقاطرت الصور بحساسية جمالية وعاطفة مشبوبة بالتقدير والود والاحترام.

وهذا يدلنا على أن المرجعية الشعورية – في قصائد العجمي- تنطوي على بعد معرفي وحساسية جمالية عالية ترتكز عليها قصائده لتبدو غاية في الفاعلية والصدق والحميمية في تشكيل الصور البليغة المؤثرة في مجرى الرؤية والتشكيل.

ج) مرجعية تشكيلية:

ونقصد ب (المرجعية التشكيلية): مرجعية الشاعر الجمالية في التشكيل، تشكيل الجملة لتبدو ذات إثارة وبلاغة فنية في التشكيل وخلق المتغيرات الفنية، التي تباغت القارئ بحيثيات جمالية خ0لاقة في هذا الشكل اللغوي أو ذاك.

وتعد المرجعية الجمالية – في قصائد وهيب عجمي- مرجعية تشكيلية لأنها تتأسس على القلقة النسقية والإزاحة التشكيلية البليغة التي تخلق المتعة النصية في أنساقه الوصفية والغزلية، فالعجمي يدرك أن الفن الشعري الخلاق هو الذي يثير الحدث والرؤيا الشعرية، وهذا ما صرح به قائلاً:" المرجعية التشكيلية جزء مهم من شعريتي، فهي ترتكز على مداركي ومعارفي الجمالية،ولهذا تتنوع مثيرات هذه المرجعية، في قصائدي من قصيدة لأخرى"(50).
ومن يطلع على قصائد وهيب عجمي يدرك أن شعريتها ذات قيمة بليغة في خلق الاستثارة والتأثير، كما في قوله:

"بعيدك اليوم أقلام الوفا نظمت
أرقى القصيد بكم ياسيد الأمم
البحرُ كفك دفاقُ لطالبه
وهامُكَ النسرُ فوقَ الريح والقممُ
بالصدقِ أنتِ سجلُّ الكونِ.. تكتبهُ
وأزركَ الحرُ خفاقٌ به علمي
معلمي،قممُ الأجدادِ ما شمختْ
إلا بمثلكَ... أهلُ العلمِ والقيم
أنت الرسولُ لهذا الخلق ترشده
بما حملت من الإبداع والشمم
وما أظلمتْ دولٌ فيها معلمها
يمحو الظلامَ عن العينين بالقلمِ
لولاكَ ما حلقت في شعرها لغتي
ما تذوق كأسَ الناجحين فمي
أبقى كفيفاً وسجنُ الجهل يأسرني
لدربها أبدا لاتهتدي قدمي
معلمي تحضن الفصحى تعانقها
وتلبس الشطر ألماساً من الكلم
كتابُ مجدك عينُ الدهر تحفظه
هو الغني بروح الحب والحكم
فأنت شمسٌ بنور الحرف ساطعة
لتملأ الأرض بالخيرات والنعم
يطولُ ليلكَ والعينانِ في سهرٍ يغفو
الأنامُ وعينُ النجم لم تنم"(51).

لابد من الإشارة إلى أن المرجعية التشكيلية – في قصائد وهيب عجمي- تتأسس على ما يغني تجربته من الصور والتشكيلات البليغة، فالعجمي يملك شعرية فائقة في توليف الأفكار والرؤى المدحية وإكسابها خصوصية إبداعية،مميزة؛ وهاهنا يصف الشاعر معلمه بإحساس إبداعي خلاق، تزداد الشعرية بإيقاعين: وصفي بليغ ومركز، كما في قوله:[ كتابُ مجدك عينُ الدهر تحفظه / فأنت شمسٌ بنور الحرف ساطعة/ يمحو الظلامَ عن العينين بالقلمِ]؛ وإيقاعي مموسق بالقوافي والتشكيلات البليغة التي تبدو في القوافي التالية:[ يمحو الظلامَ عن العينين بالقلمِ/ ما تذوق كأسَ الناجحين فمي/ وتلبس الشطر ألماساً من الكلم]،واللافت جمالياً أن المرجعية الجمالية في قصائد وهيب عجمي متنوعة في مغرياتها ومؤثراتها الفنية، وهذا ما يجعل الشاعر وهيب عجمي من الشعراء المميزين في تشكيلاته اللغوية الخلاقة.
وثمة مواضع في قصائد وهيب عجمي- تشي بمقصديته الجمالية الغزلية ومرجعيته البليغة،كما في قوله:

"مليكة الروح ياشمسي ويا قمري
ويا احتراقي بليلِ الشوقِ في سهري
سموتُ فيكِ مقاماً يا معلمتي
فن الحياة وقد جددت لي عمري
آتٍ إلى روضك المعطاء أحرسهُ
آتٍ لأشهد عرس الطيرِ في الشجر
آتٍ أعيدُ صلاةً كان مطلعها
باسم الطفولة والأحلام في صغري
آت إليك وموجُ البعد يدفعني
بعد انتصار فيا عين الدنى انتصري
كأنك الروحُ حلت في خمائلنا
كما يحل حليبُ الغيمِ في الثمرِ"(52)

لابد من الملاحظة أن قارئ هذه الأسطر الشعرية يدرك الشعرية والحس الجمالي العالي الذي يملكه وهيب عجمي في تشكيل الصورة،والرقي بها إبداعياً ، فهو من الشعراء المهمين الذين ينوعون بالقيمة الجمالية لصورهم الشعرية لتفيض بالخصوبة والإيحاء؛وهاهنا ارتقى الشاعر مرتبة من الإثارة والفاعلية في خلق الأنساق البليغة والصور البديعة، كما في قوله:

آتٍ أعيدُ صلاةً كان مطلعها
باسم الطفولة والأحلام في صغري

آت إليك وموجُ البعد يدفعني بعد انتصار فيا عين الدنى انتصري"

إن القارئ هنا يدرك فنية الجملة الشعرية ومصدر إثارتها من خلال بلاغة الرؤيا الوصفية لمعلمته التي جسدت جميع القيم الجمالية في الرقة واللطف والجمال؛ فالشاعر هنا جسد الكثير من القيم الجمالية في أوصافه محققاً بلاغة في الإحساس وارتقاء جمالياً في الرؤيا.

المقصدية الجمالية:

ونقصد ب (المقصدية الجمالية): مقصدية الشاعر في تشكيل قصيدته في تخليق الرؤية البليغة وإثارتها جمالياً، وهذا يعني أن المقصدية الإبداعية مقصدية خلاقة تهدف إبراز الناتج الجمالي وتحقيق مؤشره البليغ.

وتعد المقصدية الجمالية نقطة مهمة في تشعير القصيدة وتفعيل الرؤية الشعرية، لاسيما عندما يمعن الشاعر في التشكيلات الإبداعية،محققاً عنصر إثارتها جمالياً، كما في قول وهيب عجمي في قصيدة (معبد العشاق):

" أنت عيدٌ طائرٌ فيه الحمام
أنت للعشاقِ عينٌ لاتنام
وسماءٌ في مداها أشعلت
بمصابيحَ يغذيها الغرام
وفضاءٌ خلق الله له
وجه أنثى فارتقى فيك المقام
قبلك الأعيادُ كانت مسرحاً
لنواحٍ غصَّ فيه الازدحام
قبلك الأعياد كانت دمية
في ضريحٍ عندما يدفن عامْ
دبت الفوضى بأنحائي وكم
أكره القلبَ على الحزنِ الظلامْ

مات عصفورٌ بعشقٍ مثلما
قتل العشاقُ في الهجرِ الهيامْ
غايتي حتفاً بهم أن أقتدي
فإذا مت فإني لا ألام!!
بزاوجٍ كل حب ينتهي
ظالمٌ للحبِ هذا الاختتام"(53).

لابد من الإشارة إلى أن المقصدية الجمالية هي التي تحقق بلاغة الرؤية الشعرية ،وهذا ما يمنح الشعرية بلاغتها، وفي منظورنا إلى أن الوعي الجمالي في التشكيل يحقق للقصيدة درجة من الاستثارة والجمالية، فالشاعر وهيب العجمي يحقق شعرية القصيدة، وهذا ما أضفى على قصائده بلاغة في الرؤية.

وتعد المقصدية الجمالية في قصائد وهيب عجمي شاعرية في صخبها وإحساسها الجمالي فالقصيدة لديه تتنوع مقصدياتها تبعاً لإحساسه الشعري ومنظوراته المتغيرة، أي إن ثمة تكاملاً جمالياً- في قصائد وهيب عجمي ينبع عن مقصديات عدة، يثيرها في نصوصه الشعرية ،منها ما يلي:

مقصدية لغوية:

ونقصد ب (المقصدية اللغوية): المغزى أو الهدف الجمالي الذي يرومه الشاعرمن اختيار شكل لغوي من الأشكال اللغوية في أنساقه الشعرية المشكلة للقصيدة، أي كمية الوعي الجمالي في اختيار نسق من الأنساق، أو صورة من الصور،ولهذا تعد المقصدية اللغوية مهمة في التشكيل النصي المبدع،لاسيما إذا كان الشاعر مدرك لهذه القيمة في قصائده، كما في إدراك الشاعر وهيب عجمي لهذه المقصدية بقوله:" المقصدية اللغوية في قصائدي ماثلة في صوري وتراكيبي الشعرية التي تأتي عفوية منظمة بإيقاع روحي قبل أن يكون إيقاعاً شكلياً"(54)
ونخلص من هذا القول إلى أن اهتمام الشاعر وهيب عجمي باللغة يعود إلى مقصدية الشاعر اللغوية في إبراز نواتج الدلالة وتفعيل مؤثراتها الخلاقة، فهو يباغت القارئ بالأنساق اللغوية المبتكرة وإزاحتها الفنية البليغة، كما في قوله:

رهيفة الطرفِ فيك القولُ يُختصرُ هنَّأتُ
قلبي بكنزٍ فيكِ يُدَّخرُ
إذا القوافي تجلت في محاسنها
وغردَ الطيرُ انساً وانتشى البشرُ
هفت لطيفك والأشواق تدفعها
كي يستفيق على أنفاسكِ الوترُ
هل خانني الطرفُ في الحسناء أم شهدت
أم المدارك مافي الغيب يستترُ
إني رأيتُ وكان النورُ يبهرني
في ليلة الحبِّ شمساً زفها القمرُ
طلت على فلك الديجور باسمةً
فصفق الصبحُ للحسون والشجر
غنى الحمامُ على غصن الهوى طربا
حتى تراقص في أفراحه الحجر"(55).

بادئ ذي بدء نشير إلى أن المقصدية اللغوية – في قصائد وهيب عجمي- من أولياته الشعرية، التي تجعل القارئ يسبح في خضم بحر هائج من الدلالات والرؤى المفتوحة،ذلك أن وهيب عجمي يغري القارئ بالأنساق المبتكرة التي تجعل من صوره الشعرية ذات فاعلية عالية في الاستثارة والتأثير، وهذا ما نلحظه في قوله:

"رهيفة الطرفِ فيك القولُ يُختصرُ
هنَّأتُ قلبي بكنزٍ فيكِ يُدَّخرُ
إذا القوافي تجلت في محاسنها
وغردَ الطيرُ انساً وانتشى البشرُ"

إن المتعة واللذة الجمالية بدت منذ البداية من خلال النسق الشعري السابق ، إذ تلونت الرؤى والدلالات، بهذا التشكيل اللغوي الآسر(رهيفة الطرف- إذا القوافي تجلت في محاسنها) فهذا الأسلوب الجمالي في تحريك الأنساق البليغة يرفع سوية الشعرية،ويزيدها خصوبة ودهشة وإثارة جمالية، ذلك أن المقصدية التشكيلية البليغة ترفع سوية النسق الشعري لاسيما إذا كان الشاعر مدركا للقيم الجمالية التي تحفز الشعرية وترفع سويتها الإبداعية.

والمقصدية اللغوية تتنوع – في قصائد وهيب عجمي-، تبعاً للمتحولات النصية،ومثيراتها الجمالية التي تطال الصور والاستعارات والرموز ،كما في قوله:

"سهرت على كتفي تُسامرني
وما عرفتْ جفونُ قصيدتي نوما
إذْ ارتجل الكلامُ فؤادُهُ
حطت عصافيرٌ بأيديها
على صدري البري
تستأصلُ الأشواك من ضلعي الطري
لاشيء يشبهها سوى نور
تجلى في سماء الحسن إكيلا
لتاجٍ من شهادات العصور
كانت معي وشواطئي قلمٌ
وحبرٌ في البحور
أمواجها ترغي وتزبدُ
في لقاء العاشقين
وحمامةٌ بيضاء تغسلُ ريشها صبحاً
بلؤلؤة الضياء
كانت معي...!!
كانت تعيش بمهجتي
وطن الحنينْ...
قبلت مرآة الحياة بوجهها
وأخذت في يدها
إلى تعب المخاض
فولادة اللحظات من رحم الزمان
ستظل وسواساً بذاكرة السنين"(56).

لابد لنا من الإشارة إلى أن المقصدية التشكيلية- في قصائد وهيب عجمي- ترتكز على إثارة الصور البليغة التي تحرك الشعرية،وترفع درجة تأثيرها،فالصور مهما تنوعت واختلفت في قصائده فإنها ترتكز على مقصدية فنية جمالية يتوخاها الشاعر في تفعيل النسق الشعري جمالياً؛ولو دققنا في النص الشعري السابق لتبين لنا أن فاعلية الصور ترتكز على حساسية الشر الجمالية ومقصديته اللغوية في خلق النسق الشعري المؤثر على اختلاف قيمه ومؤثراته جماليا.وهاهنا استطاع الشاعر أن يباغتنا في هذا النسق الشعري الملتهب بالصور الجمالية الحساسة كما في قوله:

"كانت معي وشواطئي قلمٌ
وحبرٌ في البحور
أمواجها ترغي وتزبدُ
في لقاء العاشقين
وحمامةٌ بيضاء تغسلُ ريشها صبحاً
بلؤلؤة الضياء".

هنا نلحظ بداعة الصور من خلال الارتكاز على مقصدية لغوية بليغة يرومها الشاعر لتصل ذروة في الاستثارة والتأثير،وهذا يدلنا على أن للنص الشعري بلاغته في تجربة الشاعر وهيب عجمي، فهو ينوع في مثيرات جمله، تبعاً لحساسيته الجمالية ومقصديته اللغوية، التي تحفز النص وترفع سويته الجمالية.

مقصدية فنية:

ونقصد ب (المقصدية الفنية):مقصدية الشاعر الإبداعية في اختيار نسق لغوي دون آخر،وشكل أسلوبي دون سواه، فالمقصدية الفنية هي مقصدية الشاعر الحاذق الذي يختار الأنساق البليغة لاستثارة النسق الشعري،وتحقيق مثيره الفني العميق، ذلك أن المقصدية الفنية وراء كل نسق شعري يغرف بالشاعرية، وغنى الشعرية من غنى صور الشعرية ولمعانها وتتعدد مؤثراتها الفنية،وهذا يدلنا أن المقصدية الفنية هي الأس الجمالي الذي ترومه مقصدية الشاعر الإبداعية، ذلك أن الشعر- في أدائه الفني يتقصى اللمحة الشاردة ويهدهدها،وينفث فيها روحاً تتقمص كينونتها لتتخلق منها الصور الفنية. وهذه الصور تتكئ في مكوناتها على الكلمات نفسها، فتتحول الألفاظ من مدلولها الإشاري في جسدها المادي- تتحول- بواسطة الشعر- إلى تفجير الطاقات الكامنة في اللفظ فتصعق مدلوله القاموسي الجامد،ويتحول إلى شحنة تتحول في إطار التجربة إلى نغم، أوتاره حروف ذات نسق خاص تتأزر بما سبقها،وتتآلف بما لحقها مشدودة إلى وتر السياق العام."(57).

وتعد المقصدية الفنية – في قصائد وهيب عجمي- مؤثرة في الكشف عن المفاصل الجمالية الحساسة في قصائده، فقصائده تنبني على حساسية جمالية رفيعة ومرجعية بليغة تزيد حساسية الصورة والموقف البليغ الذي اقتضته وجسدته في هذا الشكل الأسلوبي أو ذاك،على نحو مانلحظه في قوله:

" ملأتك الحبَّ حتى صرتِ مملكةً
عظيمة الشأنِ لاتخشى من القدرِ
أسرجتُ خيلَ عباراتي لفاتنةِ
وصرتُ أمرحُ في ميدانك الغجري
فدق قلبي ابتهاجَ الحرفِ مقتبساً
منك المعاني التي ازدانت بها صوري
طارتْ إليكِ وكحلُ الريف حدثها عنك الكثير
فما بلغت في الخبر
ففاحت النكهةُ الشقراءُ سارية
تفري الضلوع كفري النسمِ للزهر
حتى أذا ملأت مرأة ذاكرتي
سمعت صوتاً يناديني على الأثر
شوارعُ القلبِ يا محبوب أمنة
فاعبر إلي طليقاً لا على حذر"(58).

بادئ ذي بدء، نقول: إن المقصدية الفنية – في قصائد وهيب عجمي- تعتمد الحنكة الجمالية في التشكيل، أي تعتمد على إثارة الدهشة الجمالية في الأنساق التي تخلقها، أي على مغريات الحدث والموقف الشعري، فكما أن لكل نص درجة من الاستثارة والفاعلية تتمثل في شكل من الأشكال، أو صورة من الصور فإن لقصائد العجمي رؤيتها وطاقاتها الإبداعية الخلاقة، فهو ينوع في الصور والدلالات، لإبراز ملمحها الجمالي، فالشاعر وهيب عجمي في قصيدته السابقة أمتعنا بمقصديته الفنية البليغة:(أسرجت خيل عباراتي لفاتنة- مرآة ذاكرتي- ابتهاج الحرف- النكهة الشقراء- كحل الريف)، إن المدقق في حيثيات هذه التشكيلات يدرك مقصديتها الفنية البليغة،ومراميها العميقة، وإثارتها الغزلية في إصابة مرمى الرؤيا الشعرية بجوانبها مجتمعة.

وثمة قدرة فائقة نلمسها في قصائد وهيب عجمي هي القدرة على المراوغة والانتقال من نسق جمالي إلى آخر، من خلال بلاغة المقصدية الفنية في موقعها الملائم لها تماماً، فالتشكيلات الفنية لا تأتي عن عبث أو فوضى تشكيلية في قصائده،وإنما تأتي عن وعي ودراية وإدراك معرفي رؤيوي شامل.ومثالنا على ذلك قوله:

"دعي سفنَ الهوى تجتازُ بحري
لتكتشف عالم العشاقِ" صورُ"
فما هدأتْ وما غوتِ المراسي
لجُنَّ الحب في صوري ظهورُ
بكفيه يداعبُ خصرَ شطٍّ
ويضربُ في المياة فتستديرُ
ويحفرُ في عناد الصخر وجها
لذاكرة فتحفظها الصخورُ
فيأتيني اليراعُ البكرُ حيناً
أسطرها فتنشدها السطورُ
وبعدك لاسماءٌ لاشموسٌ
قبورٌ نحنُ ترعبها القبورُ
وطيفكِ لايفارقني وإني
بما أهديك من شعري فخورُ
تعالي نملأُ الأمواج عشقاً
نجذرُ حيثُ تشتبكُ الجذورُ
لناركِ في حنايانا لهيبٌ
وما انطفأت فبركاني يثورُ
أنا ما زلتُ أهواكِ اشتعالاً
إلى أن يبرد النجمُ الكبيرُ
أسجلُ فوق نهديكِ اشتهائي
لتقرأه الثواني والشهورُ"(59).

لاشك في أن التشكيلات اللغوية الخلاقة هي التي ترفع الأسهم الشعرية في قصائد وهيب عجمي،لأن وهيب عجمي ينوع في قصائده بناء على مقصدية فنية بليغة تلهب النسق الشعري،وترتقي به جماليا؛وهاهنا في النسق الشعري السابق نلمس تنوعا في التشكيلات اللغوية تبعا لمقصديتها الإبداعية الخلاقة،كما في قوله:[ أسجلُ فوق نهديكِ اشتهائي لتقرأه الثواني والشهورُ]،وهكذا فإن المقصدية الفنية هي التي تلهب النسق الشعري وتبرزه كقيمة جمالية مؤثرة.

وصفوة القول: إن غنى قصائد العجمي بالمؤثرات الجمالية حقق لها الفاعلية والاستثارة والغنى،وهذا يعني أن لقصائده حقولها الجمالية وشعريتها المؤثرة.

ونخلص من دراستنا للمستوى التركيبي في قصائد وهيب العجمي إلى النتائج التالية:

إن شعرية الجملة- في قصائد وهيب عجمي- تتأكد من بلاغة صياغتها وتناغمها في النسق الذي يتضمنها، فلا يجد القارئ تنافراً في قصائده على مستوى الأبيات ونشوزاً على مستوى المقاطع بل على العكس من ذلك تجدها لحمة متماسكة ،متناغمة في الدلالة والمعنى.

إن بلاغة الرؤيا الشعرية – في قصائد وهيب عجمي- تزداد في النسق الشعري الذي يتضمنها ،وهذا يعني تضافر الجمل في إيقاعها الصوتي والدلالي، ولهذا تحتفي قصائده بغناها بالتقنيات البليغة كالتوازي والتضاد والتكرار؛ والمناورة التشكيلية التي ترفع سوية الأنساق وإثارتها جماليا.
إن قيمة التقنية الشعرية – في قصائد وهيب عجمي- تتحدد من فاعلية ما تبثه من الرؤى والدلالات المحركة للشعرية على مستوى تناغم الجمل وموسقتها وإيقاعها الداخلي والخارجي؛ وهذا يؤكد شعريتها وتناغمها جمالياً مع الموقف الشعري المجسد.

إن الحراك الجمالي-على مستوى التقنيات وتضافرها في قصائد وهيب عجمي تتأسس على بلاغة الرؤيا وشعرية الجملة، وهذا يدلنا على أنه ثمة وعي تشكيلي في إبراز الدلالة ،وتحريضها لترقى أعلى المستويات.

إن المشهدية التصويرية – في قصائد وهيب عجمي- تتمفصل على الرؤى الشعرية التي تباغت القارئ بحيزها الجمالي المراوغ.

إن ثمة سلطة تطغى على قصائد وهيب عجمي هي سلطة الجمال والإحساس المشهدي في تصوير الأشياء والمشاهد بعدسة مونتاجية ترتقي بالمشاهد الوصفية لاسيما في السياقات العاطفية.

إن بلاغة التخطيط الجمالي- في قصائد وهيب عجمي- تتأسس على مثيرات البنية الشعرية من صورة ورمز ودلالة ومرجعية جمالية خلاقة.وهذا يعني أن شعرية العجمي شعرية جمالية تتأسس على الوعي والحس الجمالي العالي في تشكيل الأنساق الشعرية.

وصفوة القول: إن شعرية العجمي تتأسس على مختلف التقنيات البليغة من صور وتشكيلات لغوية متوازنة وموسقة تجنيسية خلاقة، ترفع سوية القصيدة بإيقاعها الخلاق ورؤيتها الفعالة،ونمطها التشكيلي البليغ وحساسيتها النادرة،وقوافيها المنسجمة في نسقها الشعري الملائم لها تماماُ. صحيح قد تأخذ الشاعر المناسباتية أحيانا فيكرر بعض الصور،ويبالغ في وصف المشاعر لكن هذا لايقلل من شعريته وألقها الجمالي الخلاق.فهو يبدع في الصور المشهدية التي ترسم المشهد بعدسة جمالية لاسيما في وصفه الطبيعية وغزلياته المدهشة.
الحواشي:

(1)ترمانيني، خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص95.

(2)عبد اللطيف، محمد حماسة،1983- النحو والدلالة(مدخل لدراسة المعنى النحوي الدلالي) كلية دار العلوم، جامعة القاهرة،ط1،ص171.

(3) عبد اللطيف ،محمد حماسة- النحو والدلالة،ص171.

(4)عجمي،وهيب،2013- الأرض روحي،دار البنان، بيروت، لبنان،ص8-9.

(5) المصدر نفسه،ص8.

(6) ترمانيني، خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص96.

(7) المرجع نفسه،ص 97.

(8)المرجع نفسه،ص97.

(9) عجمي،وهيب،2013- الأرضُ روحي، ص10-12.

(10) المصدر نفسه، ص68-70.

(11)المصدر نفسه،ص30-31.

(12) المصدر نفسه،ص60-61.

(13) ترمانيني، خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،100-101.

(14) المرجع نفسه،ص101.

(15) عجمي، وهيب،2011- بحر اللهب،دار البنان، ص74.

(16)ترمانيني، خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص103.

(17) عجمي،وهيب،2013- الأرض روحي، ص97.

(18) المصدر نفسه،ص32.

(19)ترمانيني،خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص121.

(20) عجمي، وهيب،2011- أعيدوني إلى أمي، دار البنان، دير الزهراني، ص33-35.

(21) المصدر نفسه، ص35-36.

(22) عجمي،وهيب،2002- فتاة الضوء، دار البنان، ط1،ص113-114.

(23) المصدر نفسه،ص61-63.

( 24) ترمانيني، خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص60-61.

(25) عجمي،وهيب،2002- قناة الضوء،ص160.

(26)المصدر نفسه،45.

(27)المصدر نفسه،ص80.

(28)عجمي،وهيب،2008- من الشمس هوت،دار البنان،84-86.

(29)عجمي،وهيب،2008- فتاة الضوء،ص108-109.

(30) المصدر نفسه،ص58-59.

(31) المصدر نفسه،ص138-139.

(32)ترمانيني،خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص104.

(33)عجمي، وهيب،2002- فتاة الضوء،ص 122.

(34) حمدان، ابتسام،1997- الأسس الجمالية للإيقاع البلاغي في العصر العباسي،دار القلم العربي،ط1،ص218.

(35) ترمانيني،خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص107.

(36)عجمي،وهيب،2008- من الشمس هوت،دار البنان،ص109-111.

(37) عيد،رجاء،1994- تذوق النص الأدبي( جماليات الأداء الفني) دار قطري بن الفجاءة للنشر والتوزيع،ص89.

(38)ترمانيني، خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص107.

(39) عجمي،وهيب،2011- أعيدوني إلى أمي،ص93-94.

(40)عجمي،وهيب،2013- الأرضُ روحي،ص72.

(41)المصدر نفسه،ص73.

(42)عجمي،وهيب،2013- الأرض عمري،ص54.

(43)سانتيانا،جورج،(د.ت) الإحساس بالجمال، تر: مصطفى بدوي،مكتبة الأنجلو المصرية، ص190.

(44) العقاد،عباس محمود،1960- اللغة الشاعرة،مزايا الفن والتعبير في اللغة العربية، مكتبة الأنجلو، القاهرة،ص7

(45)ترمانيني،خلود،2004-الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص34.

(46) شرتح ،عصام،2017- حوار مع وهيب عجمي، الفيس بوك.

(47)عجمي،وهيب،2002- علميني،دار البنان،ص20-21.

(48) المصدر نفسه،ص18.

(49)عجمي،وهيب،2002- علميني، ص30-34.

(50) شرتح،عصام،2017- حوار مع وهيب عجمي على صفحة الفيس بوك.

(51)عجمي،وهيب،2013-الأرض روحي،ص62-62.

(52)عجمي ،وهيب،2002-فتاة الضوء، ص93-94.

(53) المصدر نفسه،ص97-98.

(54) شرتح،عصام،2017- حوار مع وهيب عجمي،الفيس بوك.

(55)شرتح،عصام،2002- فتاة الضوء،ص123-124.

(56) عجمي،وهيب،2002- فتاة الضوء،ص105-107.

(57)عيد،رجاء،1994- تذوق النص الأدبي، دار قطري بن الفجاءة، الدوحة،قطر، ص 97.

(58)عجمي،وهيب،2002- فتاة الضوء، ص95-96.

(59) المصدر نفسه، ص78.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى