من مطارحاتي الشعرية

، بقلم فاروق مواسي

لا أتحدث هنا عن معارضات شعرية- بمعنى أن يكتب الشاعر على نفس القافية والوزن لقصيدة سبقت، مظهرًا فيها براعته، ومشيرًا من طرف خفي إلى تفوقه على سابقه.
ومن ذلك ما عارض شوقي من معارضاته الكثيرة:

الحُصْري القَيرَواني:

يا ليلُ الصبُّ متى غده
أقيام الساعة موعدُهُ

شوقي:

مُضناك جفاه مرقدُه
وبكاه ورحَّم عُوّدُه

كذلك لست أقصد المساجلة، وهي نوع من المباراة، وكأن هناك تنافسًا بين الشعراء.

سأرافقكم إلى مطارحات- أي بمعنى المحاورات ومبادلة النصوص، وقد كثرت في أيامنا بسبب التقنيات، وخاصة الفيسبوك، فهذا الشاعر يكتب، فيجيبه شاعر آخر على نفس الوزن والقافية.

في المطارحات جمال وتواصل، وأحب أن أدون النزر اليسير مما شاركت فيه:

كتب لي الشاعر المرموق سعود الأسدي وهو يرى أهمية التواصل على الفيس وعلى الإيميل (البريد الألكتروني):

إليك أيا فاروق أعملت ناقةً
من البرق تعدو في الأثير بلا سلك
لتحملَ من قلبي المشوق رسائلا
مضمّخة بالنور والطلّ والمسك
وتحكيَ باللفظ المضيء معانيا
حسانا تضاهي نجمة الصبح اذ تحكي
"وحسن المعاني في الحقيقة تابع
لحسن الأواني"والأجادة في السبك
ولا شكّ في انّ الوداد ذخيرة
وحبّك ذخر ليس في ذاك من شكّ
ملكتُ من الإي ميل كلّ طِمِرَّةٍ
تشقّ حباب الشعر والفكر كالفلك
يصرّفها الحاسوب في كل وجهةٍ
رموزًا اليها العلم يسرع في الفكّ
فكلّ قريب أو بعيد بكبسةٍ
على الزرّ أضحى يا ربيب العلى مُلْكي

مما أجبته أقتطف:

ملكتَ نواصي الشعر في أجزل السبك
فشعَّ قريض ضاء نورًا على الحلك
جسرتَ على الحاسوب تسبُر غَوره
وتقحم إنترنتَّ تمخرُ في فُلك
فكم من فنون صلتَ فيها وجُبتَها
وها أنت دربَ العلم تغدو به (أسكي)
فأهلا سعود ثم مرحى ومرحبًا
سَونا من الإبداع ضربًا من (الويسكي)

وثمة مطارحات كثيرة بيننا ضاعت من الحاسوب الذي امتدحناه.

من مطارحاتي مع الشاعر االصديق جريس دبيات وهي كثيرة جدًا أقتطف:

جريس:

بُثّ شكواك الى غير "مواسي"
فهو في ليل الهوى غير مُواسي
كيف يشفي الوجد صبّ موجع
ذاق منه العمرَ ألوان المآسي ؟
فهو فاروق لدى حكم اللُغى
وهو فاروق لدى غنج الأناسي
وهو ممنوع من الصرف إذا
سحر هند زاد من سحر الأماسي
والذي تحسبه سيف في الردى
صار فيهنّ رقيقاً كالمواسي
قل لمن رام نجاة في الهوى:
دعك من مرحومه دكتور مواسي فاروق:

بثّ شكواك الى قلب "مواسي"
وازفر الألحان واشفعها بكاس
عندها ذو الشوق يصبو يتعزّى
فهو يبقى عاشقًا بعد التناسي
إنّ من أُرهف وجدًا قلبُه
حكِّموه في ارتشاف وانغماس
فهو فاروق لدى حكم الهوى
رُبّ هند طُوِّعت بعد الشماس
قل لمن يبغي نجاة من نوى:
خذ دروسي وشموسي وغراسي
كنتُ في ريعان عمري موًنعا
ما اعتراني أيّ وهم وارتكاس
خافقي يسمو لطهر رائق
في روابي الحبّ أشدو في احتراس
كم تغنّيتُ وغنّتني الرؤى
وتجلّيت فجلّيت الأماسي
دعك منّي، انّني في دوحة
ن أتت أهلاً على عيني وراسي
(2004)

أما الشاعر العروضي محمود مرعي فيعلم الله أننا نستطيع إصدار ديوان خاص يضم مطارحاتنا:

من هذه يقول مرعي:

الشِّعرُ يركعُ للجمال ويسجدُ
ويظل في محرابه يتعبدُ

فأجبته:

هذا الجمال يقول إنك مفرد
في وصفه، في نظمه- إذ تحمد
ترعاه حق رعاية بعروضه
بفروضه إني لعلمك أشهد

فأجابني مرعي:

وأنا لسبقك في الفضائل شاهد
فالنبع أنت، وكم لعذْبك نقصد!
نملا الجرار بكوثر مستعذب
من ذا لفضلك في البرية يجحد؟

فردّ علينا الصديق فازع دراوشة:

وأنا المتابع للقريض وأهله
إني لأشهدكم بشعرٍ يُحمدُ
أتحفتم الشعر الجميل صياغة
من كل درٍّ يستحب ويسعِد

فإذا بالشاعر علي غرة يقول:

حُييتما بوركتما فنَظمتما
شِعرا يُقامُ لِجَرسِه بل يُقعَد
لكما التّحية من"عليَّ"وصحبِه
فَسِجالكم عَذْب وَربّي يشهَد!

محمود مرعي:

نمشي على أثر الأوائل يشهد
كل الورى، إِنَّا بذلك نسعدُ
ونجيز ما قد جاز من مأثورهم
وعلى النفوس الأكرمين نسوِّدُ
لا نجحد العلماء فضل جهودهم
إن كان ثمة مَن لذلك يجحدُ
ومن المكارم أنْ نشيد بفضلهم
ونعيد مأثرة تُرامُ وتُقْصَدُ
ما كنت يا فاروق إلا منهُمُ
نبع المكارم نعم ذاك الموردُ
فَاسلم ودم وانِرْ وسُدْ وَاَجِزْ نُجِزْ
نت الأصيل وأنت فينا السَّيِّدُ
ولئن بسقنا للعلا بقطوفنا
فلقد رُوينا عذب مائك، نشهدُ

أما الشاعر الصديق الأصيل عبد السلام موسى فقد أكرمني بمشاركته:
فاروقُ علمُكَ في البَرِيّةِ فَرقَدُ
وسَناكَ كالبيتِ المُحَرَّمِ يُقصَدُ
ما طِبِّيَ المَدحُ الذليلُ وإنّما
أعربتُ عَمّا في الحَشا يَتَوَقَّدُ
أنتَ المُجَلِّي في البَيانِ فَما تُرَى
إلّا إلى يَنبوعِ قَولِكَ يُصمَدُ
لو كنتَ في الزَّمنِ القَديمِ لَما أتَى
بالمُعجِزاتِ منَ القصائدِ أحمَدُ

قلت:

أتحفتني في صدق شعرك جائدًا
عبدَ السلام تظل جودًا يرفد
فعرينكم في "الدير" يبقى كالسنا
وسناؤه معنى الجمال ويُقصد

عاد إلينا الشاعر علي غرة مرة أخرى:

إني بفاروق المواسي أسعد
في كل يوم طاقة تتجدد
أصحو على درس القواعد دائمًا
فعطاؤه في كل يوم نعهد
مني التحية في الصباح وفي المسا
في كل يوم فضله لا يُجحد

فاروق:

شكرًا عليُّ فأنت في الشعر الغدُ
والأمس كان أبوك فيه يردد

من آخر المطارحات ما كتبه مرعي في صفحته، فاستمر بيننا الحوار:

كتب مرعي مترقبًا ما سيأتي:

ويسألنا الزمان
أما آن الأوانُ

فأجبت:

بأن نحيا ونرضى
ويرضينا المكانُ
فلا همٌّ و غمٌّ
ولا بلدي يُهانُ

فأجاب على الوزن نفسه وبتغيير القافية:

لفاروق المواسي
نحيّي ما حيينا

فأجبت:

ومحمود يُؤاخى
وربَّ أخ يلينا
بفضل لا يُجارى
سمت فيه السنونا

محمود:

لأنا غرس قوم
وهم من علمونا
ولا نعني سواكمْ
وتدري ذاك فينا

فاروق:
فشكري يا صديقي
عرفان جُزينا
وعلمك في العروض
بدقته أمينا
وقدرتكم على شعر
تصول به رصينا

محمود:

جزاك الله خيرا
وأجزلك المئينا
من السنوات عمرا
وأسقاك المعينا

فاروق:

نفاذ الرأي تدري
وتجعله مكينا
فهذا الشعر صوت
سأنشره مصونا

محمود:

لك الحق ابتداء
بنشر الشعر حينا
وحينا بعد حين
ونسعد أن تكونا

من بديع ما في صفحتي على الفيس بوك كذلك أن الصديق أسامة أبو رعد – الشارقة، وأصله من أم الفحم- يعلق على معظم موادي شعرًا، وهو صاحب ملكة شعرية متدفقة، فأجيبه أحيانًا على البحر نفسه، وهكذا يبقى الشعر لغة بين الأحبة.

وأما الإطراء والثناء فدليل تقدير، فلا بأس عليهما ما دام كل واحد منا مستقلاً وليس بحاجة إلى أي رياء أو اضطرار؛ وأدعو الله أن أكون بعض ما ورد في إطرائي.

ثم إننا نحمد الله على أن الهجائيات انعدمت بسبب إمكانية حذف من يمسّك بسوء وبعداء.

ويبقى السؤال:

لماذا تخلى شعراء اليوم الجدد عن هذه المطارحات الثرية بالتجربة وبالإبداع والإمتاع؟


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف