تمشي على استحياءِ

، بقلم محمد عبد الرحمان شحاتة

إنّي فُتِنتُ بنظرةِ الحوراءِ
وأذبتُ في وجَعِ القصيدِ عَنائي
في مَطلَعِ الفجرِ ابتسمتُ بِمُقلَةٍ
ثَكلى فقَبَّلَتِ السَّماءُ دُعائي
يا ليلُ هل لي في ظلامِكَ شمعةٌ
للروحِ توقدُ إذ يغيبُ ضيائي
أنا والوصالُ إذا احترقتُ تَبَسُّماً
متخاصمانِ وإن أطلتُ رجائي!
وأقولُ يا أيامُ يكثُرُ صمتُنا
ويمزِّقُ التِّرحالُ روحَ ردائي
ويشدُّني التِّحنانُ صوبَ بلادِها
ويفوحُ عطرُ الشوقِ في الأجواءِ
حنَّت لها الدُّنيا وفاضَ حنينُها
وتبسَّمتْ لي فاعتزلتُ بُكائي
وتبخَّرَت فوجدتُ عمري فارغاً
ورأيتُ ظِلَّي لا يسيرُ ورائي
ومشيتُ أملأ بالغرامِ حقيبتي
وحبيبتي تمشي على استحياءِ!
زدني اقتراباً كلَّما واصلتني
أثلجتَ صدريَ وارتشفتَ غِنائي
رِفقاً بـِ "سيرانو" فما كانَ الهوى
عاراً لِيَعرِفَ سُنَّةَ الإخفاءِ
أنا مُرهقُ الأحلامِ قلبي نازِفٌ
لا تقرئي شِعري ولا أنبائي
لي في بحورِ الصَّمتِ ألفُ سَفينةٍ
عَطشى تُعانِقُ شاطئَ الأسماءِ
هل يمنحُ الظِّلُّ الظَّليلُ لقلبِنا
غيرَ الشَّذى وتَبَسُّمِ العَنقاءِ
آمنتُ بالقنديلِ حينَ أضاءَنا
وكفرتُ بالقنديلِ بَعدَ تَناءِ
لَو لَم تَكُن إلا ابتسامةُ ثَغرِنا
لَكَفَتْ ليحتَضِنَ النَّخيلُ سمائي
تلكَ التّي مرَّت أمامَ عيونِنِا
كنسيمِ صيفٍ كانسيابِ الماءِ
أصفَى مِنَ اللبنِ الحليبِ أرقُّ مِن
طقسِ الشَّمالِ ودمعةِ العذراءِ!
ليلُ الشوارعِ بعدَ طيفكِ قاتِمٌ
والصبحُ بعدَكِ مُعتمُ الأضواءِ
أنا حينَ أقرأُ في عيونِ حبيبتي
يزدانُ في كَبدِ السماءِ فضائي
أنا حينَ أسكرَني الحنينُ شَرِبتُ مِن
كأسِ الغرامِ فما هجرتُ إنائي
ورأيتُ أنفاسي تعودُ لأضلعي
ورأيتُ نبعَ الظَّلِّ في الصحراءِ
للشمسِ أن تفنى فأنتِ ضياؤنا
دفءُ القلوبِ..تميمةُ الشُّعراءِ
أنفاسُ مُغتَربٍ وشهقةُ عائدٍ
والبيلسانُ..ورونقُ الحنَّاءِ
لازلتُ أذكرُ في المشيبِ طفولَتي
وتتعتُعي في حصةِ الإملاءِ
خُذني إلى "بلقاسَ" أولُ ما رأتْ
عيني وردَّدَ بالنشيدِ ندائي
هي أولُ الدُّنيا وأولُ مَنزلٍ
مُذ دَبَّتِ الأنفاسُ في أحشائي
أنا حينَ عانقتُ الحروفَ وأغدَقَتْ
أمطرتُ في عينيكِ دونَ شتاءِ
وهي السَّحابةُ لا تزالُ بخيلةً
لَم تَسكُبِ الأمطارَ في أنحائي
خُذْ مِن دمي المسكوبِ رشفةَ ظامئٍ
فلأجلِ عينيها استبحتُ دمائي
هل للربابةِ أن تدندنَ حُزنَها
والنيلُ يجلسُ مُتعبَ الإصغاءِ
أوكُّلَّما أوقدتُ فيكِ شُموعَنا
ودنوتُ منكِ تعمَّدوا إقصائي!
للأبجديةِ أن تُلَملِمَ حَرفَها
وتفارقُ الحاءُ النَّديَّةُ بائي
القلبُ في العشرينَ لَكنْ أحرُفي
تَنعي شبابَ الخُصلةِ السوداءِ
بالمعطفِ الشِّتويِّ دفءُ قلوبِنا
وقلوبُنا بالدفءِ صوتُ غناءِ
فاليومَ لو مرّوا على أعتابِنا
لتساقطَ الياقوتُ من عَلياءِ
قولي لغربَتِنا: سَنَعبُرُها معاً
مِثلَ البُراقِ بليلةِ الإسراءِ
قولي: هوَ العشقُ الذي لا ينتهي
إنِّي فُتِنتُ بنظرةِ الحوراءِ

من نفس المؤلف