ثلجُ الغربتين

، بقلم محمد عبد الرحمان شحاتة

لحبيبتي والليلُ في أعمَاقي
غمَّازةٌ ورديَّةُ التِّرياقِ
تمحو سُمومَ البُعدِ عَن قلبِ الفَتى
وتزيدُ مِن وَهْجي وَمِن إشراقي
ظمآنةٌ حدَّ البُكاءِ وما ارتَوتْ
عيني بنهرِ عيونِها الرّقراقِ
تَمشي بنا الصَّحراءُ وهي فقيرةٌ
بالحبِّ نحوَ حدائقِ الأشواقِ
سيضيءُ قنديلٌ ويُشعلُ زيتَهُ
ويقولُ: يا دمعُ اكتَفَتْ أحداقي
لا تَعشقوا فيروزَ إنَّ غناءَها
في الليلِ يوقِظُنا بغيرِ تلاقِ
نَم يا فؤادي الطفلَ ليلَكَ وادَّخرْ
أحلامكَ العذراءَ للأوراقِ
أنا لستُ عنترةَ القصيدةِ فاعبُري
جِسري وشُدِّي أحرُفي ووثاقي
أنا ليسَ لي سيفٌ وليسَ لكِ اللَّظى
وكذا النِّياقُ الحُمرُ لسنَ نياقي
مُذ أورثوني لونيَ الخمريَ لا
قَلَمي يَجِفُّ وللذُّرى آفاقي
فأنا ابنُ هذي الأرضِ قلبُكِ قَريتي
إنَّ السنابلَ لا تَطيقُ فِراقي
البُعدُ ثلجُ الغربتينِ وثلجُنا
سيذوبُ عندَ تعانقِ العشَّاقِ
يا طائرَ اللَّقلاقِ طالَ غيابُنا
فمتى اللُّقا يا طائرَ اللَّقلاقِ!
مَن لا يُحبُّ الآخرينَ عدوُّنا
من يؤثرونَ الآخرينَ رِفاقي
مَن يعرفُ البحرَ العميقَ يقولُ ليْ:
إنَّ النَّهارَ يَشِحُّ في الأعماقِ
خُذ رشفةً مِن كأسِ غيمِكَ رُبَّما
ضنَّ الشَّرابُ وَلا يضِنُّ السَّاقي
يغتالُ عِشقُكِ كلَّ جزءٍ في دَمي
حتّى شَعُرتُكِ في يديَّ وساقي
طوبى لمن رحلوا ولَم يتغرَّبوا
واستحضروا أوطانَهم بعناقِ
شكراً لِمنْ شدَّ الحياةَ بقوسهِ
ورمى بسهمِ البُعدِ في الأعناقِ

من نفس المؤلف