الحلقة السابعة: السيد جعفر الحلي

أشهر مشاهير الأخوانيّات و الطرائف...!!

، بقلم كريم مرزة الأسدي

يطلُّ عليكم في هذه الحلقة شاعر يُعدُّ من أشهر شعراء العراق الّذين أنجبهم القرن التاسع عشر، ولولا أن فاجأه القدر بالموت المبكر على أعتاب القرن العشرين، لكان له شأن عظيم في الأحداث السياسة والاجتماعية التي توالت على العراق في الربع الأول من القرن الحالي. وشغل حيزاً كبيراً في تاريخ الأدب العربي، لما يتمتع به من نبوغٍ فطري، وألمعية فذّة، وأريحية طيبة وحسن عشرة وخفّة روح، وسرعة بديهية، وقوة شاعرية، وجرأة أدبية. وهذه الصفات قد أجمع المؤرخون ونقاد الأدب وأكبر العلماء على تمتعه بها.

والحقيقة قد كنت أحتفظ بديوانه الموسوم (سحر بابل وسجع البلابل)(1) إبان طفولتي وشرخ شبابي مع العشرات من دواوين الشعراء الكبار، بل حفظت كثيراً من قصائده ونتفه ومقطوعاته. فللشاعر الجليل علاقة حميمة بأسرتنا وأهلنا، وبكلمة أدق مع أجدادنا منذ قرن ونيف من الزمان، فمن الوفاء أن نذكر محاسن موتانا ونبجل عظماءنا فمن هو السيد جعفر الحلي؟

الشاعر هو أبو يحيى السيد جعفر بن السيد حمد (2) آل كمال الدين الشهير بالحلي، يرجع نسبه الشريف إلى الحسين ذي الدمعة بن زيد الشهيد بن علي بن الإمام الحسين (ع)، ولد في النصف من شعبان سنة 1277هـ (26شباط 1861م) في قرية السادة من قرى العذار جنوب الحلة. ويذكر الدكتور البصير “سميت كذلك لأن أكثر من سكنها من العلويين الذين هاجروا إليها من الحجاز منذ قرون عديدة طلباً للانزواء في هذه البقعة النائية من الأرض، فراراً من الاضطهاد." (3).

نشأ شاعرنا في كنف والده الذي كان من كبار تلامذة العلّامة السيد مهدي القزويني، وفي أيام شبابه انتقل إلى النجف الأشرف،" فدرس مقدمات العلوم، واتصل بجماعة من فحول الشعراء، وقرض الشعر فنبغ فيه، وهو أحد العشرة المعروفين. نبغ في الأدب، ونظم في أبواب الشعر واتصل بالأمراء والحكّام، ومدح وهجا وكان صريح القول، قوي الجنان. حضر في الفقه والأصول على العلامتين الشيخ أغا رضا الهمداني والميرزا حسين الخليلي، واختص بالفاضل الشرابياني." (4)، وظهر بالنجف ظهوراً عالياً وأحبّه الجميع لعبقريته ونبوغه، ويُعدّ بحق من أكابر شخصيات العراق في القرن التاسع عشر، أثنى عليه العديد من عليّة القوم وعباقرتهم، ولا نستطيع أن نورد كلّ الأقوال بحقّه، لكن الأسماء التى سنذكرها تكفي دلالة وبرهاناًً، ذكره السيد محسن الأمين في (أعيانه) قائلا،: “ كان فاضلاً مشاركاً في العلوم أديباً محاضراً شاعراً قوي البديهية، حسن العشرة، رقيق القشرة، صافي السيرة حسن السريرة.." (5)، ويذكره الجواهري في (ذكرياتي) بإكبار واستحسان ويجعله مقارباً للشاعر الشهير (السيد حيدر الحلي) وكان منصفاً في تقديره إذ يقول، (أمّا الشاعر الحلي الكبير الثاني، والمحلق على وجه التقريب بعد (السيد حيدر)، فهو(جعفر الحلي)، صاحب الديوان الشهير، فقد هنّأ والدي بولادة أخي الأكبر (عبد العزيز) ببيتين من الشعر:

بشراكمُ هذا غلامٌ لكم
مثل الذي بشر فيه (العزيز)
سمعاً أباهُ أن تاريخهُ
أعقبتَ يا بشراك (عبد العزيز)

وفي هذا البيت ومن جملة أعقبت يابشراك إلى أخره، يكون تاريخ الولادة بما كان متعارفاً عليه، بما يسمونه حساب (الجمل) أي أن تجمع الحروف من ألفها إلى يائها، ليكن المعدل منها تاريخ هذه الولادة أو تلك “(6).

ويعتبره الخاقاني “من أشهر مشاهير عهده، ومن أركان النهضة الأدبية في عصره" (7). وذكره الشيخ جعفر النقدي في كتابه: (الروض النضير) فقال: فظهر في النجف ظهورا عالياً، وأحبه الجميع لعبقريته ونبوغه، فقد ولج المجالس العلمية والأدبية، ولاكم فحول الشعراء.. وكانت منتديات النجف تحترمه وتفتقده..(8)، ويكتب المرجع الديني الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء مقدمة مطولة لديوانه واصفاً شعره بقوله:" ولسلاسة شعره رحمه الله، وعذوبة مجاريه، وأخذه الحظ الوافر من الانسجام نجده خالياً من حوشي الألفاظ وغريب اللغة إلا نادراً.. كما ان لغلبة الانسجام عليه والرونق والرواء لإتراه يتكلف البديع وأنواعه من الترصيع والتوشيح وأضرابها إلا ما جاءه عفواً، وأتاه صفواً... وإن النظم ينهال عليه كما ينهال العذب الزلال من منحدر الجبال.." (9)، لذلك يعده الدكتور البصير: “أحد أكبر شعرائنا في القرن المنصرم.. أمّا خفّة روحه فلا أدلّ عليها من شعره الهزلي الكثير.." (10)، ومع ذلك يقول الاستاذ جعفر الخليلي: “ولم يكن يومذاك أجرا من السيد جعفر الحلي الذي كان يتهيب الشعراء مداعبته" (11)، وعدّه أيضاً العلّامة الشهير والمحقق الثبت الشيخ آغا بزرك الطهراني في (نقباء البشر): “ أحد أعلام الأدب المشاهير في عصره.." (12)، ثم وصفه قائلا: “كان صريح القول قوي الجنان.." (13)، ونختم الأقوال عنه بما نقله الخطيب المعروف السيد جواد شبر في (أدب الطف): “ وهو في كل ذلك حلو المحاضرة فهو يسير إلى النباهة والاشتهار بسرعة ويتقدم إلى النبوغ والظهور بقوة...سرع في نظم الشعر وهو دون الثلاثين، وأصبح من الشعراء المعدودين الذين تلهج الألسن بذكرهم وتتغنى بشعرهم.." (14)، ولا ريب ان السيد شبر كان يردد كبقية خطباء المنبر الحسيني قصيدته الشهيرة التي أصبح مطلعها على لسان العامة والخاصة في العراق:

الله أيّ دمٍ في كربلا سُفكا
لم يجرِ في الأرض حتّى أوقف الفلكا(15)

اتصل شاعرنا بالملوك والأمراء، كالسلطان عبد الحميد الثاني، وآل الرشيد في جبل حائل بالحجاز، وأمراء المحمرة وكبار العلماء، ووجوه المجتمع وأعيانه، وكان شعره لهم لا يتعدى كونه يمدح صديقاً أو أخاً له، يحمل بين جنبيه قلباً هاشمياً، وبين أضلاعه فؤاداً عربياً، لا يعرف الخضوع، ولايرضخ للهوان، ولقد كان يحبّه أكبر إنسان يخرج عن حدود الأدب بما يسيئه لئلا يشعر أنّه ضعيف، فالكرامة عنده قبل كل شيء... (16). وقد عبر الشاعر عن نفسه في إحدى قصائده البدوية الشهيرة عن نفسيته الرفيعة، وسجيته العربية، في عصره كان العرب فيه يرضخون تحت السيطرة العثمانية، ويغطون في سبات عميق، اقرأ معي هذه الأبيات بحدو البدوي:

خليّاني انتشق ريح البوادي
فأخو البيد غريب في البلاد
أبلاديٌّ وأهلي عـــــربٌ
فــــي الفلا لم ينزلوا إلا بوادي
يمتحونَ الماء فـــــي أذنبةٍ
أو تحيّيهم ملثــات الغوادي
قومنا اكفاؤنا منهــــم فلا
أحوج الله إلى القــوم البعاد
فقضاياهم حســــــانٌ كللها
شرع في عكسها والاطـراد (17)

لبّى الشاعر نداء ربّه في 22 شعبان 1315هـ (17كانون الثاني 1898م) في مدينة النجف الأشرف ودفن بوادي السلام في الجانب الغربي من يمين مقام (المهدي) بمئتي خطوة عند قبر أبيه، عن عمر لا يتجاوز سبعاً وثلاثين سنة (رحمة الله عليه)، ورثاء عدة شعراء.
طرائفه وأخوانيته:

كان شاعرنا يعتد بنفسه كثيراًً، وهذه الصّفة قد ورثها فهي من خصائص الشعراء والفنانين الكبار، وزادها رسوخاً ما اكتسبه من بيئته العربية العريقة، وجريئاً يعبر عن رأيه بصراحة مهما كلفّه الأمر، ولكن بظرافة الأديب وتواضع الكبار، فمن قوله في حلقة درس الشيخ محمد الشربياني، وهو من زعماء الدين في عصره وممن يصدر الأمر والنهي عنه:

للشربياني أصحابٌ وتلـــمذةٌ
تجمّعوا فرقاً مــن ها هنا وهنا
ما فيهمُ من له في العلم معرفةٌ
يكفيك أفضل كلّ العارفين أنا (18)

وهذان البيتان كان لهما أعظم الأثر في أعضاء حلقة الشيخ، في حين أن منهم الرجال البارزون، وفي بحث مجلس أستاذه الفاضل الشربياني نفسه، والشيخ مازال على منبره، ارتجل شاعرنا هازلاً:

أشيخ الكلّ قد أكثرت بحثاً
بأصل براءةٍ أو احتياطِ
وهذا فصل زوارٍ ونـــوطٍ
فباحثنا بتنقيـــح المناط (19)

ويذكر الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (رحمه الله ) في الديوان، وكنّا ذات ليلة على الفرات وكان هو رحمه الله، وأخوه السيد علي معنا، ونحن نتذاكر في المسائل العلمية ونستدل بالآيات القرآنية، فبينما نحن كذلك، إذ قام السيد علي المذكور بانزعاج وذعور، فذعرنا لذلك ثم هدأ، فقلنا له ما الخبر؟ فقال حيّة صعدت من الأرض إلى حجري ففزعت لذلك، فقال رحمه الله على البديهة مرتجلاً:

لا تحسبوا حيّة الأرض التي التصقتْ
في حجر سيدنا رامت به فزعا
لكنّها من صنوف الجّنّ قد سمعتْ
بالوحي يُتلــى فجاءتـــهُ لتستمعا(20)

ومن ظرفه الجريء قوله:

أنا مسلمٌ وهما علىّ تحالفا
هذا مجوسيٌّ وهذا صابي
اني لعمرك كافرٌ بكليهما
خرء المقسم في فم النواب (21)

خمّست الأبيات من قبل عدّة شعراء لفكاهتها البريئة، وإن تبدو غير إنسانية، وهو الإنسان الكبير، ففي عصره لم تكن الطائفية والعنصرية متفشية،ولا يحسب لقائلها حساب هذه الأيام القاتلة، ربّما العشائرية كانت سائدة، وقضية الشمرت والزكرت معروفة لدى النجفيين في تلك الأيام ، والذي قضى على فتنتها، وأخمد أوارها الشاعر المعروف عبد الباقي العمري المتوفي سنة 1279 هـ 1862 م دون أن تسيل قطرة دماء من القبيلتين المتصارعتين.

ومن أخوانيّاته قال مخاطباً صديقه الحاج أحمد مرزة، المكنى أحمد رشيد لرشد سلوكه، وكان رئيساً لبلدية النجف الأشرف إبان تأسيسها الأول في أواخر القرن التاسع عشر:

ما حلت لي مجالس لست فيها
كيف تحلو وأنت عنها بعيدُ
إن دعوني أهل الغــري إليهمْ
قلت يا قوم ليس فيكم رشــيدُ (22)

له عدّة قصائد مطوّلة في أسرتنا، تضمنها ديوانه.

وقال ممازحاً بعض الأطباء، ونعتقد انه خصّ بهذه الأبيات الشيخ الطبيب محمد صادق الخليلي الذي ينتسب إلى الطبيب الشهير ميرزا خليل جدّ الأسرة الخليلية المعروفة:
في كلّ شيءٍ صادقٌ (صادقُ)
إلا إذا جاء إليهِ العليلْ
يقولُ هذا داؤهُ قــــاتلٌ
ويوجب الافطار لا عن دليلْ
ليس له في الطّبّ شيءٌ سوى
نسبته للشيخ مرزا خليلْ (23)

ومن جرأته وحسن تخلصه قوله في الزعيمين الجليلين السيد محمد بحر العلوم والسيد محمد القزويني:

شتّان بين محمدٍ ومحمـــدِ
ذا طبطبائيٌّ وذا قزويني(24)
انا اعرفُ الرجلَ المهذّبَ فيهما
بالله تسأل عن الثعيّينِ

ولك أن تعرف كيف كبر في عيون الرجلين وحاشيتهما، لم يعط شيئاً واخذ كل شيء!!
ومن قوله في زعيم عشائري يدعى (مجهول) وقد مرّ به مع نفر من اصدقائه فلم يعبأ بهما، فقال:

عن المغرور (مجهولٍ) سمعنا
حديث الجود عن عمرو وزيدِ
فجئت، فلم أجد مــــن ذاك شيئاً
فصحَّ القول تسمع بالمعيـدي
ولست بخازنٍ عنــــهُ لســـــاني
ولو قيّدتنــــي في ألــفِ قيدِ

صور المغرور والمعيدي والخازن والف قيد تدل على فكاهة لذيذة، ظرف لطيف، وتضمين رائع للمثل العربي المعروف والمنسوب للنعمان بن المنذر ملك الحيرة (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه) ، والأمثال تضرب ولا تقاس.

فان كان ذلك (مجهول) فالشيخان عباس خميس وعلى رفيش من الشخصيات العلمية البارزة في عصره بالنجف حينذاك، ما قال في جورتيهما:

ان عيشي بالحويش
ضيق انكد عيش
بين عباس خميسٍ
وعلي بن رفيش

مداعبات جميلة، لا يمل منها، تأتي خفيفة على العقل والنقل:
ونختم هذه الفقرة بالدعاء...!!

في يوم من الأيّام قلل السيد إبراهيم بحر العلوم من شأن شاعرنا، وهذا التصغير لا يمر بسلام على من ينال منه، ولما ظفر السيد جعفر الحلي بقصيدتين للسيد ابراهيم المذكور والشيخ محمد السماوي كتهنئة من الاول ورد من الثاني عليها، فوضع نفسه حكما بينهما وأنشد:
أيّا اخويَّ السائلـــيَّ حكومـــةً
إذا كنتما حكمتماني فاســــمعا
محمد قد جلّــــى بحلبة شعـــــره
سباقاً وإبراهيم يشكو التظلعا
تخلّف عن مجرى السماويَّ عاثـــــراً
فلا دعدعا للعاثرين ولا لعا
واصبح كالمبهوت في آخرالمدى
اذا ابصر المجتاز يسألهُ الدعا (25)

وجميلة صورة المتعثر المبهوت يسأل الدعاء من الرائح والغادي لعجزه وتعبه ويقيني أنه لم يرفع الشيخ (محمد) إلا ليكبس صاحبة (إبراهيم) رحم الله الجميع.

نواصل مسيرتنا مع السيد جعفر الحلي، وتذكّر أنّه توفي في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي 1897م، أي سنة توّلد الشاعر الشهير أحمد الصافي النجفي، و قبل ميلاد شاعر عصرنا الجواهري الكبير بسنتين، فالجواهري ولد عام 1899م

مهما يكن من أمر، يذكر الشيخ محمد السماوي، اخذت مسبحة (يسر) من السيد جعفر، أعطاه اياها بعض الحجاج، فكتب السيد إليَّ مطالباً بها، وشاعرنا التزم في جميع أبياتها بالجناس قائلا:

محمد يا أخا ودّي وأنسي
ويا من فيه هم القلب يسرى
تسيّر نحوكم غرر القوافـي
فيدلج بالثنـاء لكم ويسرى
إذا ما الممحل استجدى نداكم
تيقّن أنَّ بعد العسر يسرى
اعدْ لي يا فداك أبي وكفّــرْ
يمينك سبحةً سوداء يســرا
وما تبغي بسودا همـــــتُ فيها
وكـم قلبتها يمنى ويسرى

إنّها سوداء زنجية، ولعبت بها يميني ويساري، فماذا تبتغي منها ايها الشيخ؟!
وارسل شاعرنا إلى السيد محمد القزويني مضمناً بعض شطور من قصيدة السيد حيدر الحلي، على سبيل الهزل، وهي في ديوانه المطبوع سوى البيتين الرابع و الخامس في أعيان الشيعة.(24)

لي زوجةٌ كان أخوأمّها
يحسن في حالي وفي حالها
يهدي لنا العنبر من رزّهِ
والجوع لا يخطر في بالها
والعام نالت زرعهُ جمرةٌ
فاحترق العنبر من خالها
لمّا رأتْ قوتيَ لمْ يكفهـــا
فــرّت لاهليها بأطفالها
كتبتُ أن زوري عليـاً فما
ردّتْ جوابي وهي في آلها
إذا درتْ أنّك واصلتنـي
زارتْ علــــى رقبــة عذّالها

فأجابه السيد القزويني بقوله:

اكتبْ لها تقبلْ على سرعةٍ
واقتبـــل العمر باقبالهـا
ما شية تطرب مـــن مشيها
لكن علـى رنّة خلخالها
والكلُّ منّا لك يحبو غنـىً
فاستغنِ من مالي ومن مالها

والسيد مع كبر حجمه، وسعة حريته، كان في ضيق مادي، فكتب هذه الابيات:

لي قلمٌ اخرسُ لكنّه
ينطق عن معجم افكاري
بريته حبّاً ولكنّه
ما احسن الشكر الى الباري
حتّى غدا رزقي به ضيقاً
كأنه من شقه جاري

والحقيقة أنّ الشاعر قد عبّر عن واقعه الأليم منذ نعومة أظفاره قبل اتصاله بأمراء الحجاز وما درّت عليه مسابل العراق بقوله:

مَلكتْ فكرتي بكار المعاني
وإلى الآن ما ملكتُ كتابا

المهم قد سبقه (السري الرفاء) إلى هذا المعنى عندما سأله صديق عن خبره وحاله في حرفته فأجابه:

يكفيك من جملة اخباري
يسري من الحب واعساري
في سوقةٍ أفضلهم مرتدٍ
نقصاً ففضلي بينهم عاري
وكانتْ الأبرةُ فيما مضى
صائنـــةً وجهي وأشعاري
فأصبح الرزقُ بها ضيقاً
كأنّه من ثقبها جاري! (27)

القلم والابره كلاهما سواء بسواء، وربّما الأبرة أرحم من القلم، فللأبرة حرفة، والقلم حرفة من لا حرفة له!!!

يذكر صاحب (البابليات) الشيخ علي الخانقاني من مداعبات السيد الشاعر مع شخص يبدو أن اسمه محسن. قد حلّ السيد جعفر ضيفاً عليه:
أنت يا محسن عندي
أحسن الناس جميعا
فإذا جاءك ضيفٌ
مات في دارك جوعــا
كن مطيعاً فإذا ما
شئت رخمنا مطيعا ! (28)

وترخيم (مطيعا) لمن لا يعرف هذا الترخيم العجيب: (مطيا)، و(المطي)، لمن لا يعرف لهجة اهل العراق هو (الحمار)، وبلغة العرب كل ما يمتطى من الدواب. يقول جرير:

ألَسْتُمْ خَيرَ مَن رَكِبَ المَطَايا
و أندى العالمينَ بطونَ راحِ

ويمدح أبو نواس الأمين، وقيل من أروع المديح قائلاً

وإذا المطيُّ بنـا بلغن محمداً
فظهورهنَّ على الرجال حرامُ
والحق هذا السخر من البخلاء، والهجا ء لهم، يذكرنا بسخر وهجاء دعبل الخزاعي ( ت 246 هـ)، وابن الرومي (ت 283 هـ)، وهما متعاصران من العصر العباسي، ويقول أبو العلاء المعري عنهما:

لو نطق الدهر هجا أهلهُ
كأنّه الروميُّ أو دعبلُ

مما قال دعبل في هجاء بخيل:

وإن له لطباخاً وخبزًا
وأنواع الفواكه والــشرابِ
ولكن دونه حبسٌ وضربٌ
وأبواب تطابق دون بابِ
يذودون الذباب يمرّ عنهُ
كأمثال الملائكة الغضابِ

أمّا ابن الرومي ففي وصف عيسى البخيل يقول:

يقتر عيسى على نفسه
وليس بباق ولا خالدِ
فلو يستطيع لتقتيره
تنفس من منخر واحــدِ

دعبل وابن الرومي مدرستان في الهجاء والسخر، الأول بدوي هدفه منهما المعارضة السياسية للخلفاء والوزراء والقادة والمتخمين بالسحت الحرام، وابن الرومي الحضري عانى من الوسوسة وضعف النفس، ورأى من لا يستحق قد تبوّأ المناصب الرفيعة ونال الثراء الفاحش دون وجه حق، فصبّ جحيمه على المجتمع، أما السيد جعفر الحلي فيستخدم الهجاء والسخر العابر للمزاح العابر، والمداعبة الملطفة....

المهم على ذكر الحيوانات رأى السيد جعفر أن ّ ديوكاً أهديت لجارٍ له من العلماء الأعلام، وكان العالم ذا مسجد وجماعة، فكتب إليه على سبيل الهزل:

أحبُّ بأن اصلّي كلَّ يومٍ
وراءكَ في العشي وفي الغداةِ
ولكن ليس لي في البــــيت ديكٌ
ينبهني لاوقـات الصلاةِ

ولابد أنّ السيد قد حصل على المقسوم من الديوك بلا أخذٍ ورد!!

ويسرد (هكذا عرفتهم) عدة طرائف للسيد جعفر، منها: كان بعض أصدقاء السيد جعفر الحلي ينسبونه (للكشفية)، وكان الحلي يهيج ويشتم ويتنصل من الكشفية - كلّ عادةٍ جديدةٍ دخيلةٍ على المجتمع ينبذها بدايةً - ويرميهم مقابل ذلك بما يجري على لسانه فيضحكون، وقرأ مرة الشيخ جواد الشبيبي أبياتا كان يزمع إرسالها إلى السيد جعفر، رحمه الله، فدسَّ فيها الشيخ عبد الكريم الجزائري هذا البيت:

لئن أكشف غطاء الهجو يوماً
لساءك جعفر الحلي (كشفي)

وهي تورية مقصودة، ولابد ان الشبيبي أشار للسيد جعفر أن البيت مدسوس بين أبياته من الشيخ الجزائري، وهو لا يتحمل تبعته، ولكن بعد أيام تلقى الشبيبي من السيد جعفر البيتين التاليين:

نحِ عبد الكريم عن حلبة الشعر
فعارٌ على ذوي الالبابِ
أعليك الخيول ويحك قلّتْ
فشددتَ السروج فـوق الكلابِ

ولم ينتشر هذان البيتان إلا عن لسان الشيخ عبد الكريم الجزائري نفسه (29) والشيخ الجزائري، كما هو معلوم. من رجالات ثورة العشرين الكبار سياسي ماهر وعلامة مقتدر، وشخصية رفيعة، قد عيّن وزيراً للمعارف، ورفض المباشرة واستلام المنصب لمدة ثلاثة اشهر، ولكن الشعر النجفي الخاص، قد يسلك أقسى أنواع الهجاء المقذع دعابة، ويتقبله المهجو برحابة صدر، ويصفق له، كأن لم يكن شيئا مذكورا، وربّما يردده المهجو في مجالسه الخاصة، فالعقول كبيرة والحياة حلوة والدنيا بخير! والحقيقة قد عكفت عن ذكر الطرائف الأقسى ورميت ذمتها للكاتب.

وهناك قصة اخرى للسيد جعفر مع السيد ابراهيم بحر العلوم الشاعر النجفي المشهور أيضاً يرويها لنا هذه المرة صاحب الأعيان (30)، إذ كان السيد إبراهيم في محفل من الأدباء يلقي شعراً، والسيد جعفر الحلي من ضمنهم، فطلب الأخير (سيكارة) من بعض الجالسين، وقال معرضاً بالسيد إبراهيم:

ألا من يقتل البــــقَّ
فانّ البـــقَّ آذاني
إذا طنطن في الجوِّ
يصمُّ الصوتُ آذاني

ففطن لذلك السيد إبراهيم وقطع الإنشاد وقال:

فقلْ زمجرة الليثِ
بها وقّر آذاني
ودعْ طنطة البـقَّ
لكابي الشعر خزيان

وقبض على يد السيد جعفر واراد صفعه، فارتجل السيد جعفر:

رأيت إبراهيم رؤيا بها
اضحى كاسماعيلَ يا جعفرُ
ها انذا جئتك مستسلماً
يا ابــــت افعل بي ما تؤمرُ

فضحك لحسن اعتذاره وسري عنه!!

وللحب في مذهب السيد جعفر منزلة كبيرة، لذا نرى سيدنا بكثر من التهنئة القلبية للمتزوجين حتى ولو بأرملة لو مطلقة قد جاوزت الأربعين، ثم ماذا؟

وإليك هذه الأبيات من قصديته التي وصف فيها عروساً لصديق له تزوج بامرأة ثيب (31):

بشراك في لؤلؤةٍ قد ثقبــــتْ
أنفعُ مـن لؤلؤةٍ لم تثقبِ
ومهرةٍ وطّأ شخصٌ ظهرها
أحسن من جامحةٍ لم تركبِ
وقد وجدنا في الكتاب آيــــةً
قدّمَ فيها اللهُ ذكــر الثيّبِ
اسمُ العجوزِ في المقال طيبٌ
لانّه وصـــفٌ لبنت العنبِ
مرّت عليها اربعون حجّــةً
فهي إذاً كالصارم المجرّبِ
عرّفها الدّهرُ تقلباتــــــهُ
فاستصفها عـــــارفة التقلّب
بكِ الأثافي كمّلتْ ثلاثــــــةً
ففز بهـــا كالرجل المنصبِ

وختاماً أنقل هذه الأمسة النجفية قبل قرن ونيف من الزمان، فالأثافي الثلاثة قد نصبت فعلاً هذه المرة في حوش الدخلاني، والعبد الحبشي منهمك في تنظيف السمك، وغسل الرز والكشمش وتنظيفهما، والعطور الطيبة والروائح الشهية تعجّ بأجواء (الحوش)، والنار تشعل لإعداد هذه الوليمة (العزيمة) في بيت الشيخ مرتضى كاشف الغطاء على أغلب الظن حيث لم يشر المؤرخون لذلك، المهم قد اجتمع بضعة من الشيوخ والشعراء في (البراني)، والفوانيس والشموع تنير الأجواء، والفرش مبسوطة، والوسائد متوضعة للإتكاء، والشعراء في سجال يتسابقون ويتسامرون،فإذا بالخبر الصاعقة قد نزل عليهم، الهرّ قد سطا على غنيمته، والعبد المنكود في صراع مع هذا اللعين، والسيد جعفر الحلي قد وجد فرصته لوصف وقائع هذه الليلة الليلاء، فنظم هذه القصيدة الهزلية، ارتجالاً يرثي بها العشاء وأرسلها إلى الشيخ علي كاشف الغطاء المرجع الديني الكبير في عصره وهي من مجزوء الرجز (مستفعلن مستفعلن.. مستفعلن مستفعلن) (32)...إليك إليك القصيدة...تلقّفها!!

وا أسفا على العشا
مطبقاً مكشمشا
قد ظفر الهرُّ بـــهِ
ونال منه ما يشا
ولم يدعْ إلا طبيـ
خاً ماشهُ ما جرشا
فكيف يرجى أمنهُ
وهو سروقٌ يختشى
يختلُ إنْ أمكنه الـ
ختلُ وإلا نتشا
ما حاجةٌ ينظرها
إلا لها قـد خمشا
لمّا أتى العبدُ رأى
طبيخه مخربـشا
من بعد ما كمّلهُ
نضجاً لهُ ونشنشـا
وأتعب النفس بهِ
من الصباح للعشا
بكى عليه وغدا
يمسح طرفاً أعمشا
وقال ويلُ الهرّ لا
يعلمُ فيمن بلشا
وجسمهُ من عزمهِ
جميعهُ قد رعشــا
جرّ العصا واستفزع الـ
نوب له والحبشا
وصاحَ فيهمْ صيحةً
منها الورى قد دهشا
فزمجر العبدُ وجيـ
ـش الهر فيه احتوشا
وانتفخ الـــهرّ ومدّ
ذيلــــــهُ وانتفشا
والعبدُ من سورتــــه
لمنخريـــه فرشا
فالتقيا واعتركا
واصطدما واهتــوشا
هذا بذا قد بطشــــا
وذا لذا قد خرمشا
فافترقا والقتل مـــا
بين الفريقين فشا
وجعفر الحلَّي عــــــن
قريضه قد دهشا
ومذ رأوا عبدهـــــمُ
بوجههِ محنـفشا
لا شمعةًٌ أوقدهــــــا
ولا فراشاً فرشا
فقال مولاهُ الرضــــــا
ياعبد جئنا بالعشا
متنا من الجوع فقـــــمْ
وأتِ بهِ لننعشـــا
وقلبهُ مـــــن وجلٍ
فرّ كموسى ومشى
والجاهلُ المغرورُ مــــن
بالعبد قد تحرشا
كمْ اسودٍ بســـــيدٍ
من قبله قد بطشـا
خلاصةُ الأمر بانْ
العبد ولًـــى ومشى
أبا حسينٍ طالما الـ
الحافي لديك انتعشى
ياابن الذين فضلهمْ
في كل مصر قد فشا
والكاشفين كرماً
عن الورى ماغطشا (33)
هم معشرٌفي بيتهم
طير الهدى قد عششا
ونورهمْ يحلو لنا
ليل الخطوب إذ غشا
كم بائسٍ في ردفهمْ
من بؤسه قد نعشا
يا ذا الذي من بأسهِ
ليث الثرى قد دهشا
سحاب كفيك بعا
ـم المحل يروي العطشا
نموتُ جوعاً كلّنا
إن لم تغثنا بالعشا

صورة رائعة للندوات الأدبية والمجالس الاجتماعية التي كانت تسود أجواء النجف الأشرف في أواخر القرن التاسع عشر، رأينا من المفيد أن ننشرها كاملة لتعكس أجواء ذاك العصر، أمّا الصور الكاركتيرية المتتالية لأحداث المعركة بشخوصها وأدواتها نتركها لذهن القارئ الكريم واتساع خياله ولله في خلقه شؤون،وتسلمون.

من الطرائف الأدبية إلى اللطائف الغزلية...!!

و أنتقل بك الآن الى نسيبه واقلب صفحة طرائفه الاجتماعية إلى طرائفه الغزلية ، وعليك ان تتقبل بامتنان هذا المقلب الجعفري، اذ يدور بك أنّى يشاء، ويجعلك منبهراّ لتحليلاته وصحونه الطائرة، كيف لا؟! وقلبه يطير مخترقاً الأجواء، وجسمه ينفذ من شقوق الابواب، وما أحسبه نظم الأبيات الثلاثة، إلا لكي يوصلك إلى البيت الثاني، وهو بيت القصيد:
إني شكرت نحول جسمي بالمها
إذ صرت لم أمنع بكلِّ حجابِ
إن أغلقــــت باباً فقلبي طائرٌ
والجســم ينفذُ من شقوق البابِ
فأنا بعكس ذوي الهوى إذ دأبهم
ذم النحول، وشكرهُ من دابي(34)
وأنا اميل إلى أن نحوله كنحول المتنبي في صغره
كفى بجسمي نحولاً إنني رجلُ
لولا مخاطبتي إياك لم ترنى
وليس كما ذهب الساخر المضحك بشار بن برد، اذ يزعم أنّه نحيل ويزعم الدكتور طه حسين أنّه كاذب في قوله:

إنّ في بردي جسماً ناحلاً
لو توكأتَ عليه لانهدم

ثم لا أخالك لا تنتشي بصهباء السيد الذائب عسجدها بلجينها، وحمرة الخدود التي انعكست على الراح، او تشربت به، وبهذا العشق الممزوج بالخوف، والعيون الحائرة بين حبيبها ورقبائها.

!ثم ماذا؟

الشبيبة تناديه، وثوبها قد سلب، فكيف السلوان؟

هل ثوب اللهو المسلوب، أتراه كناية عن العمر المهدور أم عذراً يتستر به لكرع كاسات السرور؟ّ

لا تبالي هلمّ معه لنشرب الصهباء، ونستغفر الله ونحمده بالصلاة على محمد وآله الكرام.. مادام الكأس خيال، والكلام من السحر الحلال.. وأخيراً ينتصر شاعرنا لإرادة الحياة، فما الليث إلا بشبله، وما الاسد إلا بضرغامه.. والدنيا تواصل مسيرتها.. اقرأ معي ما قاله مهنئاً صديقه العالم الأجل السيد محمد القزوينيرحمه الله :

أهل ترى لؤلؤاً في الكأس ام حببا
وغلمة تجتليها ام قطيع ظبا
وذاك جام به الصهباء ذائبــــةٌ
ام فضة قذ أذابوا وسطها ذهبا
ياما آحيلاه ملعاباً يطوف بها
يجدُّ فينا رسيس الشوق إن لعبا
سيّان لـــون حمياهُ ووجنتــــهُ
فصبّـهُ ليــس يدري كلًما شـــربا
أراحهُ حمرة من خدّه اكتسبتْ
أم خدًهُ حمرةٌ مــن راحهِ اكتسبا
وافى إليّ وسرّ النجم منهتك
والليّل يضرب من ظلمائه حجبا
خوفٌ وعشقٌ على عينيه قد حكما
فمقلةٌ ليّ والاخرى الى الرقبا
ياهل يعود لنا دهــــرٌ بكاظمــةٍ
سرعان ما مرّ حاليه وما ذهبا
حيثُ الشبيبةُ ثوبٌ قد لهوت بهِ
كيف السلو وثوب اللهو قد سلبا
هلّم يا مترعَ الكاساتِ نشربها
صهباء لم تبق لي هماّ ولا وصبا
إضافة الماء تنمي عـــن أصالتها
فبالحباب عـــرفنا أصلها عنبا
وروّ فيها حشـــى لو بعض غلتها
بالدجلتين لما طــابا ولا عــذبا
وكفّر الذنــــب فيها بالثناء علـــى
محمدٍ وعلـــى ساداتنــا النجبـا
إنّ البشير الذي وافــى يبشــــرنا
لمنعم وعلينا شـــــكره وجبــــا
أعزَّ ما اقتنيه النفس وهـي لهُ
إحدى المواهب لو يرضى بما وهبا
ما حاول اللـــيث إلماماً بلبوتـــه
إلا ليصبــــح منـــها للشــــبول أبا(35)

لا جرم أن الشاعر برقته العذبة وغزله الرائع لم يتعد حدود مجتمعه المسلم المحافظ الورع اذ كان يتفهم الوازع الإنساني، والوجدان العاطفي لشاعر حساس يحترم عرفه ويفهم تعاليم دينه، هذه الله في خلقه، وإرادة الحياة، ولن تجد لسنة الله تبديلا:

ما حاول اللـــيث إلماماً بلبوتـــه
إلا ليصبــــح منـــها للشــــبول أبا

والحقيقة أنّ الغزل باب من أبواب الشعر، وكانت العرب في الجاهلية لا تفتح مدائحها إلا به..
من قفا نبكِ.. وأحبها وتحبني.. حتى أطلال خولة.. ودار عبلة، بحومانة الدراج فالمتلثم.

ثم قف! ألم يقف كعب بن زهير الذي هجا رسول الله (ص) ذات يوم، مما تسبب بهدر دمه أمامه ليعتذر منه بطلب من قبيلته بعد أن ضاقت به السبل ليتغنى بسعاده في أطلالته على سيد المرسلين...!!:

بانت سعاد فقلبي اليوم متــــبولُ
متيـــمٌ إثرها لم يفدِ مكبـــولُ
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا
إلا أغرّ غضيض الطرف مكحولُ
وما أن انتهى من إلقاء قصيدته حتى خلع الرسول (ص) بردته الشريفة ليمنحها للشاعر تكريماً له ورضاء عنه، و (تقرير) رسول الله (ص) و(فعله) ثلثا سنته!!" (36)

ثم ألم يتغزل فقيه المدينة عروة بن اذينة بهذا الغزل الغض الذي قل نظيره في شعرنا العربي -كما يقول السيد مصطفى جمال الدين- اقرأ رجاء بعض ما قاله هذا العروة الجميل:

إن التي زعمت فؤادك ملـّـها
خُلقت هواك كما خُلقت هوىً لها
فبك الذي زعمتْ بها وكلاكـــما
أبدى لصاحبـــه الصبابة كلّـها
ويبيتُ بين جوانحي حبٌ لها
لو كـــــان تحتُ فراشــها لاقلـّـها
لمّـا عرضتُ -مسلماً- لي حاجةٌ
اخشى صعوبتها.. وأرجو ذُلـّها
منعت تحيتها فقلــــت لصاحبي:
ما كــــان أكثرها لنا.. وأقلّـها
فدنا، وقال: لعلّها معذورةٌ
في بعض رقبتها.. فقلتُ: لعلّـها (37)
ولعلك لا تنسى - ياصاحبي- قصيدة الشريف الرضي الغزلية التي تعد من عيون الشعر العربي:

ياظبية البان ترعى في خمائلــــهِ
ليهنك اليـــــوم أنّ القلب مرعاكِ
هامت بك العين لم تطلب سواك هواً
من علّم العين أنَّ القلب مرعاك
والشريف تعرفه كم هو شريف ورضي...!!

ومقصورته في رثاء الإمام الحسين (ع) أشهر من أنْ تنسى.

كربلا لا زلتِ كرباً وبلا
ما لقـى عندكِ آل المصطفى
كم على تربك لمّا صرعوا
من دمٍ سال ودمع قد جرى

والسيد جعفر الذي نظم عقد رثائه البديع (الله اي دم في كربلا سفكا..) التي مرّ ذكرها ورائعته التي وصف بها فاجعة كربلاء:

وجه الصباح عليّ ليلٌ مظلمُ
وربيـــــع أيّامي علـيّ محرمُ
والليل يشهدُ لي بأنّي ساهرٌ
مذ طاب للناس الرقاد وهوموا(38)

والسيد هو نفسه الذي سار على خطى سالفيه، مما سيجعلك - فيما يغلب ظني- على أن تتقبل بتلهف واشتياق مقاطع من قصيدته التي صدّح بها سادات المقام العراقي المعاصرون كناظم الغزالي و محمد القبنجي.. ومن بعدهم المطرب المعروف سعدون جابر.

وشاعرنا في هذه القصيدة الأخوانية المدحية يطلع بها مشبّباً على عادة شعراء العرب القدماء، فهو ظمآن يروم أن يرتوي من المنهل العذب، ويتمتع بما يزهو به رشأه من الأعين الدعج، وما أضفى إليه من استعاراته المتتالية حتى الخد الأسيل.

وأما بعد، فلا أراك إلا أن تسير بين توسل الدم المطلول والولهان المقتول للرضاب المعسول والطرف المكحول، ولم ينسَ السيد شكوى عليل لعليل، والتعلق بالأنجيل على عادة العرب معدنه الأصيل، في وصفهم والعاشقين في تلهفهم ولهفهم يقدمها لك الشاعر بعقد لئالئ وجمان وبأعذب الألحان، اقرأ وترنّم ياقارئي الجميل:

يا قامة الرشأ المهفهف ميلي
بظماي منك لموضع التقبيل ِ
فلقد زهوتُ بادعجٍ ومزجــجٍ
ومفلجٍ ومضـــرجٍ واســــيلِ
رشأ أطلَّ دمي وفي وجناتــــهِ
وبشأنه أثر الدم المطـلولِ
يا قاتلي باللحظ أول مـــــــرّةٍ
اجهزْ بثانيــةٍ على المقتولِ
مثّل فديتك بي ولو بك مثّـلوا
شمس الضحى لم ارش بالتمثيلِ
فالظلم منك عليّ غير مذممٍ
والصبر منّي وردها المطلـول
ولماك رّيّ العاشقين فهل جرى
ضربٌ بريقك أم ضريب شمولِ
يهنيك يا غنج اللحـــاظ تلفّتي
ياخـــير آمالي وأكرم سولـي
لام العذار بعارضيك أعلّنــــــي
ما خلت تلــــك اللام للتعليلِ
وبنون حاجبك الخفيفة مبـــــتلٌ
قلبي بهـــم في الغرام ثقيل
أتلو صحايــف وجنتيك وانـــت في
سكرِ الصبا لم تدرِ بالأنجيلِ
أفهل نظمت لئالئاً من أدمعي
سمطين حول رضابك المعسولِ
ورأيت سحر تغزّلي بـــــك فاتنا
فجعلتـــه في طرفك المكحول
أشكو إلى عينيك من سقمي بها
شكوى عليل في الهوى لعليل
فعليك من ليل الصدود شباهة
لكنّـــها فـــي فرعـــك المســدول
وعلى قوامك من نحولي مسحة
لكنّها فــي خصرك المهـزول
ويلاه من بلوى الموشّح أنّــــه
لخفيـــــف طبـــع مبتـلٍ بثقيــــل
لا ينكر الخالون فرط صبابتي
فالداء لـــم يؤلم ســوى المعلــول
لي حاجةٌ عند البخيل بنيلــــهِ
ما أصعب الحاجات عنـــــد بخيـــلِ
وأحبّه وهو الملول ومـــن رأى
غيري يهــــيم جوىً بحبّ ملول
أكذا الحبيب أبثّه الشكوى التي
يرثي العدو لها ولا يرثي لي (39)

و عادةً يبدأ شاعرنا قصائده الأخوانّية في التهنئة والمديح بنسيب رهيف وغزل رقيق، تذوب عنده النفوس، وتتراقص أمامه الأرواح، فتهفو إليه القلوب، وتطرب له الأذان أنها غاية الروعة لسعة الخيال الفني، إذ تمتزج عطور القرون السالفة لأيام ألف ليلة وليلة بمسك الأعوام الخالفة لبلدان الجن والملائكة.. يقدمها إلى أنظارنا الشاعر الكبير، ونقدم إليك قامة لرشأ مهفهف آخر، إذ تسحب أبرادها في روضات الجنان وتحت أنغام موجات اللحن الفتان، ونترك إليك الريح الشمالية والمعانقة العذرية والنجوم التي انكدرت والنمال التي حُسدت والصدور الموصولة إلى الكعوب والمشي على القلوب، إنّ مطلع لقصيدة قالها شاعرنا الحلي مادحاً الحاج مصفى مرزة، ومهنئاً بزواجه:

بالغلس انسلّت إلى حبيبــها
تخطو وعيناها إلــى رقيبــها
ساحبة الأبراد فــــي مرابــعٍ
أرجـاؤها تضـــوّعت بطيبها
مرّت بها ريح الشمال فاغتدتْ
حمل طيب المسك في جيوبها
فرشت أحشاي لها لكّننـــي
خشيت ان تضجر من لهيبها
عانقتها كأن كفيَّ التقــــــت
من قضب الجرعا على رطيبها
حشاشتان التقتا كــــلٌّ ترى*
أن ليس فــي الآخر كالذي بها
إذ النجوم انكدرت فــــي نحرها
والبدر قد كوّر في جيوبها
وفوق طرس الصدر منها أسطرٌ
ما نظر القاري إلى مكتوبها
مثل النمال سرّبت في دميةٍ
تسري لها والحسن في تسريبها
احسد هاتيك النمال أنّهـــــا
إلى الرضـــاب منتهى دبيبـها
تسبل فوق ردفها ذوائبـــــاً
يذوب قلب الصبّ من تقليبها
سودٌ عــــلى أكفالهـا كأنّــها
أساودٌ تســــعى إلـــى كثيبها
تحبّها الناس ولكن إن مشتْ
كأنّـــــها تمشي على قلـوبها
فكم شكت عشاقها لها جـوىً
شكاية المرضى إلى طبيبــــها
كم كسّرتْ أجفانها فـــي غنجٍ
فانكسرت لي عبرة ابكي بها
تنظر في دعجٍ وأرنو بالتي
أخضلت الأردان في غروبـــها
وهبتها قلبي لا في عوضٍ
إن رضيــــتْ فيه فمـــن نصيبها(40)

لك ان تهبَ قلبك.. ولها ان ترضى او تأبى.. الإنسان هو الإنسان.. رحم الله السلف الصالح، وأنعم على الخلف الطامح.

(1) الديوان بتحقيق العلامة الشهيد والمرجع الديني الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (رحمه الله ) مع مقدمة ثمينة للمحقق نفسه وقعت (بقلم النجفي)، وهنالك ترجمة لحياة الشاعر مقتبسة من (البابليات) للشيخ علي الخاقاني، وترجمة اخرى بقلم اخيه وجامع شعره السيد هاشم الحلي.

(2) ذكر في الديوان اسم ابيه (محمد) وهو تصحيف والحقيقة كما دوناه.

(3) (نهضة العراق الأدبية..) للدكتور مهدي البصير ص125 طبعة 1990م.

(4) (نقباء البشر) للشيخ آغا بزرك الطهراني ص288-289، طبعة 1404هـ.

(5) أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين، م4 ص97، 98.

(6) ذكرياتي للجواهري، الجزء الأول ص44.

(7) البابليات، للشيخ علي الخاقاني، ج1 ص180-181.

(8) المصدر نفسه.

(9) الديوان، المقدمة ص43.

(10 ) نهضة العراق الادبية، م.س.

(11 ) (هكذا عرفتهم): جعفر الخليلي، ج1 ص82.

(12) نقباء البشر، م.س.

(13) المصدر نفسه.

(14) أدب الطف: السيد جواد شبر، ج8 ص103.

(15) الديوان، ص383-385، طبعة 1988، تتضمن القصيدة خمسة واربعين بيتاً.

(16) البابليات، م.س.

(17) الديوان ص202-203.

(18) (19) و (20) و (21) (22) و (23) تجد الشعر في الديوان الصفحات 12، 204، 312، 406، 222، 409. وفي مصادر اخرى.

(24) يختلط على كثير من العراقيين والعرب لقب (طباطبائي) على أنه فارسي، وهو لقب عربي قح، ليس له علاقة بالفرس، لقب (طباطبا) أطلق على إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الإمام الحسن عليهم السلام الحسني العلوي الهاشمي القرشي أحد أعيان بني هاشم من قبيلة قريش. اشتهر بـلقب «طباطبا»، لأنّه كان يلفظ «القاف “طاءً، للثغة في لسانه، ولذلك كان يلفظ “قَبا » “طَبا » وعرف إثر تكرار هذه الكلمة بـ «إبراهيم طباطبا » كان أحد أصحاب الإمام جعفر الصادق. وهو ذي الخطر، لانه كان خطرا على الدولة العباسية. توفي مقتولا في سجن هارون الرشيد عام 190 هجرية. راجع الموسوعة الحرة.)

(25) راجع اعيان الشيعة، م4 ص97-98.

(26) الأعيان م4 ص 97 - 98.

. (27) معجم الادباء/ياقوت الحموي ج11 ص 182-189/دار الكتب العلمية بيروت 1991

(28) البابليات/الشيخ علي الخاقاني ج1 ص191.

(29 ) هكذا عرفتهم/ جعفر الخليلي ج1 ص383.

(30) الاعيان م2 ص129-131.

(31) الديوان ص71-72، نهضة العراق الادبية../د.مهدي البصير ص125.

(32 ) الديوان ص301-303.

(33 ) والكاشفين كرماً..فيه زحاف (الخبل) وهو مركب من الخبن والطي في تفعيلة واحدة تحذف سين وفاء مستفعلن فتصبح (متعلن) وينقل الى (فعلتن) وهو جائز ولكنه غير مستحسن.

(34) الديوان ص 88.

(35) الديوان ص 96.

(36) ديوان السيد مصطفى جمال الدين ( الديوان): ص81 الطبعة الثانية.

(37) المصدر نفسه ص83-84.

(38) الديوان ص 429.

(39) الديوان ص 388 - 389.

(40) الديوان ص 99 - 101.

من نفس المؤلف