كانَ وصارَ

، بقلم رامز محيي الدين علي

من العباراتِ التي تفيضُ على ألسنِ النَّاسِ سُمَّاً زُعافاً (كان وصار) تريدُ أن تُعيدَ التَّاريخَ إلى الوراءِ.. إمَّا لأنَّ مَن يردِّدُها ما زال يرتدي عباءةَ الماضي بكلِّ سوادِها المتَّشحِ بظلامِ فكرِهِ المتعثِّرِ في أوحالِ الماضي، وإمَّا لأنَّه لا يُبصرُ عجلةَ الحياةِ وقد تجاوزتْ أوحالَه إلى طرقٍ معبَّدةٍ بإسفلتِ مصانعِ الحياةِ المتجدِّدة، مخطَّطةٍ بفوسفورِ فكرِها الوضَّاءِ.

عبارةٌ ردَّدها على مسمعي أحدُ الأصدقاءِ مراراً، فجعلَتْ تخزُني صباحَ مساءَ، وتُقلقُ مضجعِي كلَّما وجدتُ في أوصالي شوقاً إلى الرُّقادِ.

عبارةٌ قذفَها صديقي في ساحةِ خيالي فانفجرَت قنبلةً في مختبرِ ذاكرتي وفكرِي، فانطلقتْ كاسحاتُ ألغامِ عزيمتِي لتحطِّم شظايا مخلَّفاتِ تلك القنبلةِ؛ لتُلقيَ بها في حاوياتِ الأسلحةِ المدمَّرةِ تحت أشعَّةِ الشَّمسِ الحارقةِ لتطهِّرَها من جراثيمِها وأوبئتِها.

عبارةُ: (كان وصار) من مخلَّفاتِ الاستعمارِ الذي حكمَ الوطنَ العربيَّ مئاتِ السِّنين، فرحلَ ذلك الاستعمارُ ومازالتْ مخلَّفاتُه تعشِّشُ قي نفوسِنا!

دولٌ غربيَّةٌ كانت مدمَّرةً في الحربينِ العالميَّتين الأولى والثانيةِ، فصارتْ في قممِ الحضارةِ العالميَّةِ رقيَّاً وتقدُّماً فكريَّاً وصناعيَّاً وتقنيَّاً.. أمَّا نحنُ فما زلنا نمتَطي جوادَ عنترةَ، وما زلنا نحاربُ أنفسَنا بسيفِ عنترةَ، وما فتئْنا نترنَّمُ ببيتِ المتنبِّي:

الخيلُ والَّليلُ والبيداءُ تعرفُني
والسَّيفُ والرُّمحُ والقِرطاسُ والقلمُ

ويا ليت كلماتِ أغنيتِنا جاءتْ متساوِقةً مع مفرداتِ المتنبِّي بكلِّ مكوِّناتِها، فربَّما أحلْنا قرطاسَه إلى كتبِ عزٍّ وفخارٍ، وسبكْنا من قلمِه مواقدَ شجاعةٍ في ميدانِ الفكرِ وحرِّيةِ الرَّأيِ، لكنَّنا قومٌ نبذتْنا الخيولُ وركلتْنا بحوافرِها، وكشفَ الَّليلُ عوراتِنا وضحكَ النَّهارُ وبكى لحالِنا، ورمتْنا البيداءُ في يمِّ الحياةِ تتقاذفُنا الأمواجُ كما تشتِهي، وسقطَ السَّيفُ من يدِ فارسِه الممتطِي صهوةَ جوادِه البطوليِّ إلى رقابِ المستضْعفِين الحالمِين برغيفِ الخبزِ وكوخٍ حقيرٍ يقيهِم حرَّ الصَّيفِ وقرَّ الشِّتاء، وغيَّر الرُّمحُ مسارَه من الأمامِ نحوَ صدرِ العدوِّ إلى الخلفِ لطعنِنا خلفاً دون أن نعرفَ خيانةَ الطَّعنِ، وأضحى القرطاسُ صوراً لعضلاتِ عنترةَ وشهاداتِ تقديرٍ لإنجازاتِه العظيمةِ، ولكنَّ القلمَ تكسَّر فتاتاً وضاعَ بين شهواتِ عنترةَ وأحلامِه الفرعونيَّةِ العُظمى!

عبارةُ: (كان وصار) ذبحتْنا بلا سكاكينَ، ووارتْنا تحتَ الثَّرى ونحنُ أحياءٌ! فما العارُ في أنْ كان الإنسانُ يرتدي أوراقَ أشجارِ الغاباتِ، واليومَ يكفِّنُ جسدَه بالدِّمْقسِ والإستبرقِ والخزِّ والحريرِ على سررٍ مرفوعةٍ وفرُشٍ موضونةٍ وزرابيَّ مبثوثةٍ في نعيمِ الحياةِ، وصار إبليساً يُسربلُ جسدَه بأرديةٍ مزركشةٍ بأحدثِ أجهزةِ الحمايةِ والوقايةِ والاتِّصالِ تحت الماءِ وفي فضاءِ الكواكبِ والمجرَّاتِ؟!

عبارةٌ مؤلمةٌ (كان وصار) أطلقَها صديقٌ على خاصرةِ أفكارِي؛ ليطعنَ في حقائقِ التَّحوُّل البشريِّ من إنسانٍ بدائيٍّ إلى إنسانٍ مبدعٍ في جميعِ مجالاتِ الحياةِ:

من عاملٍ في مصنعٍ متهالكٍ.. إلى مخترعٍ لآلاتِ الصِّناعةِ الحديثةِ في شتَّى مجالاتِها..

من معلِّمٍ تربويٍّ يُصلِحُ الغسَّالاتِ والثلَّاجاتِ بُعيدَ انتهاءِ وقتِه الوظيفيِّ في التَّعليمِ من أجلِ كسْبِ لقمةِ العيشِ حلالاً طيِّباً.. إلى شاعرٍ وكاتبٍ وأديبٍ مبدعٍ فجَّرتِ الغربةُ قريحتَه ينابيعَ إبداعٍ وإلهامٍ في عالمٍ لا يصطادُ الحروفَ قبل أن تسبحَ في بركِ كلماتِها!

من طبيبٍ كان الذُّبابُ يحومُ فوق أدواتِه الطبِّيةِ لعلَّه يعثرُ على بقايا عالقةٍ من جسدِ مريضٍ.. إلى طبيبٍ تتهافتُ المستشفياتُ لانتزاعِ شهرتِه وبراعتِه.. وتختنقُ خطوطُ الهواتفِ لحجزِ دورِ العلاجِ في عيادتِه!

من مهندسٍ كان يرتدي بزَّتَه من أسواقِ البالةِ مضطجِعاً على كرسيِّه الرُّومانيِّ العتيقِ خلفَ طاولةٍ خشبيَّةٍ من مخلَّفاتِ الحربِ العالميَّةِ الأولى.. إلى مهندسٍ استشاريٍّ يتصارعُ المقاولونَ في خطِّ اسمِه على لوحاتِهم التي تعلو ناطحاتِ سحابٍ قبل أن تُشقَّ الأرضُ لأثاثِ بناءِ الأبراجِ!
من طالبٍ كان يستخرجُ أفكارَه بمحراثٍ قديمٍ.. إلى عالمٍ ومخترعٍ يستقبلُه رؤساءُ وملوكُ العالمِ المتحضِّرِ فخراً واعتزازاً!

من بائعٍ متجوِّلٍ يبيعُ غلَّاِته على سلَّةٍ من القشِّ.. إلى تاجرٍ تمخرُ بواخرُ بضاعتِه عبابَ بحارِ الصِّينِ واليابانِ والعربِ ومحيطاتِ الأطلسيِّ والهنديِّ والهاديْ!

من تاجرٍ يجمعُ قطعَ الألمنيومِ والحديدِ والنُّحاسِ من الأزِقَّةِ والحاراتِ على (طرطيرة) تختبئُ من أصواتِها الضفادعُ في أنهارِها وتهرَعُ الغربانُ إلى أوكارِها.. إلى تاجرِ قطعٍ صناعيَّةٍ ضخمةٍ تتراقصُ فواتيرُ بيعِها على ألسنةِ أحدثِ الطَّابعاتِ موشَّاةً بـ (باركوداتٍ) تماثلُ خطوطَ الطُّولِ والعرضِ حولَ العالمِ!

من ممثِّلٍ كان يرتدي سراويلَ رجالِ بابِ الحارةِ، ويفتلُ شاربيْهِ مثلَ قرنيْ جاموسٍ صعيديٍّ تتقطَّرُ البطولةُ المزيَّفةُ من خنجرِه المصنوعِ من معدنِ الهزيمةِ والقهرِ والذُّلِّ والجهلِ والتَّخلُّفِ.. إلى بطلٍ حقيقيٍّ يرتدي أثوابَ الحقيقةِ مرصَّعةً بجواهرِ الفكرِ الحرِّ، شاهراً سيفَ كلمتِه في وجهِ الظُّلمِ والطُّغيانِ، محارباً كلَّ فكرةٍ مأجورةٍ تصنعُ حيونةَ الإنسانِ!

من أديبٍ مغمورٍ يخشى أن تعضَّ على جسدِه قضبانُ الحديدِ وتنهشَ من لحمِه كلابُ الحراسةِ وتمتصَّ دمَه سياطُ الجلَّادينَ.. إلى أديبٍ عالميٍّ تُترجَمُ أفكارُه إلى لغاتِ الحضارةِ والإنسانيَّةِ، وترفرفُ كلماتُه رفرفةَ البلابلِ، مغرِّدةً لولادةِ حياةٍ جديدةٍ وانبعاثِ إنسانٍ جديدٍ من أصحابِ الكهفِ إلى إنسانٍ عصريٍّ تتباهى الحضارةُ بفكرِه وتتراقصُ الإنسانيَّةُ في حركاتِه وسكناتِه!

من صانعٍ أفنى ثلثَ عمرِه في تحويلِ مركبةٍ مطرطِرةٍ تتعكَّزُ على ثلاثِ عجلاتٍ مختلفةِ المقاساتِ والأحجامِ.. إلى سيَّارةٍ لا تشبهُ سيَّاراتِ العالمِ في رِدائِها أوحركتِها أو نفطِها الذي يحرِّكُها أومكابِحِها التي تشبهُ حبالَ الدِّلاءِ تعلُو وتهبِطُ فوقَ صحنِ الفرملِ!.. إلى مخترعٍ لسيَّاراتٍ تسيرُ على الطَّاقةِ الشَّمسيَّةِ وتطيرُ في الهواءِ بعد أن لفظتْ جميعَ مخلَّفاتِها من النِّفطِ المحترقِ بقدرةِ القضاءِ والقدرِ!

من إنسانٍ مزَّقَت خارطةُ الوطنِ العربيِّ الكبيرِ تلافيفَ دماغِه طليعاً وشبيباً ورفيقاً، فلم يعثرْ على وجودِه الحقيقيِّ إلَّا في غابةٍ تتصارعُ فيها الذِّئابُ والكلابُ على بيادرَ من عظامِ الضَّحايا بعد أن نهشَ لحومَها الغضنفرُ ورحلَ بعيداً!

من آدميٍّ تطاردُه سياطُ الجلَّادين في طابورِ أفرانِ الخبزِ، وتلاحقُه عصيُّ مخافرِ الدَّركِ في صفوفِ المستهلكينَ بحثاً عن قارورةِ الزَّيتِ وعلبةِ المحارمِ الورقيَّةِ وقادوسِ الماءِ الرَّابضِ فوقَ بابورِ الكازِ وصابونةِ الغارِ يتطهَّرُ برغوتِها من رجسِ حلُمِه الليليِّ الذي باتَ وبالاً عليهِ يؤرِّق عينيهِ، ويتعفَّفُ في إطلاقِ فلذاتِ كبدِه في وجهِ الحياةِ كي لا تُساقَ سوقَ البهائمِ إلى جحيمِ الموتِ تحتَ شعاراتِ قداسةِ الدِّفاعِ عن التُّرابِ!.. إلى إنسانٍ يديرُ أفرانَ الخبزِ بجهازِ تحكُّم تتقافزُ أرغفةُ الخبزِ بين يديهِ وتزقزقُ العصافيرُ من حواليهِ، وتتلاعبُ القططُ بين قدميهِ.. إلى إنسانٍ يغمزُ على أجهزتِه فتمسحُ أصابعَ يديهِ و أمشاطَ رجليهِ.. إلى إنسانٍ يستحمُّ متى شاءَ ببخارِ الماءِ، ويتنشَّفُ بعطرِ الوردِ على حرارةِ الطَّاقةِ الشَّمسيَّةِ وهو يحتسِي قهوتَهُ مع صاحبتِه وبنيهِ!.. إلى إنسانٍ يحارُ في اختيارِ الشَّامبو الملائمِ لفروةِ رأسِه بعدَ أن أنهكتْها لغةُ أكلوني البراغيثُ!.. إلى إنسانٍ يطلقُ فلذاتِ كبدِه في البحارِ فلا يخشَى عليها من الحيتانِ أو التمَّاسيحِ الضَّاريةِ!
من بشريٍّ يقلِّبُ الوادي صباحَ مساءَ بحثاً عن حبيباتِ البندورةِ في حواكيرِ جدِّه وجدَّتِه السَّنيورةِ.. إلى إنسانٍ تغصُّ ثلَّاجتُه في المطبخِ بشتَّى أصنافِ البندورةِ المداريَّةِ والاستوائيَّةِ، وتتزاوجُ فيها حبَّاتُ الكيوي بثمارِ المانجو والكرزِ والدُّرَّاقِ والمشمشِ وثمارٍ أخرى رأى فيها قدرةَ الخالقِ فضعُفتْ ذاكرتُه في حفظِ أسمائِها!

فهل تستغربُ يا صديقي بعد كلِّ هذا التحوُّلِ في الحياةِ أن ينقلبَ القردُ الدَّاروينيُّ إلى إنسانٍ شاعرٍ وكاتبٍ وأديبٍ عالميٍّ ومبتكرٍ ومخترعٍ وملكٍ يسبحُ في الفضاِء بحثاً عن حياةٍ جديدةٍ على المرِّيخِ أجملَ من حياتِه على كوكبِ الأرضِ؟!

وحسبي أني أفحمتُك بـ (صار) ردَّاً على اتِّهامِكَ لنا بـ (كان)! فهلْ تحتمِلُ أن أصارعَك بلكماتِ (باتَ و أمسى وأضحى وطفِقَ وشرعَ وبدأَ..)..أظنُّني أنهيتُ الحكايةَ!


رامز محيي الدين علي

كاتب سوري مقيم في الإمارات

من نفس المؤلف