مما استهجنته من الشعر

، بقلم فاروق مواسي

استهجنت الغلو والإيغال في المدح والنفاق، وكنت أرجو أن يربأ المتنبي بنفسه عن ذلك، مع أنه كان يفخر بنفسه هنا وهناك وفي معرض مديحه للآخرين.
لكن شاعري الذي أحببته أهان نفسه، فمدح نكرات من الأمراء والولاة كعلي بن الحاجب مثلاً، (فمن يذكره اليوم؟)، بل نحن نردد قصيدته "الدينارية" التي ألقى عليٌّ له دينارًا بعد أن سمع مديحه الذي لا يستحقه!!!

ومطلعها:

بأبي الشموس الجانحات غواربا
اللابسات من الحرير جلاببا

مع ذلك فقد طغى الشعر النفاقي طمعًا بالتكسب.

اخترت لكم نموذجًا مما أستهجنه اقتبسته من (ديوان أبي العتاهية، ص 160) حيث أهدى الخليفةَ الأمين نعلاً كتب على شِراكها:

نَعْلٌ بعثتُ بها ليلبسها
قدم بها يمشي إلى المجد
لو كان يصلح أن أشَرِّكَها
خدّي جعلت شِراكها خدي

قبل أن أسترسل في نماذج من هنا وهناك أود أن أؤكد أن لكل شاعر ممن أذكرهم إبداعات وطاقة شعرية لا تُنكر، وكفى المرءَ نبلاً أن تعد معايبه.

فبشار الشاعر المفلق يقول على غرار ذلك- مع الأسف-:

وجذَّتْ رقابَ الوصلِ أسيافُ هجرِها
وقدّتْ لرِجْل البين نعلين من خدّي

وعلى ذكر "رِجل البَين" أتذكر قول أبي نُواس:

ما لرِجْل المال أضحتْ
تشتكي منك الكَلالا
رِجْل المال؟

مما أستهجن كذلك من الشعر الذي لا يصف وصفًا سائغًا، قول الخباّز البلدي (من الجزيرة ت. 990م) يصف روضًا:

كأن شقائق النعمان فيه
ثيابٌ قد رَوين من الدماء

والصورة فيها بشاعة، لا تبعث وقعًا لطيفًا في النفس، حيث منظر الثياب يتقاطر الدم منها.

عِيبَ على أبي مِحْجَن الثَّقَفي قوله في وصف قَيْنة- أي الجارية المغنية:

وترفع الصوت أحيانًا فتخفضه
كما يطنُّ ذباب الروضةِ الغرِدُ

هل تتخيلون مغنية تقبل تشبيه صوتها بصوت الذباب؟

وانظر إلى قبح المطلع في شعر جرير وهو يخاطب عبد الملك بن مروان:

أتصحو أم فؤادك غيرُ صاح
عشيّةَ همَّ صحبُك بالرواح
فأجابه عبد الملك: بل فؤادك أنت.

(مع أنه كان يعرف أن الشاعر لجأ إلى التجريد فخاطب نفسه)

ومن قبيل ذلك ما أنشده أبو النجم أمام هشام بن عبد الملك، وقد كان هذا الخليفة أحول:

والشمس قد كادت ولما تفعلِ
كأنها في الأفق عين الأحول

وقد نسي صاحبنا أن لكل مقام مقالاً، وعلى الشاعر أن يحترز.

أبو تمام مبدع كبير، لكن الآمدي وجد في بعض تشبيهاته واستعاراته غرابة وعجبًا، نحو:

فلويتَ بالمعروف أعناقَ الورى
وحطَمْتَ بالإنجاز ظهر الموعد

حطم ظهر الموعد بالإنجاز؟؟

لو قال "ظهر المال" لجعل الصورة أكثر قبولاً.

مما عيب على البحتري قوله في مدح المعتز بالله:

لا العذلُ يردعه ولا التعنيف عن كرم يصدّهْ

قال الآمدي في الموازنة:

"وهذا عندي من أهجن ما مُدح به خليفة وأقبحه، من ذا يقبّح الخليفة أو يصدّه؟ إن هذا بالهجو أولى به من المدح".

(الآمدي: الموازنة بين أبي تمام والبحتري، ص 376- مكتبة الخانجي)

(للتوسع في أنواع التشبيه، انظر: ابن رشيق: العمدة ج1، ص 270)


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف