أيحتمل أن يشرك الأنبياء؟

عن التعريض في البلاغة

، بقلم فاروق مواسي

وجه لي أحد الأصدقاء سؤالاً حول هذه الآية من سورة الزُّمَر، 65:

وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ
كيف يمكن أن يكون هذا التنبيه للنبي محمد – عليه السلام- ويكون الخطاب له، فهل يعقل احتمال الشرك من قِبَل النبي أو من الذين من قبله من أصحاب الرسالة؟

أولاً- تفسير الآية:

أوحى الله إليك يا محمد لئن أشركت ليحبَطنّ عملك أي يخيب ويفسد عملك، ولتكوننّ من الخاسرين،

وإلى الذين من قبلك- بمعنى: وإلى الذين من قبلك من الرسل من ذلك، مثل الذي أوحي إليك منه، فاحذر أن تشرك بالله شيئا فتهلك.

من التفاسير التي أعتمدِها وأرى فيها دقة النظر تفسير القرطبي، وقد راق لي ما ذكره:
"وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وقيل: الخطاب له والمراد أمته؛ إذ قد علم الله أنه لا يشرك ولا يقع منه إشراك".

فالجملة بعد كلمة "وقيل"- هي الشرح المنطقي.

في البلاغة يسمى مثل هذا الخطاب غير المباشر- "التعريض" وهو خلاف التصريح- فهو تلميح أو إيحاء، فالله لا يختار لتبليغ رسالته من يمكن أن يشرك به مستقبلاً، فهو يرسل المعصومين ولا ريب.

إذن فالخطاب هو تلميح لأمته أن يحذروا من الشرك.

فهذا التعريض أبلغ في مواجهة الأمة، أبلغ من أن يخاطبهم مباشرة: لا تشركوا فيحبط عملكم!

فإذا كان الله يخاطب الرسول وسائر الأنبياء بهذا التحذير لئلا يشركوا، والنبي لا يملك لنفسه الحماية من أن يحبَط عمله ويكون من الخاسرين، فماذا عسى أن يكون مصيركم أيها الآخرون؟

هل عرفتم الحكاية الشعبية: الحكي لك يا جارة تا تسمعي يا كنة؟

إنها أقرب شبه لموضوع التعريض، فالتعريض في اللغة أن تقول كلامًا لا تصرّح بمرادك منه، لكنه قد يشير إليه إشارة خفية. وقد ورد في الأثر-: "إن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب".

(صحيح البخاري- باب الإيمان- المعاريض، رقم 5856.)

وقد يكون التعريض بذكر مثل أو لغز أو قول مأثور، وفيه غمز لا يفطن إليه كل متلقٍّ.

نحو ما ذكره صديق لي بعد أن سمع محاضرة ما، فعلّق: لا أرى طِحْنا.

وأظنكم فهمتم تعريضَه.

أرى أن الآيات التي نهايتها:

إنما يتذكر أولو الألباب، فليذّكر أولو الألباب، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون، وبأنهم لا يفقهون- جميعها فيها تعريض بالكافرين، فهم كأنهم لا ألباب لهم، ولا يفقهون، مع أن ذلك تلميح فقط دون شرح سبب انعدام صوابهم، فالآيات تذكّرهم أنهم سيكونون بهذا الوصف إذا استمروا في غَيّهم وضلالهم، وبالتالي فهو تحريك لهم لكي يكونوا من أولي الألباب وممن يعقلون أو يفقهون.

إليكم نموذجًا آخر من الذكر الحكيم:

وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ- التوبة، 81

فقوله عن نار جهنم أنها أشد حرًا هو تقريع لهم لأنهم لا يريدون القتال في معركة تبوك في الحر، وكأنه يقول لهم ستكونون في نار جهنم وهي أشد حرًا، ولعلهم يفقهون ذلك، فيقدمون للقتال.

في كتاب العسكري (سر الصناعتين)، ص 368 ثمة نماذج من التعريض جدير بالاطلاع عليها، منها:

"بعث العنبري إلى قومه بصرّة شوك وصرّة رمل وحنظلة،

والمعنى: جاءتكم بنو حنظلة في عدد كثير ككثرة الرمل والشوك".

ومن مليح ما جاء في هذا الباب قول أبي العيناء، وقد قيل له: ما تقول في ابني وهب؟

قال: وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج.

فالتعريض يكون كذلك في وصف الحالة، فإذا قال لك قائل:

والله إني لمحتاج وليس في يدي شيء،

أو هذا اليتيم عريان والبرد قد آذاه.

فهذا تعريض يطلب فيه المساعدة دون أن يستعمل فعل أمر يفيد الطلب.


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف